دماغك يُولد خلايا جديدة.. حتى ونحن نقرأ هذا السطر
16 سبتمبر 2026
16 سبتمبر 2026
في تلافيف الدماغ، ثمة منطقة ترجّح الأبحاث الحديثة أنها لا تتوقف عن صناعة خلايا جديدة، حتى وإن تجاوزنا الثمانين. وحين يبدأ الزهايمر بإيقافها، يكون ذلك قبل أن نشكو من شيء.
ظل الرأي السائد طويلًا أن الدماغ البشري البالغ لا يُنتج خلايا عصبية جديدة. لكن في الحقيقة، هنالك دراستان جديدتان نُشرتا في (Science) و (Nature) تشكّكان في هذه القناعة من أساسها، وترجّحان أن منطقة الحُصين Hippocampus (سوف أتطرق لهذه المنطقة لاحقاً) في الدماغ تواصل إنتاج خلايا عصبية جديدة حتى في مرحلة الشيخوخة. أنا مهتم جدا بهذه الدراستين لأنهما تربطان هذا المفهوم بمرض الزهايمر، حيث إن عددا قليلا من الناس يقاومون الخرف بعد الثمانين.
تقول الأبحاث الحديثة: إننا قبل أن نكمل قراءة هذه الجملة، تكونت خلايا عصبية جديدة في أدمغتنا. وهذا ما ترجّحه الأدلة المتاحة، لا ما تجزم به. لكن الوصول إلى هذه الخلاصة لم يكن سهلاً أبداً. قبل أن تصدر تلك الدراستان اللتان رجّحتا كفة على أخرى في هذا الخلاف، سبقتها عقودٌ من النزاع العلمي، وفرقٌ بحثية خرجت بنتائج متناقضة.
لنضع أصابعنا أمام آذاننا، ولندفعها بالتخيل إلى الداخل قليلاً، هناك تقريباً، في عمق الفص الصدغي، يقع الحُصين، وهو تركيب صغير يشبه في شكله حصان البحر داخل الدماغ. تُخزَّن فيه الذكريات، وعن طريقه نتعلم ونعرف طريقنا في المكان. فقدانه أو تلفه هو ما يجعل مريض الزهايمر يسأل عن الطريق إلى بيته الذي عاش فيه عقوداً.
ولعل سبب الجاذبية الاستثنائية لهذا الموضوع أنه يناقض درساً راسخاً في أذهان كثير منا. فمعظمنا تعلم في المدرسة أن خلايا الدماغ لا تتجدد، وأن ما يموت منها يذهب بلا بديل. لكن أن يقول العلم اليوم عكس ما درسناه يمس شيئاً شخصياً في كل من يقرأه، ولهذا أدهشني الموضوع وأنا أتابعه.
كتبت في إحدى المقالات السابقة (الدماغ الذي يُعيد بناء نفسه، اللدونة العصبية)، ويجب أن أفرّق هنا بين الموضوعين لأنهما يختلطان كثيراً. فاللدونة العصبية تنوه إلى قدرة الدماغ على إعادة ترتيب الوصلات بين خلاياه الموجودة أصلاً، فتقوى وصلة وتضعف أخرى بحسب ما نتعلمه ونمارسه. أما ما نتحدث عنه اليوم فولادة خلايا عصبية جديدة لم تكن موجودة من قبل. بشكل مبسط، اللدونة العصبية تعيد ترتيب الأثاث في الغرفة. لكن تكوّن الأعصاب هو بناء غرفة جديدة.
في علم الأعصاب، قليل من مسائل علم الأعصاب أثار جدلًا امتد كل هذه العقود مثل مسألة (تجدد الخلايا العصبية في الدماغ البالغ) أو ما يُعرف علمياً بـ(تكوّن الأعصاب/Neurogenesis). في نهاية القرن الماضي، أدلى باحثون أنهم رصدوا خلايا عصبية جديدة تنمو في حُصين الدماغ البشري البالغ. كان الخبر بمثابة ثورة. ثم جاءت دراسة عام 2018 نُشرت في (Nature) ونفت هذه النتائج، مستندةً إلى تحليل دقيق لأنسجة بشرية. كان الجدل مثيراً لأنه تجاوز حدود الخلاف الأكاديمي. كان يحدد ما إذا كان دماغنا قادراً على تجديد نفسه، وما إذا كانت أمراض كالزهايمر يمكن معالجتها عبر تحفيز هذا التجديد.
في عام 2025، نشرت مجلة (Science) دراسة أعادت فتح هذا الملف بأدوات أحدث وبيانات أدق. كشف الباحثون عن وجود خلايا جذعية عصبية نشطة تتكاثر فعلياً في الحُصين البشري البالغ. وما يميز هذه الدراسة عن سابقاتها دقتها التقنية التي استُخدمت فيه؛ إذ اعتمد الفريق البحثي على تقنيات تتيح تحديد هُوية الخلايا بدقة، مما يجيب على اعتراضات رئيسية كانت تقول إن ما رآه العلماء سابقاً كان خلايا ناضجة تحمل علامات مشتركة، لا خلايا عصبية حقيقية. ومع ذلك أقرأ هذه الدراسة بحرص. دراسة واحدة، بتقنية حديثة، تحتاج فريقاً آخر يعيدها بأيديه قبل أن تُعامل كحقيقة مستقرة. وهذا ليس تشكيكاً في الفريق.
لكن الاكتشاف الأكثر إثارةً جاء في عام 2026، حين نشرت مجلة (Nature) في فبراير دراسة واسعة النطاق قادها مختبر أورلي لازاروف في جامعة إلينوي شيكاغو، ومؤلفها الأول الباحث العربي أحمد ديسوكي، ومعه مصطفى م مصطفى وفريق متعدد التخصصات من جامعة إلينوي شيكاغو وجامعة نورث وسترن ومؤسسات أمريكية أخرى. وقد حللت الدراسة ما يزيد على 355.997 نواة خلوية مستخلصة من أنسجة الحُصين البشري لأفراد من مجموعات مختلفة يتضمنون (شبابا أصحاء، وكبارا في السن لا يعانون من أي ضعف إدراكي، وفئة نادرة يُطلق
عليها الباحثون اسم (كبار السن الاستثنائيين / SuperAgers) الذين تتجاوز أعمارهم الثمانين، ومع ذلك تبقى ذاكرتهم حادة كذاكرة الشباب، فضلًا عن مرضى الزهايمر في مراحل مختلفة. وجاءت أنسجة كبار السن الاستثنائيين من جامعة نورث وسترن، أما بقية الأنسجة فمن جامعة واشنطن، وكان ثمانية أفراد تتراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين حين وفاتهم. وفي تجربتهم الدقيقة تلك، ما كانوا ينظرون إلى النسيج كتلةً واحدة كما كان يحدث من قبل، وإنما أنصتوا إلى كل خلية على حدة، كمن يميز صوتًا واحدًا وسط جوفة. سمعوا أي أوامرها كانت تُنفّذ، وأي صفحاتها كانت مفتوحة وأيها مغلقة، فتمثلت خريطة دقيقة لما يجري داخل الحُصين.
يقول أحمد ديسوكي، المؤلف الأول للدراسة: «المهم للناس في هذه النتيجة أن الدماغ المتقدم في السن ليس ثابتًا ولا محكومًا عليه بالتدهور». وجد الفريق البحثي خلايا جذعية عصبية وخلايا عصبية ناشئة وخلايا حُبيبية غير ناضجة في أنسجة الحُصين البشري، وهي أقوى دلالة حتى الآن على أن التجدد العصبي قائم في الدماغ البالغ. وتشرح أورلي لازاروف هذه المراحل بمثال بسيط: «فكّر فيها كطفل، ثم طفل في سن المشي، ثم مراهق. كلها علامات على أن هذا الحُصين ينتج خلايا جديدة»، لكن النتائج لم تكن كلها في هذا الاتجاه.
في مرضى الزهايمر، وكذلك في من تظهر عليهم علامات المرض قبل ظهور الأعراض الكاملة، وهي حالة تُسمى (الزهايمر قبل السريري)، رصد الباحثون اضطرابًا في عملية التجدد العصبي. ولم يكن هذا الاضطراب في التسلسل الجيني ذاته. كان في مستوى أعمق، هو مدى تمكّن جهاز التحكم في الجينات من الوصول إليها، أي ما يُسمى (Chromatin accessibility إتاحة الكروماتين)، الجينات المسؤولة عن إنتاج خلايا عصبية جديدة موجودة إذن، لكن الآلية التي تشغّلها أو تطفئها أصبحت تعمل بصورة خاطئة في المرضى. ولنتخيل معًا مكتبة كاملة، كتبها كلها موجودة وسليمة، لكن بعض الرفوف أُقفلت وضاع مفتاحها. المعلومة هناك، والقارئ لا يصل إليها؛ هذا بالتقريب ما يحدث في دماغ المريض.
وفي مجالسنا رجال تجاوزوا الثمانين، وما تزال ذاكرتهم تدهشنا. يسرد أحدهم الأنساب فرعًا فرعًا، ويسمي الأودية ومواسم المطر وسنوات القحط بأسمائها، ويردد قصائد طويلة من دون ورقة واحدة. نقول عنه إنه صاحب ذاكرة قوية ونمضي. اليوم صار لمثل هذا الرجل اسم في الأدبيات العلمية، وهم (كبار السن الاستثنائيون)، وأصبح لذاكرته أثر يمكن قياسه في الأنسجة.
أكثر ما شدّني في الدراسة يتعلق بـ (كبار السن الاستثنائيين). هؤلاء الأفراد النادرون الذين يتجاوزون الثمانين من العمر وتبقى ذاكرتهم شبيهة بذاكرة من هم في عقد الخامسة لم يكونوا مجرد حالات محظوظة. تكشف قراءة بياناتهم الجزيئية عمّا وصفه الباحثون بـ(بصمة المقاومة). وهو نمط مميز في التجدد العصبي، وفي طريقة عمل الخلايا النجمية والخلايا العصبية في منطقة تسمى بالـ CA1 من الحُصين، يجعل أدمغتهم تقاوم التدهور المرتبط بالشيخوخة. وتقول لازاروف إن التجدد العصبي عند هؤلاء كان ضعف ما هو عليه عند بقية الأصحاء من أبناء سنهم: «شيء ما في أدمغتهم يمكّنهم من الاحتفاظ بذاكرة متفوقة. أعتقد أن تجدد الخلايا العصبية في الحُصين هو المكوّن السري، والبيانات تؤيد ذلك». ويبقى سؤال لم تُجب عنه الدراسة وهو: هل يمكن تحفيز هذا النمط في أدمغة الآخرين؟
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن معدلات الخرف والزهايمر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ارتفاع مستمر، مدفوعة بالنمو السكاني وارتفاع متوسط العمر المتوقع. وتتوقع التقديرات الدولية أن يرتفع عدد المصابين بالخرف في العالم من 55 مليونا اليوم إلى نحو 139 مليون مصاب بحلول عام 2050، وأن تكون الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، ومنها كثير من الدول العربية، الأكثر تأثرا.
في سلطنة عُمان تحديدًا، تُولي رؤية «عُمان 2040» الرعاية الصحية أهمية محورية، وهذا ما يجعل بحثا كهذا مسألة تخطيط صحي لا ترفا علميا. فالسؤال القديم -حول ما إذا كان لدماغ الإنسان المتقدم في السن أن يُجدد نفسه؟- أصبح الآن سؤالا طبيا قابلا للبحث والاختبار. وقد كان باحثان من أصول عربية في صلب هذا العمل، وفي هذا ما يفرحنا، فالكفاءة العربية حاضرة في أدق ما يُنشر في علم الأعصاب اليوم.
وكان السؤال الأكثر تكرارا: ماذا نفعل للحفاظ على هذا التولّد العصبي؟ والإجابة الأمينة أنها ليست وصفة. أقوى الأدلة حتى الآن تخص النشاط البدني المنتظم، ومعظمها جاء من حيوانات المختبر قبل البشر. أما القراءة وتعلّم آلة موسيقية وما شابههما، فالأدلة عليها غير مباشرة، وتوضع عادة تحت ما يسميه الباحثون (الاحتياط المعرفي)، وهو نشاط ذهني يبدو أنه يؤخّر ظهور الأعراض، إلا أنه لا يصنع خلايا جديدة بالضرورة. والفرق بين تأخير الأعراض وصناعة خلايا جديدة فرق كبير، تخلط فيه كثير من المنشورات المتداولة.
والمسافة بين فهم آلية جزيئية وبين تحويلها إلى علاج سريري طويلة ومليئة بالعقبات. وهذه الدراسات أدق مما سبقها، فهي تعرّف بالخلايا المستهدفة، وتحدد اللحظة الجزيئية التي يبدأ فيها الخلل، وهي لحظة تسبق ظهور الأعراض، وتقترح مسارات جينية وجزيئية يمكن أن توجّه البحث الدوائي مستقبلا.
والأكثر من هذا، وجدت الدراسة أن الخلايا النجمية (Astrocytes) وخلايا المنطقة CA1 في الحُصين تشارك في تنظيم الإدراك خلال الشيخوخة. هذه الخلايا، التي كانت تُعتبر تاريخيًا مجرد (دعم) للخلايا العصبية، لكن الآن على ما يبدو أنها تشارك في تحديد اتجاه الشيخوخة المعرفية. حين تتغير أنماط التعبير الجيني في هذه الخلايا، كما يحدث في الزهايمر، يختل التنسيق بين هذه الخلايا والخلايا العصبية المجاورة.
لم يُحسم الجدل العلمي حول تجدد الخلايا العصبية في الدماغ البشري بعد. ثمة فريق من الباحثين يطعن في قراءة بعض هذه البيانات، ويرى أن التمييز بين الخلايا الجديدة فعلا وبين الخلايا القديمة التي تحمل علامات مشابهة يظل تحديا تقنيا. لكن معظم البيانات المتاحة تشير إلى أن التجدد يحدث فعلا، وما بقي من الجدل لم يعد يدور حول السؤال الكبير. صار يدور حول تفاصيله، وهي: كم عدد الخلايا الجديدة التي تتشكل؟ وكم تدوم؟ وماذا تفعل بالضبط؟ وفي تقديرنا أن هذه التفاصيل أخطر مما تبدو. فإن كانت الخلايا الجديدة قليلة العدد وقصيرة العمر، فأثرها في الذاكرة قد يكون أصغر بكثير مما تعد به العناوين.
قبل مائة عام، قال العالم الإسباني سانتياغو رامون إي كاخال، الذي فاز بجائزة نوبل عن أعماله في الخلايا العصبية، عبارة صارت شهيرة: «في الدماغ البالغ، مسارات العصب ثابتة ومحددة ولا تتغير. كل شيء يمكن أن يموت ولا شيء يُجدَّد». كان يصف ما رآه بأفضل الأدوات المتاحة في زمنه. لكن اليوم، بعد مائة عام، وبأدوات ترى ما لم يكن يتخيله، يبدو أن الدماغ لم يقرأ ذلك الحكم.
هذا لا يعني أن علاج الزهايمر صار قريبا. لكنه يعني أن الرجل الذي يسرد الأنساب والقصائد في مجلسنا بعد الثمانين لم يعد لغزا. ففي دماغه أثر صار يمكن قياسه، وسؤال صار يمكن بحثه.
د مازن العبيدي أستاذ مساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية
