عُمان من موسكو إلى بغداد
08 سبتمبر 2026
08 سبتمبر 2026
ردفًا على مقالتي في الأسبوع الماضي: «الكتاب الثقافي العماني وضعف دائرة انتشاره»؛ هناك حالتان إيجابيتان في الحضور العماني: الأولى تمثلت في الحضور الثقافي الدولي من خلال مشاركة سلطنة عُمان في معرض موسكو الدولي للكتاب من 2 إلى 6 سبتمبر، والمشاركة تمثلت في وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ومشاركة وزارة الإعلام ووزارة التراث والسياحة وجامعة السلطان قابوس.
والحالة الثانية تتمثل حاليا في الحضور الثقافي العربي من خلال مشاركة سلطنة عُمان كضيف شرف في الدورة السابعة والعشرين لمعرض بغداد الدولي للكتاب من 2 إلى 12 سبتمبر، وتتمثل المشاركة في وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ومركز ذاكرة عُمان، وخزائن الآثار.
الذي أسعدني عودة المشاركة العمانية الرسمية إلى معرض بغداد بعد انقطاع لحوالي سبعة وعشرين عاما، أي منذ آخر مشاركة في 1999م.
وبغداد تضم معرضين في العام: الأول رسمي ويغلب عليه الطابع الديني والتقليدي مع مشاركات لدور ثقافية خارج الأطر الكلاسيكية، وهذا تنظمه وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية بالتعاون مع شركة صدى العارف في 2 إلى 12 سبتمبر. والثاني أكثر انفتاحا على الاتجاهات الثقافية المختلفة، وتنظمه مؤسسة المدى باسم معرض العراق الدولي للكتاب من 3 إلى 13 ديسمبر.
مع أهمية المشاركة العمانية في المعرض، وحضورها إلى بغداد، وعودة بغداد من جديد إلى المشهد الثقافي العربي، بيد أني أرى المشاركة الحالية ضعيفة جدا، تمثلت في المشاركة التقليدية، وغياب الصور الثقافية الأخرى، والتي تخلق تنوعا في المشاركة العمانية، وتعطي صورة أخرى عن الواقع الثقافي العماني المعاصر، وليس فقط عن التأريخ والذاكرة العمانية.
أقول هذا بناء على ما نشر من طبيعة المشاركة أولا، وثانيا لأنني حضرت معرض بغداد في العام الماضي، ورأيت مشاركة دار عرب فقط من عُمان، رأيت كثرة الإقبال عليها، كما رأيت السؤال عن الكتاب الثقافي العماني المعاصر، سواء في أجوائه الأدبية، أم التأريخية والفكرية والفلسفية؛ فهناك من يبحث عن الحاضر أكثر من الإغراق في الماضي، وهذا لا يعني إهمال الماضي، ولكن رسالة التكامل تعطي أكثر اتزانا في سفن المعرفة والترويج لها.
بعد رجوعي من العراق العام الماضي 2025م كتبت مقالة في جريدة عُمان بعنوان: «العراق كما رأيته»، ومما قلته فيه: «رغم مزاحمات من أعرفهم من المثقفين وممن تعرفت عليهم حديثا، وهم يقدرون العمانيين، ويحبون عُمان كثيرا، ويسألون عن نتاجها الثقافي، فليت مؤسساتنا الثقافية تلتفت إلى معارضهم ومجامعهم، وأن يكون الكتاب العماني حاضرا أيضا في شارع المتنبي كسائر الكتب العربية؛ فالعراق خصبة جدا في عشق المعرفة، ويسمعون الرأي الآخر، ويحبون الانفتاح على المختلف».
وأنا أرى اليوم خبر المشاركة العمانية الرسمية في معرض بغداد الدولي للكتاب أسعدني الخبر من جهتين: من جهة عودة مشاركة عُمان كما أسلفت، ومن جهة كسر الحاجز الذي بني لأسباب أمنية وسياسية سابقة مع العراق، وعودة الحضن الثقافي العربي إليها من جديد.
في المعارض الدولية عموما، والعربية خصوصا لا يحضر الكتاب فحسب، بل يحضر البلد المنتمي إليها الكتاب كثقافة ونتاج وإبداع وتأثير، والسؤال الأصعب ليس في حضور الكتاب ذاته، فهذا سهل جدا، وإنما في سؤال كيف نجعل الحضور أكثر تأثيرا وتنوعا من خلال حضور الكتاب الإبداعي، أو من خلال الفعاليات الثقافية والفنية المصاحبة، والتي تحمل رسالات عميقة ومبدعة معا.
قد تكون المشاركات العامة أكثر يسرا من كون البلد ضيف شرف، وهذا أكثر تعقيدا؛ لأن اختيار بلد ما كضيف شرف هو محل ثقة وتقدير من البلد المضيف، وهو أيضا يعطي صورة عن ثقل هذا البلد الذي جُعل ضيف شرف، كما أن هذه المشاركة تحمل رسالات في العلاقات التأريخية والثقافية، ويقدم صورة عن أهمية اختيار نوعية وجدية الرسائل المصاحبة من المشاركة، سواء كان عن طريق الفعاليات، أم عن طريق نوعية الكتاب ذاته.
لهذا لا ينبغي أن تتوقف هذه المشاركات عند الأطر التقليدية، بل لا بد أن تسبقها رؤية إبداعية سابقة يتم تجسيدها من خلال هذه المشاركات الخارجية.
عُمان اليوم لم تعد عُمان قبل عشرين عاما؛ فالوضع اختلف تماما، والوضع الثقافي في عُمان 2026م ليس هو الوضع الثقافي في عُمان 2000م، لهذا علينا أن نفكر بعقل اللحظة التي نعيشها، وكيف يمكن استثمارها وترويجها.
القلم العماني اليوم اختلف أيضا؛ إذ غلبت في عام 2000م الكتابات التقليدية دينيا وأدبيا وتأريخيا، أما اليوم فعندنا عشرات الدراسات البحثية والكتابات الإبداعية في جوانب معرفية إبداعية متنوعة، هي من تنهض باللحظة التي نعيشها، وتعطي رسالات أعمق في نوعية الحضور والمشاركات الداخلية والخارجية.
علينا أن نتخلص من عقدة الهوية المبالغ فيها، والحنين إلى الماضي كسرديات ونتاج.
علينا أن ننظر إلى اللحظة التي نحن فيها اليوم؛ لأن الاهتمام بها بشكل أكبر هي من يصنع المستقل، والماضي إذا لم يقرأ بعين اللحظة والواقع المعيش لا يختلف عن التراث المادي كالقلاع والحصون والقرى المهجورة إذا لم تستثمر وتحيا بأدوات اللحظة.
وفي عُمان لا ينقصنا اليوم إبداع اللحظة، ولكن ينقصنا كيف نستثمر هذا الإبداع والتنوع في خلق رسائل أكثر تنوعًا وعمقًا وإبداعًا، والمشاركات الخارجية فرصة لاستثمار هذا التنوع والإبداع فضلا عن ترويجه والتعريف بعمان اليوم وليس الأمس، وما نريد أن يكون في الغد من خلال لحظة وجودنا في هذا اليوم المعيش.
