الحقيقة عن «تعفّن الدماغ»: صرخة استغاثة
08 سبتمبر 2026
08 سبتمبر 2026
كل عقد تقريبًا، يكتشف البالغون أن الشباب يستهلكون مواد إعلامية تفسد عقولهم، فتندلع موجة من الذعر الأخلاقي. قيل إن القصص المصورة ستنتج جيلًا من الجانحين، وإن التلفزيون سيحوّل الأطفال إلى كسالى، وإن ألعاب الفيديو ستدفعهم إلى العنف، وإن الإنترنت سيعزلهم مع غرباء خطرين.
أما الذعر اليوم فيدور حول «تعفّن الدماغ»: استسلام المرء لسيل لا ينتهي من مقاطع تيك توك و«ريلز» إنستجرام العبثية؛ أكواب كابتشينو راقصة، ومراحيض مغنّية، وفاكهة مفتولة العضلات، وسط ضوضاء وأضواء وامضة.
ومن السهل أن نقول: لا يمكن أن يكون هذا مفيدًا.
أدرس الطريقة التي تشكّل بها البيئات الرقمية السلوك البشري.
وقد نشرتُ مع زميلتي آنا غوتسفريد دراسة اعتمدت على مقابلات مع أفراد من الجيل «زد»، بين 13 و26 عامًا، لمعرفة معنى هذه المقاطع لديهم وسبب مشاهدتها. وجدنا جيلًا يدرك، بوعي مؤلم، ما تفعله بعقله؛ يصارع بيئة التواصل الاجتماعي التي وُضع فيها، ويبحث عن مخرج.
يفترض الذعر السائد أن المحتوى نفسه هو المشكلة، وأن انجذاب الشباب إلى مقاطع سخيفة ورديئة يقود حتمًا إلى تدهور قدراتهم الذهنية.
لكن المشاركين وصفوا مسارًا معاكسًا: الحالة العقلية تأتي أولًا. فبعد التمرير طويلًا عبر خلاصات تنتقيها الخوارزميات، يدخلون حالة ضبابية ضعيفة الانتقاء، يستهلكون فيها أي شيء يظهر أمامهم. عندئذ يبدأ شعور «تعفّن الدماغ».
نشأت الظاهرة داخل منصات مثل تيك توك ويوتيوب، حيث يتوقف النجاح على مقدار الانتباه الذي تجتذبه. وكل مادة تنافس غيرها على مورد بشري محدود، فتدفع المنافسة المحتوى إلى أن يصبح أسرع وأعلى صوتًا وأكثر إثارة، وأبسط أيضًا. يعامل نموذج أعمال هذه المنصات تركيز المستخدم بوصفه سلعة تُستخرج وتباع: كلما طال بقاؤنا زادت إيرادات الإعلانات. إنه اقتصاد يعظّم التفاعل، ولا يكافئ الجودة.
لكن اللافت في مقابلاتنا كان مدى وضوح هذه الآلية في أذهان أبناء الجيل «زد». قال أحدهم: «ستشاهد شيئًا على أي حال، فلماذا لا يكون تعفّن الدماغ؟ إنه أفضل من الإعلان، لأنه لا يطلب منك شيئًا». وقال آخر: «إذا كان كل شيء قد أصبح محتوى، فإن تعفّن الدماغ هو المحتوى المضاد؛ والطريقة الوحيدة للتحرر على الإنترنت هي أن تفعل شيئًا بالغ الغباء بحيث يتعذر تحويله إلى مال».
سمّينا هذه العملية «مناهضة الإشباع». تفترض نظريات الإعلام التقليدية أن الناس يختارون الوسيلة لتلبية حاجة: المعرفة أو التأثر العاطفي أو التواصل أو الاسترخاء. لكننا نعيش وسط طوفان من المواد التي تسعى إلى تحويل انتباهنا إلى أرباح، فيما تزعم أنها تعلمنا أو تسلّينا أو تحفزنا. في هذه البيئة، يصبح المحتوى الذي يعلن بفخر أنه لا يقدم شيئًا مصدرًا للراحة.
يخرق «تعفّن الدماغ» قالب وسائل التواصل بعبثيته ورفضه المتعمد للحبكة والغاية والرسالة.
قبل قرن، ردّ فنانو الدادائية على أهوال الحرب العالمية الأولى بأعمال لاعقلانية، رافضين المنطق الثقافي الذي أفضى إلى القتل الصناعي. وبطريقته القائمة على الميمات، يرفض «تعفّن الدماغ» التعامل مع اقتصاد الانتباه وفق شروطه. النكتة أنه لا توجد نكتة، والمعنى أنه لا معنى. وبالنسبة إلى جيل تُرصد كل حركة رقمية يقوم بها وتُقاس وتُستثمر، يبدو هذا نوعًا من الصدق داخل نظام غير صادق.
ولهذا يبدو المحتوى المصطنع بوضوح، أو المولّد بالذكاء الاصطناعي، أقل استغلالًا من منشورات المؤثرين التي تتظاهر بالعفوية. وحين تعترف المحاكاة بأنها محاكاة، تصبح أكثر جدارة بالثقة.
لا أريد إضفاء مسحة رومانسية على الظاهرة؛ فقد اتسمت النتائج بتناقض عميق: من وصفوها بأنها باعثة على التحرر تحدثوا أيضًا عن الإنهاك والذنب، وسمّوا المشاهدة حتى النوم «التمرير حتى الموت».
قال أحدهم: «لا أملك هوايات. أظن أن تعفّن الدماغ هو هوايتي. وما إن تبدأ المشاهدة حتى لا يتبقى شيء من يومك».
إنهم يعرفون الضرر، لكنهم ينالون «جرعة صغيرة من المتعة والهروب»، كما يحدث مع أي رذيلة.
تكشف هذه الازدواجية حال أناس يعيشون داخل نظام لا يستطيعون الإفلات منه.
إنهم يرون التلاعب ويفهمون ما تفعله الخوارزميات، ومع ذلك يواصلون التمرير لأنهم لا يتصورون حياة خارجه؛ ومعظمهم لم يعرف حياة كهذه أصلًا.
لذلك طالب كل من تحدثنا إليهم تقريبًا بتغيير بنيوي تفرضه قواعد ملزمة على المنصات، بدل تطبيقات ضبط النفس وتنبيهات وقت الشاشة.
وشبّه أحدهم الأمر بالتبغ: كان الناس يدخنون مع معرفتهم بالضرر لأن البيئة شجعتهم؛ وحين تغيّرت البيئة تغيّرت العادات.
تحجب موجة الذعر القصة الحقيقية. «تعفّن الدماغ» لا يثبت أن الشباب يغدون أقل ذكاء، وإنما يكشف أن اقتصاد الانتباه يعمل تمامًا كما صُمم، وأن المنغمسين فيه يرون ذلك أوضح ممن يراقبونه من الخارج. وهو أيضًا إدراك جماعي لحالة ذهنية مشتركة: لقد مررنا جميعًا عبر مفرمة الخوارزميات نفسها.
تمنح هذه المقاطع مشاهديها شعورًا بأنهم داخل نكتة لا يفهمها سواهم، وتنتقل عباراتها إلى الحديث اليومي من دون أن يفهم أحد معناها حقًا. إنها تعمل مثل اللغة العامية: بلا معنى للغرباء، وغنية بالدلالة لمن ينتمون إلى الجماعة. يرى الخارج مراحيض تغني أو هجينًا من شمبانزي وموزة، فيرون تدهورًا معرفيًا؛ أما المنغمسون فيها فيرون علامة انتماء وهدنة من بيئة إعلامية دائمة المطالب.
وهنا تظهر مفارقة «مناهضة الإشباع»: فالتمرد يبقى محصورًا داخل النظام الذي يعارضه.
يواصل هذا المحتوى توليد مؤشرات التفاعل، وتغذية الخوارزميات بالبيانات، وإبقاء المستخدمين على المنصات؛ بل إن الدمى والمنتجات المقتبسة من شخصياته تباع على نطاق واسع. قد يخسر المؤثرون شيئًا من سوق محتواهم المدفوع، لكن المنصات تواصل حصاد الانتباه من دون تهديد حقيقي لنموذج أعمالها.
خلال أكثر من عقد من بحثي في تشتيت الانتباه التقني، لم يخبرني أحد أنه أمضى وقتًا مفرطًا في استخدام الخرائط، أو تفقد الطقس، أو الاستعانة بتطبيق «شازام» للتعرف على أغنية.
نحن جميعًا نعرف موضع المشكلة. يتصرف الجيل «زد» على النحو الذي يدفعه إليه النظام الذي وضعناه فيه. و«تعفّن الدماغ» صرخة استغاثة.
