No Image
ثقافة

أضواء على سيرة سلامة موسى

12 سبتمبر 2026
12 سبتمبر 2026

(1)

صدرت الطبعة الأولى من كتاب «هؤلاء علموني» عن سلسلة (اقرأ) العريقة في 1953، واشتمل في طبعته تلك على 21 فصلا تناول كل فصل منها حديثا مفصلا ومعمّقا عن تلك الشخصية (أو الأخرى) التي لعبت دورها في تشكيل رؤى العالم واستقاء التصورات الأساسية لصاحبها في الحياة والفكر والسلوك والعمران وتطور المدنية، وفي الأدب والفنون والتذوق والارتقاء بالقدرات البشرية والمواهب الإنسانية، وتتبع رحلة العقل البشري منذ أولياته وحتى منتصف القرن العشرين!

لكن هذا الكتاب -على أهميته وقيمته الكبيرة جدا- لم يكن أبرز ولا أهم كتب سلامة موسى التي شكلت في مجموعها مكتبة ثقافية موسوعية "تقدمية" إن جاز التعبير (حوالي 50 كتابا)! فالرجل انفرد أيضًا بمجموعة من الكتب المذهلة التي كانت تعد اكتشافات بموضوعها وطريقة معالجتها وأسلوبها (سنعرض بعض عناوينها في فقرات تالية).

خاض رحلة تكوين معرفي وتأسيس ثقافي (عصامية) تكاد تشبه رحلات المثقفين العصاميين في كثير من جوانبها، سافر إلى أوروبا وحصل الكثير من المعارف والفنون والعلوم والآداب، ولم يهتم أو ربما لم يسع لتتويج ذلك بأطروحة ماجستير أو دكتوراه، وشأنه في ذلك شأن توفيق الحكيم مثلا الذي سافر بدوره إلى فرنسا ومكث هناك سنوات عدة لدراسة القانون، لكنه انصرف إلى تذوق الفنون ودراسة الآداب ولم تصبح الأطروحة الأكاديمية هدفا لذاتها.

وعندما عاد سلامة موسى إلى مصر وانخرط في السياق النهضوي والفكري العام؛ مارس أدوارا بالغة التأثير والعمق، من خلال صالونه الأدبي ومجلته الجديدة، ومحاضراته الأسبوعية، ومقالاته الغزيرة، فضلا على اكتشافاته للأصوات والمواهب الصاعدة؛ ولعل أهم وأكبر إنجازات سلامة موسى اكتشافه لموهبة الشاب الواعد (وقتئذ) نجيب محفوظ (1911-2006) حين شجعه على نشر مقالاته الفلسفية في «المجلة الجديدة» التي كان يصدرها هو، كما نشر له أولى رواياته «عبث الأقدار» في 1939، لتوزع على المشتركين في المجلة عند احتجابها في شهريْ الصيف. وكان قد نشر له أيضًا عام 1932 كتابًا بعنوان «مصر القديمة» ترجمه محفوظ عن الإنجليزية.

(2)

من المهم هنا إلقاء بعض الضوء على هذه الشخصية النهضوية، ورحلتها الفكرية والثقافية، والتعريف بها وبأعمالها، خصوصا أنه ربما كان من أكثر الشخصيات النهضوية التي عرفها تاريخنا الثقافي الحديث والمعاصر التي نالها التشويه والتهميش والإقصاء المتعمد لأسباب عديدة؛ منها جرأته وجرأة طروحاته وأفكاره ودعواته التحديثية والانفتاح على الآخر، ودراسة المذاهب والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية والأدبية، والحماسة اللافتة التي غلفت دعوته تلك..

تخبرنا قواميس الأدب وسير الأعلام فضلا على ما كتبه سلامة موسى بنفسه عن نفسه، أنه من مواليد 4 يناير 1887 بمدينة الزقازيق بالوجه البحري. تعلم أولًا في الكتاب، ثم التحق بالمدرسة وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1903 ليسافر بعدها إلى القاهرة للدراسة الثانوية في مدرستي التوفيقية فالخديوية.

ولمدة أربع سنوات سافر إلى لندن في عام 1907، التحق أثناءها بالجمعية "الفابية" التي كانت تنشر مبادئ الاشتراكية بين المتوسطين والأغنياء، ويتزعمها الأديب الإنجليزي المشهور جورج برنارد شو، كما عرف جمعية «العقليين» الذين يحاربون الغيبيات بمؤلفاتهم المبسطة، ويناقشون العقائد الدينية المختلفة.

وقد هاله إعدام أحد زعماء هذه الجمعية من الإسبان، لقيامه بترجمة مؤلفات هذه الجمعية إلى الإسبانية، مما أدى إلى انتشار هذا المذهب، وقتئذ، وإصدار مؤلفات تشرحه. كما أعجب بمذهب "النباتيين"، فامتنع عن تناول اللحوم عاما كاملا!

وقد حاول دراسة القانون، لكنه لم يجد في نفسه الرغبة في مواصلة هذه الدراسة، فالتحق ببعض الكليات التي تقوم بتدريس ما يتفق وميوله كعلم المصريات، وعلم الأحياء، والجيولوجيا، والاقتصاد. ولم يمض عام على وجوده في لندن حتى وجد نفسه -على حد تعبيره- يتجه نحو اليسار، مما دفعه إلى قراءة ماركس.

(3)

استمرت إقامة سلامة موسى في لندن حتى عام 1911. وكانت هذه السنوات الأربع هي سنوات التحصيل والإعداد والقراءة الواسعة. أي أن موسى لم يتعلم في جامعة بل علّم نفسه بنفسه، وكان أساتذته أعلام الأدب والفلسفة والاجتماع في أوروبا، في ذلك الوقت، بالإضافة إلى تأمل الناس وعاداتهم وتقاليدهم وحضارتهم.

ولدى عودته إلى مصر قرر أن يكافح الاستعمار الإنجليزي حتى يجلو عن وطنه، وأن يكافح ثلاثي الجهل والفقر والمرض الذي يفتك بهذا الوطن. وهذا ما دعا البعض إلى اعتبار أن سـلامة موسى هو "أبو الاشتراكية العربية" وبخاصة أنه أول من ألّف كتابا عن "الاشتراكية" بل كان أول من استخدم هذا اللفظ بالعربية، وكان يقال قبله «الاجتماعية».

والاشتراكية "الفابية" التي انضم إليها سلامة موسى تتحقق على مراحل متدرجة، وليست طفرة واحدة كالشيوعية على نحو ما يوضح سلامة موسى في سيرته الذاتية الشهيرة «تربية سلامة موسى». وقد كتب في لندن أول رسالة بالعربية عن الاشتراكية عام 1913 معلنا أن طريقه التطور وليس الثورة.

وقد وقف سلامة موسى إلى جانب العقاد عندما سجن في إحدى قضايا الرأي رغم ما بينهما من خلافات فكرية، كما وقف إلى جانب طه حسين حين طرد من الجامعة عام 1934، ونشر أول قصة كتبها يحيى حقي «البوسطجي» داخل أحد أعداد «المجلة الجديدة» ليقرأها المشتركون أثناء عطلة المجلة صيفًا.

وكان قد أصدر أول مجلة أدبية مصرية في عام 1914 بعنوان «المستقبل»، لكن حكومة الاحتلال البريطاني وقتئذ لم تسمح له بمواصلة نشرها فاضطر لإيقافها بعد 16 عددا، فعمل بعدها مع الأديبة مي زيادة في جريدة والدها «المحروسة». ثم نشر في جريدة البلاغ عدة مقالات أصبحت فصولًا في ثلاثة من كتبه هي: «نظرية التطور وأصل الإنسان»، «مصر أصل الحضارة»، «الأدب الإنجليزي الحديث».

(4)

ما بين عامي 1923-1929، ترأس سلامة موسى تحرير مجلة (الهلال) العريقة، وكان من شروط تعاقده أن يؤلف كتابا كل عام لقرائه. ومن هذه الكتب: «الحب في التاريخ» و«حرية الفكر وتاريخ أبطالها»، و«أسرار النفس».

وفي عام 1929 أصدر مجلته الشهرية «المجلة الجديدة» التي كان ينشر فيها أبرز كتاب وأدباء ذلك الزمان، وصدر إلى جانبها «المصري»، أسبوعية. وكان ينشر هو أيضًا في كثير من المجلات والصحف المصرية التي كانت تصدر منذ عام 1909 إلى وفاته.

ومن جهة أخرى، فقد اشترك سلامة موسى في تأسيس «المجمع المصري للثقافة العلمية» (1930) وأنشأ جمعية «المصري للمصري» (1931) لمقاطعة البضائع الإنجليزية وتشجيع البضائع المصرية. كما كان أول من دعا إلى الاحتفال بألفية الأزهر وإلى إقامة الجمهورية بدلًا من الملكية، وإلى الاهتمام بالبيئة، وعينته جمعية الشبان المسيحية مستشارًا ثقافيًا لها منذ عام 1933، حيث كان يلتقي بالشباب عدة مرات أسبوعيا، ويختار الكتب التي يمكن أن يقرؤوها بمكتبة الجمعية، التي تبرع لها بكتبه.

وكان سلامة موسى أول من نحت ألفاظا جديدة في العربية أصبحت شائعة بعده مثل: الاشـتراكية، والثقافــة، والنشوء والارتقاء، والنسبية، والعقل الباطن، والحيوانات البرمائية. كما واصل قضية تحرير المرأة في كتابه «المرأة ليست لعبة الرجل» (1956) ومجموعته القصصية «افتحوا لها الباب». ويتميز أسلوبه بما يطلق هو عليـه الأسلوب "التلغرافي" في مقابل الأساليب التي تكرر وتعيد وتلوك بعض الألفاظ لمجرد الاعتقاد بجمال جرسها.

توفي سلامة موسى في الخامس من أغسطس عام 1958 عن واحد وسبعين عامًا بعد أن ترك قرابة الخمسين كتابا نُشر بعضها بعد وفاته، وحفر تيارًا تقدميا جريئا وحرا في مصر وفي العالم العربي في القرن العشرين.