No Image
ثقافة

«فيلم استغاثة».. كوميديا ومطاردات في حقبة الحرب الباردة

13 سبتمبر 2026
13 سبتمبر 2026

لا شك أن حقبة الثمانينيات وبدايات التسعينيات من القرن الماضي ظلت حاضرة في الأذهان إبان ما عُرف بنهايات فصول الحرب الباردة بين القطبين العملاقين، الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة، وذلك لما شهدته من تحولات استثنائية وجهود ضخمة لكل طرف ضد الطرف الآخر، استمرت لعقود، بما في ذلك عمليات الاستقطاب والتجسس المتبادل، وهو ما قدمته السينما من خلال العديد من الأفلام التي دعمت الصراع بين القوتين، ونذكر من ذلك أفلامًا مثل: حرب تشارلي ويلسون - 2007، وفيلم السقوط الآمن - 1964، وفيلم على الشاطئ - 1959، وفيلم الجاسوس القادم من الثلج - 1962، وفيلم الصيد من أجل أكتوبر الأحمر - 1990، وفيلم جسر الجواسيس - 2015، وفيلم الحرب الباردة - 2018، وفيلم البيت الروسي - 1990، وفيلم حياة الآخرين - 2006، وفيلم سري للغاية - 1984، وفيلم البريء - 1993، وفيلم البروتوكول الرابع - 1987، وغيرها.

وفي هذا الفيلم للمخرجين وكاتبي السيناريو "جون دالي" و"جوناثان غولدشتاين"، سوف نعود مقلّبين قصة من تلك الحقبة التي صارت من الماضي وفي متحف التاريخ، وذلك من خلال وقوع طيار تجسس أمريكي في قبضة السلطات السوفيتية آنذاك وما رافق ذلك من مواقف وتحولات.

والقصة تبدأ من تكليف الطيار المتمرس تروي -يقوم بالدور الممثل الشهير رايان رينولدز- بمهمة تصوير أحد المواقع السوفيتية، مستخدمًا طائرة تجسس متطورة وخارقة وأسرع من الصوت، ولكن بعد إتمام مهمة التصوير وفي طريق العودة، يتم إسقاط الطائرة من طرف الجيش السوفيتي، وسقوط الطيار في منطقة غابات ثلجية، ليفقد الوعي، ثم يفتح عينيه ليجد نفسه أسيرًا لدى شخص روسي يدعى نيكولاي -الممثل القدير كينيث براناغ-، ومن هنا سوف تبدأ رحلتنا مع هذا الفيلم من خلال هذا الثنائي الطريف الذي سوف يخوض الرحلة إلى آخرها.

ها نحن مع "تروي ونيكولاي"، كأنهما يعكسان صورة زمنين؛ "تروي"، الطيار المصاب، مربوط بالحبال إلى السرير وساقه مصابة، ليفتح عينيه على آسره كثّ اللحية، روسي اللكنة، ثم ليظهر إعجابه بالسينما الأمريكية وأفلامها وموسيقاها، ويخبره أن أقرب نقطة حدودية تبعد حوالي ألفي كيلومتر باتجاه فنلندا إن كان يفكر في العودة إلى الديار، ومع ذلك يباغت مضيفه الروسي ليهرب، فيجد نفسه وسط عصابة روسية توسعه ضربًا، ولن ينقذه منها سوى "نيكولاي" نفسه، ليعود إلى مكان احتجازه مرة أخرى.

هنا تبدأ الشخصيتان بالانكشاف، ومن خلالهما تتضح صورة عقليتين معبأتين بدعايات الحرب الباردة إبان حكمي الرئيسين رونالد ريغان في أمريكا وميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي السابق، دعايات تبعث على السخرية، وبذلك يبدأ الفيلم في بنائه السردي يتجه إلى محتويين متوازيين، هما المحتوى الكوميدي الساخر والمحتوى المرتبط بالحركة والاختباء وعمل المخابرات، في نطاق بحث الحكومة السوفيتية وأجهزتها عن الطيار الذي أسقطت طائرته وتوارى عن الأنظار.

في موازاة تلك المعالجة المتميزة لحسّ الكوميديا ومفارقاتها التي يبرع فيها الممثلان، هنالك ما هو همّ إنساني مشترك وقصص شخصية مشتركة، ومنها علاقة نيكولاي بابنته التي يلجآن إليها وهما في طريقهما إلى السفارة الأمريكية، حيث يجري تعقبهما، ثم مشاهد الاختباء في منزل مسؤول سوفيتي كبير لغرض سرقة هاتفه المشفر، ثم مشاهد المطاردات وسط الحشود في أثناء الاستعراض العسكري السوفيتي، والذي يتوج بسيطرة الثنائي على ناقلة صواريخ استراتيجية تكون هي واسطة نقلهما إلى المطار وهربهما.

بدأ عرض الفيلم في صالات الولايات المتحدة وأوروبا هذا الأسبوع، وسرعان ما تلقفه النقاد، ومن ذلك ما كتبه الناقد "برايان تاليريكو" في موقع "روجر إيبرت"، حيث قال: "لقد صاغ المخرجان من خلال هذا الفيلم رسالة حب لكل من فيلم "Top Gun" وأفلام الكوميديا التي تتمحور حول ثنائيات الأصدقاء (buddy comedies) في الثمانينيات؛ ولا يقتصر هذا التشابه على الإطار الزمني، بل يمتد ليشمل مشاهد الحركة والحس الفكاهي. إنه فيلم ناجح وممتع في مجمله، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير للإخراج السلس للثنائي والأداء المسلي للغاية من كينيث براناغ، الذي استعرض قدراته الكوميدية وفي أفلام الحركة بطريقة نادرًا ما يُتاح له القيام بها. والحقيقة هي أن معظم الأفلام التي استلهم منها هذا الفيلم أفكاره لم تكن بمثل هذا المستوى العالي".

أما الناقد ستيف بروكوبي في موقع ثيرد كوست ريفيو، فقد كتب: "يُعد هذا الفيلم من تلك الأعمال التي تحقق أفضل أثر لها إذا لم يُمعن المشاهد في تحليل تفاصيلها؛ فكلما حاولت إخضاع الأحداث للمنطق، زاد شعورك بالحيرة والإحباط. ويعود ذلك في الغالب إلى أن الشخصيات -التي يُفترض أنها تتمتع بذكاء يفوق المتوسط- تتصرف بغباء متفاوت المستويات لكي تسير الأحداث على النحو الذي نراه. ومع ذلك، فإن الإشارات إلى حقبة منتصف الثمانينيات تبدو ممتعة في الغالب، لا سيما أنها لم تُقحم بهدف استدرار الحنين إلى الماضي فحسب. يُقدم هذا الفيلم أفضل نسخة من أداء رينولدز الكوميدي؛ فهو لا يحاول أن يبدو ساخرًا بشكل لاذع أو مستفزًا ومزعجًا، بل يكتفي بالتفاعل مع المواقف عبر إطلاق تعليق طريف أو اثنين، ثم يمضي قدمًا. ويؤدي رينولدز ذلك بسلاسة تامة ودون تكلف".

لعل هذه الخلاصات النقدية، التي هي جزء من فيض ما كُتب عن الفيلم، تقدم لنا جوانب مهمة تم تسليط الضوء عليها وكانت لافتة للنظر، وفي مقدمتها الموضوع الذي عالجه الفيلم والشكل الكوميدي، بالإضافة إلى جوانب مهمة تتعلق باستخدام السرد الفيلمي في نطاق الحركة، ومن ذلك مشاهد الطيران التي اتسمت بمهارة لافتة للنظر، وصولًا إلى مشهد حبس الأنفاس عندما يختطف الثنائي الطائرة المدنية ويخوض أحدهما عراكًا مع ضابط الاستخبارات السوفيتي، وصولًا إلى الهبوط الاضطراري للطائرة على متن حاملة طائرات، في مشاهد مصنوعة بعناية لافتة للنظر.

من جانب آخر، كانت هنالك المشاهد الحوارية التي صنعها المخرجان، وهما نفسيهما كاتبا السيناريو، وهي مشاهد تم بناؤها بمهارة لافتة، فلا إسراف ولا ثرثرة، فكل مشهد حواري ما يلبث أن يكمله مشهد حركة، بما قطع الطريق على أي ترهل أو إيقاع بطيء، بل بالعكس، وجدنا أن تلك الرحلة المشوقة لإنقاذ الطيار نفسه، ومن ثم وفاءه لمضيفه الروسي، كانت تحمل في طياتها صفحات متنوعة من حس الفكاهة والمغامرة ومتعة المطاردات المشوقة.

وإذا انتقلنا من الإخراج والسيناريو والإدارة الفنية، فيمكننا التوقف عند إدارة التصوير التي قادها الكندي البارع باري بيترسون، الذي تميزت إدارته للتصوير بفهم عميق للمشهد، ولهذا لم تتوقف الكاميرا عن الحركة، وحتى في مشاهد محدودة لم يكتفِ بمراقبة الشخصية، بل التعبير عنها بصريًا، ولهذا كانت الكاميرا ترتفع في لقطات كبيرة من الأعلى، ثم في لقطات قريبة ومتوسطة للشخصيات، واستخدامات أخرى كثيرة كانت من الغزارة ما عزز البناء الصوري للفيلم في تلك الجغرافيا المكانية المتنوعة.

..

سيناريو وإخراج: جون دالي وجوناثان غولدشتاين

تمثيل: رايان رينولدز، كينيث براناغ، مارسين دوروسينسكي، ماريا باكالوفا، ديفيد مورس

مدير التصوير: باري بيترسون

إنتاج: أبل ستوديو

الميزانية: 25 مليون دولار

تاريخ العرض في الولايات المتحدة وأوروبا: 4 سبتمبر 2026