No Image
ثقافة

فخراتاج الإسماعيلي: ذاكرة المكان تمنح اللوحة هويتها وأفقها العالمي

14 سبتمبر 2026
14 سبتمبر 2026
ثلاثة عقود من الفن والتعليم

"العُمانية": تتشكّل تجربة الفنانة العُمانية فخراتاج الإسماعيلي في كونها مسكونة بروح المكان، فهو بالنسبة لها ليس مُجرد فضاء جغرافيّ، بل ذاكرة نابضة بالحياة، تختزن الحكايات والمشاعر والرموز والتفاصيل التي تصنع شخصيّة الإنسان.

وترى الفنانة التشكيلية التي تمتد تجربتها لأكثر من 3 عقود، أنّ الفنان كلما تعمّق في فهم المكان، استطاع أن يمنحه حضورًا جديدًا داخل العمل الفنيّ، أما الهُويّة في الفنّ فهي الامتداد الطبيعيّ للذاكرة، كونها تجمع بين التاريخ والقيم والعادات الإنسانيّة.

وقالت فخراتاج بنت هلال الإسماعيلي، فنانة تشكيلية: "على امتداد أكثر من 3 عقود من العمل الفنيّ، كانت مُشاركاتي داخل سلطنة عُمان وخارجها فرصة للتعرّف على مدارس فنيّة مُتعددة، لكنني في الوقت نفسه عززت قناعتي بأن الفنان لا يستطيع أن يُحقق حضوره الحقيقيّ إلا عندما ينطلق من بيئته وهُويّته الثقافيّة، ذلك كله في سياق امتداد الهُويّة الطبيعيّ وما تختزله الذاكرة ايضًا من سياقات ثقافيّة نوعيّة، فالهُويّة دائمًا ما تكون جامعة للتاريخ والقيم وعادات الإنسان، وعندما تمتزج الهُويّة بالمكان واللغة، تتولد رؤية فنيّة أكثر عمقًا وصدقًا، كون أن الفنان لا يرسم ما تراه العين فقط، بل ما تختزنه الذاكرة أيضًا".

وأضافت: "تمثل اللغة، سواء كانت منطوقة أو بصريّة وعاءً للثقافة، فاللوحة تمتلك لغتها الخاصّة التي تتجاوز حدود الكلمات، لكنها في الوقت نفسه تحمل روح البيئة التي ولدت فيها".

ووضحت أن تحويل مُفردات المكان العُماني إلى رموز تشكيليّة مُعاصرة، هو بمثابة الحفاظ على الأصالة، وفي الوقت نفسه ينفتح بابٌ للحوار مع المُتلقي في أي مكان من العالم، كما ترى أن الفنّ هو أحد أهم الجسور التي تربط الشعوب ببعضها، وأن الفنان يحمل مسؤوليّة أخلاقيّة وثقافيّة تتمثل في تقديم صورة صادقة عن وطنه، والإسهام في حفظ ذاكرته، وإبراز قيمه الإنسانيّة بلغة جماليّة قادرة على تجاوز الحدود، لأن اللوحة الصادقة لا تنتمي إلى مكان واحد، وإنما تنتمي إلى الإنسان.

وذكرت: "كل معرض أو مُلتقى فنيّ شاركت فيه، أضاف إلى تجربتي بُعدًا جديدًا في الرؤية والتقنيّة، إلا أنني كنت حريصة دائمًا على أن يبقى الإنسان، والمكان، والتراث بعُمانيتهما حاضرين في أعمالي، ليس في كونها عناصر زخرفية، وإنما باعتبارهما مصادر حية للإلهام والقيمة الثقافيّة التي تستحق أن تُقرأ بلغة تشكيليّة مُعاصرة".

وتبين في سياق حديثها: "قد تتغير الخامات والأساليب وتتطوّر أدوات التعبير، لكن البصمة التي أحرص على المُحافظة عليها هي الصدق الفنيّ، واحترام الهُويّة، والقدرة على تحويل التفاصيل اليوميّة والذاكرة الشعبيّة إلى لغة بصريّة يفهمها المُتلقي مهما اختلفت ثقافته أو لغته، وأومن بأن اللوحة التي تنطلق من خصوصيتها المحليّة تمتلك في الوقت نفسه قدرة أكبر على الوصول إلى العالميّة".

ومن المُثير للاهتمام؛ أنّ مسار الفنانة فخرتاج الفنّي كان يجمع بين المُمارسة التشكيليّة المُشاركة في المعارض الدوليّة، والتجربة التعليميّة ونقل المعرفة الفنيّة وأكدت: "أعتبر أن عملي في مجال التربية الفنيّة كان امتدادًا طبيعيًّا لمسيرتي الإبداعيّة، لأن التعليم والفنّ يشتركان في صناعة الإنسان، فالمرسم يمنح الفنان حرية التعبير، بينما تمنحه قاعة الدرس فرصة لغرس هذه الحريّة في نفوس الأجيال الجديدة".

وأضافت: " كنت أحرص في سنوات عملي في التعليم على أن يُدرك الطلبة أن الفنّ ليس مادة دراسيّة تنتهي بانتهاء الحصة، وإنما أسلوب للتفكير، ووسيلة لاكتشاف الذات، وأداة لبناء الذائقة الجماليّة وتعزيز الانتماء للوطن، لذلك كنت أشجّعهم على المُلاحظة والتأمل والسؤال والتجريب، لأن الإبداع الحقيقيّ يبدأ عندما يشعر الطالب أن لديه مساحة للتعبير عن شخصيته".

كما تعتقد الفنانة بأن المُعلم الفنان يمتلك تأثيرًا مُضاعفًا؛ فهو لا ينقل المعرفة فقط، بل يُقدم نموذجًا حيًا للطالب، ويُثبت له أن الفنّ يمكن أن يكون رسالة وثقافة ومسؤولية مُجتمعية.

وقالت: “إن التربية الفنيّة ليست نشاطًا ترفيهيًّا، بل هي استثمار طويل المدى في بناء الإنسان، فالطفل الذي يتعلّم الفنّ منذ سنواته الأولى يكتسب مهارات التفكير الإبداعيّ، والقدرة على المُلاحظة، وحل المشكلات، والعمل الجماعيّ، واحترام الاختلاف".

وأشارت إلى أهميّة تعزيز حضور الفنّ في المؤسسات التعليميّة، من خلال تطوير المناهج بما يواكب المُتغيرات المُعاصرة، وتوفير مرافق فنيّة مُجهزة، وتنظيم معارض ومسابقات مُستمرة، وإشراك الفنانين في البرامج التعليميّة، إضافة إلى اكتشاف المواهب مُبكرًا وتقديم برامج مُتخصصة لرعايتها، كما أن التعاون بين المدرسة والأسرة والمؤسسات الثقافيّة يمثل عاملًا أساسيًّا في بناء جيل يقدّر الفنّ ويعتبره جزءًا من ثقافته اليوميّة، وليس مُجرد نشاط جانبيّ.

وعن تنقلاتها عبر المحطات الفنيّة التي سلكتها في رحلتها الطويلة، تقول: "عندما أنظر إلى مسيرتي اليوم، لا أتعامل مع الجوائز أو المُشاركات الدوليّة بوصفها محطات للوصول، وإنما محطات للتعلّم والنضج، فالجوائز تمنح الفنان الثقة، لكنها في الوقت نفسه تزيد من حجم المسؤوليّة، لأن المُحافظة على المُستوى الفنيّ أصعب من الوصول إليه"، فكل تجربة مررت بها علّمتني شيئًا جديدًا؛ تعلّمت الصبر، وأهميّة الاستمرار، وأن النجاح الحقيقيّ لا يتحقق بالمُصادفة، وإنما بالعمل الدؤوب والتطوير المُستمر والقدرة على تقبل النقد والاستفادة منه".

كما أن وصول بعض أعمالي إلى مُقتنيات رسميّة ومؤسسات ثقافيّة يمثل بالنسبة لي مصدر اعتزاز، لأنه يعكس الثقة بهذه التجربة، وأن الفنّ قادر على أن يُصبح جزءًا من الذاكرة الوطنيّة"، كما أن الفنان العُماني قادر على المُنافسة إذا امتلك المعرفة والإصرار، وأن الهُويّة ليست عائقًا أمام العالميّة، بل هي بوابتها الحقيقيّة".

وفي وصف المشهد التشكيليّ اليوم توضح، يشهد المشهد التشكيليّ العُماني تطوّرًا ملحوظًا مُقارنة بما كان عليه قبل سنوات، سواء من حيث عدد الفنانين أو تنوّع التجارب أو مُستوى المُشاركة في المعارض المحليّة والدوليّة، كما أن المؤسسات الثقافيّة والجمعيات الفنيّة قامت بأدوار مُهمة في توفير منصات لعرض الأعمال وتشجيع المواهب.

ويمنح تنوّع البيئة الطبيعيّة والتراث الثقافيّ الفنان مخزونًا بصريًّا غنيًّا يصعب أن يتكرر في أماكن أخرى، كما أن الجيل الجديد يمتلك أدوات معرفيّة وتقنيّة واسعة، ويستفيد من وسائل التواصل الحديثة في التعريف بأعماله، وما يجب أن نؤكد عليه هو أننا بحاجة إلى مزيد من الاستثمار في النقد الفنيّ، والتوثيق، والبرامج التي تربط الفنّ بالمُجتمع، إضافة إلى توسيع فرص الإقامة الفنيّة والتبادل الثقافيّ مع المؤسسات العالميّة، لأن تطوّر الحركة التشكيليّة لا يعتمد على الفنان وحده، وإنما على منظومة ثقافيّة مُتكاملة.

وأضافت: "خلال السنوات الماضيّة شهدنا حضورًا متزايدًا للفنانين العُمانيين في المعارض والمُلتقيات الدوليّة، وهذا أمر يدعو إلى الاعتزاز، لكنه ينبغي أن يكون بداية لمرحلة جديدة تقوم على بناء تأثير مُستدام، فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن المُشاركة، بل عن التجربة المُتفردة القادرة على تقديم رؤية مُختلفة، ومن هنا تأتي أهميّة الاستثمار في البحث الفنيّ، والتوثيق، والإنتاج المعرفيّ، وبناء العلاقات مع المتاحف وصالات العرض الدوليّة، والمُشاركة في برامج الإقامة الفنيّة والمشروعات المُشتركة".

وتؤكد: " لا بد أن توجد المؤسسات الثقافيّة برامج استراتيجيّة للترويج للفنّ العُماني، وتنظيم معارض مُتنقلة في العواصم العالميّة، لأن نجاح الفنان يمثل في النهاية نجاحًا للمشهد الثقافيّ الوطني بأكمله، فأنا أومن بأن تكامل الأدوار بين الفنان والمؤسسات والقطاع الخاص والإعلام الثقافيّ هو الطريق نحو ترسيخ حضور الفنّ العُماني على الساحة الدوليّة بصورة أكثر استدامة وتأثيرًا".

وفي ظل التحوّلات المُتسارعة والانفتاح على المدارس الفنيّة العالميّة؛ تشير الفنانة فخرتاج إلى مسؤوليّة الفنان في تقديم قراءة مُعاصرة للموروث تحفظ أصالته وتمنحه أفقًا جديدًا كون أن الهُويّة ليست مُجرد استحضار للمُفردات التراثيّة، وإنما طريقة في التفكير ورؤية للعالم، لذلك فإن المُحافظة على الهويّة لا تعني تكرار الماضي، بل إعادة قراءته بما يتناسب مع لغة العصر".

ووضّحت أن الفنّان مسؤول عن تقديم التراث كونه قيمة إنسانيّة مُتجددة، وليس مادة جامدة، ومن خلال التجريب والابتكار يمكن تقديم العناصر التراثيّة بأساليب حديثة تجعلها قادرة على مُخاطبة الجمهور المحليّ والعالميّ في آن واحد، كما يستطيع الفنّ الحقيقيّ أن يجمع بين الأصالة والمُعاصرة دون تعارض، لأن الإبداع لا يلغي الجذور، بل يمنحها حياة جديدة ويكشف أبعادها الجماليّة والإنسانيّة".