في معرض "ألوان وحروف.. أثر لا يزول" للفلسطينية باسلة العناني: التراث والطبيعة والحنين
تحسين يقين
تمثّل عودة الرسّامة لممارسة هوايتها بعد مرور عقود على طفولتها، حالة دالّة على أصالة الموهبة؛ فلم تكن بذور الموهبة تجد متنفسا لها إلا ومدّت نفسها، بما يتكوّن من ساق وجذر، فقد كانت البداية الجادة هي في توظيف الفنانة باسلة العناني مهارتها في الرسم كمعلمة لإيضاح المعارف، حين كانت واعية على دور الفنون البصرية في تعليم الأطفال، بما تشتمل عليه من التوضيح والجمالية في وقت واحد.
من جهة أخرى، فإن حساسية الفنانة العناني للمكان وما فيه من أبعاد تراثية معمارية وشعبية، شكّل مجالا آخر لديها في الاتجاه نحو الكتابة؛ فكانت موهبة الأدب متآلفة مع موهبة الرسم، لكنهما لم يأخذا مجالهما في التمدد والتجذّر إلا عندما تهيأت ظروف منحتها التفرّغ للإبداع، رسما وكتابة.
من هنا يمكن تفسير ظهور الإبداع المتأخر لدى المرأة بشكل خاص، كونها كانت منشغلة في عملها خارج البيت وداخله. فلم يكن هذا الفن ليشقّ طريقه الى الحياة الثقافية والفنية في فلسطين صدفة، بل جاء تتويجا لما كمن في النفس من موهبة.
بعد تقاعدها من العمل، بدأت رحلة الفنانة العناني، أصيلة الإبداع، وعلى مدار 25 عاما من ممارسة الفن حبا فيه، ولأجله، تحقيقا لمتعة الإنجاز، تصغي العناني لمن اقترح عليها عرض لوحاتها للجمهور الفلسطيني، خصوصا أنها طوّرت قدراتها من خلال اشتراكها في دورات تعليم الخطّ العربيّ.
"ألوان وحروف..أثر لا يزول"، هو اسم معرض الفنانة الثمانينية باسلة العناني، في دلالة على رحلتها مع اللون في رسم المكان الفلسطيني ورسم كلمات قادمة من التراث الأدبي والديني، بحيث استمرّت الرحلة، ووجدت البذور الأولى مجالا لتمدد سيقانها وجذورها، فما كان له أصل ثابت، فإن الفروع ستتمدد الى أعلى.
وهكذا، فإننا حين تجولنا في المعرض الذي استضافه المركز الثقافي التركيّ-يونس أمرة، في رام الله، وجدناه منقسما ما بين لوحات تعبّر عن الطبيعة والعمران في فلسطين حيث تقيم، وما بين لوحات خطوط جميلة التكوين تسحر من يرى، من خلال تشكيلها، ما يجعل تذوق الشكل الفني للحروف العربية، منسجما مع ما تقدمه اللوحات من مضامين إنسانية تحتفي بالقيم الدينيّة والوطنية السامية، ما يعمّق فهمنا لاتجاهات الفنانة المتأثرة بمصادر تكوينها في أوائل الأربعينيات، حين بدأت عيونها ترى النور في يافا عروس فلسطين على البحر، ثم في حلحول في جبال الضفة الغربية، من أماكن وطبيعة، ومن تعليم وثقافة، وتراث عاشته الطفلة التي كانتها والفتاة، فالمعلمة في بداية الستينيات، وما كان منتشرا من ثقافة عربية، كلّ ذلك ظل في ذاكرتها كامنا حتى وجد فرصة الظهور، لذلك تشكّل مواضيع لوحاتها مضامين وطنية وقومية ودينية، تنطلق من الجمال الأصيل والأخلاق العربيّة، والطبيعة الفلسطينية الخضراء في فلسطين الجميلة. إنها ابنة لتلك الثقافة، أما لوحاتها فهي تجلّيات روحها ووعيها وتذوّقها الفني.
سبعون لوحة، قدمتها باسلة العناني لتقدم لا الفن فقط، بل للنفس التي كانت دافعة لتطوير الموهبة، لترسم ما اكتنزته من رحلة بصريّة، وليس هذا فحسب، بل إن الناظر للوحات يكتشف فرادة منظورها، بمعنى أنها رسمت الأماكن من زاوية وقوفها، لا صورها.
لقد رسمت صور بيت العائلة، وبيوتا أخرى من المحيط، إضافة للوحات تراثية أخرى. وكما يبدو من خلال بعض اللوحات أنها كانت تدرّب نفسها على رسم المناظر المختلفة الصامتة والمتحركة.
كما مازجت في لوحاتها بين التكوين الفني للمشهد المرسوم، مع إضافات زخرفية معها، بحيث ينسجم كلّ ما هو جمالي طبيعي مع ما هو زخرفيّ. لقد انسجم رسم الورود والأزهار، مع الزخارف التي تعتمد على النباتات خصوصا الورود والأزهار، في تعبير عن الجمال الموجود والجمال الذي تمّت محاكاته.
ظهر نهر اليركون في يافا، والطبيعة الجميلة حوله، كتعبير عن تشوقها لمسقط رأسها، كما ظهر المسجد الأقصى والقدس، كأماكن ترددت طويلا عليها وأحبتها، ورسمتها بحبّ. أما الأمر الذي لاحظناه في لوحات الفنانة العناني، فهو تأثرها الشديد بالنّور، فتجلّت الإضاءة في اللوحات بصريّا ونفسيّا بما يجعلها لوحت أمل وخلاص.
وقد تكامل هذا الأمل من خلال جماليات اللوحات، مع عبارات تمّ اختيارها، لتؤكد على أن الأمل جميل أكان قادما من الآيات المؤكدة على دور الإنسان ووجوده، كذلك من خلال كلمات من الشعر والأمثال، ما يعني اهتمامه الأصيل بالتراث العربيّ الإسلاميّ.
لقد اختارت العنانيّ خط الديواني في معظم اللوحات، لما شعرت به من انسيابية فيه وفيها معا، وتنوع استخدام الكلمات والحروف، أكان تلوينا أو بروزا من خلال استخدام الكولاج في الرسم، كذلك في بروز الحروف من خلال خامات متنوعة.
أما استخدام التطريز لجزء من الإطارات فأضفى بعد التراث الشعبيّ من خلال الأزياء الشعبية، ما تراك المتلقي هنا أمام منظومة من التراث والفولكلور.
في نهاية تأمل لوحات العناني، من خلال عيوننا وعيون آخرين، وجدنا أن الفنانة تنطلق من مواضيع التراث، أي من رسم الأماكن والعمران المحليّ والخطّ العربيّ الى فضاءات إنسانية مختلفة عما هو سائد، كتعبير عن حالات نفسية عاشتها الفنانة، فكان الاتجاه الذاتيّ الإنسانيّ في حلته الجمالية، رحلة أخرى للفنانة، لتتجاوز ما كان الى ما يكون، بحيث تظهر المشاعر والأفكار المرتبطة بالعصر، أو بعالم الاكتشافات الذاتية القادمة من تأملاتها داخل نفسها، والتي تكاملت مع رسمته في الفضاء العام.
يجمع الجمال والأمل رسومات الفنانة باسلة العنانيّ التراثية والطبيعية والذاتية، لتظهر نفسها فنانة وإنسانة عبرت عقودا من الزمن محتفظة بالقيم الجميلة، القادمة من رحلة بصرية وروحيّة معا. ولعلنا نختتم مقالنا هذا بما وجدناه من حنين الى عالم الطفولة، حيث تظهر البساطة لتعانق العمق، كأنها تبوح بحنينها إلى الطفولة، من أجل البدء من جديد، بمشاعر وأفكار إنسانية النظرة تجاه الوجود والحياة.
