No Image
عُمان الاقتصادي

وضاح الطه: موانئ سلطنة عُمان تمنحها ميزة استراتيجية في معادلة الطاقة الجديدة

09 سبتمبر 2026
09 سبتمبر 2026

مخاوف أمن الملاحة في مضيق هرمز طرحت سؤالًا قديمًا بإلحاح متجدد حول مدى قدرة الدول المنتجة للنفط والغاز على حماية صادراتها من مخاطر الاعتماد على ممر بحري واحد، فهرمز، الذي مثّل طوال عقود شريانًا رئيسًا لتدفقات الطاقة العالمية، تحوّل في أوقات التصعيد إلى نقطة اختناق يمكن لأي اضطراب فيها أن يمتد أثره من موازنات الدول المصدرة إلى أسعار الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد حول العالم، وأعاد النظر في خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات البديلة التي يمكن أن تمنح صادرات المنطقة مرونة أكبر، وتفتح في الوقت نفسه فرصًا جديدة أمام الدول المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر.

وللحديث بشكل مفصل عن هذه التحولات، ومسارات الطاقة البديلة لمضيق هرمز، والخيارات المتاحة أمام دول المنطقة، حاورت «عُمان الاقتصادي» الدكتور وضاح الطه، الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري الوطني في دولة الإمارات للمعهد المعتمد للأوراق المالية والاستثمار (CISI)، للحديث عن البدائل القائمة والمحتملة، وحجم الاستثمارات التي تتطلبها، والدول الأكثر قدرة على الاستفادة من إعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة في المنطقة. وهنا أبرز ما جاء في الحوار:

إلى أي مدى أصبحت مسألة إيجاد بدائل لمضيق هرمز ضرورة بالنسبة إلى دول الخليج في إبان التوترات التي تمر بها المنطقة جراء الحرب الأمريكية الإيرانية؟

المخاطر الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة أدت إلى التفكير بجدية أكبر في إيجاد بدائل طويلة الأمد، وسرّعت من التوجه نحو هذه البدائل، خاصة في ظل سلوك الحرب الذي لا يمكن الوثوق باستقراره وتوقّعه، وإمكانية أن تتغير الأوضاع في أي لحظة.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى دول الخليج والعراق بالنظر إلى حجم احتياطيات الطاقة التي تمتلكها، فهناك احتياطيات نفطية كبيرة في العراق والسعودية والكويت والإمارات، إلى جانب احتياطيات كبيرة من الغاز في دول مثل قطر والسعودية، ولذلك فإن إيجاد مسارات بديلة لا يتعلق فقط بضمان حركة صادرات الطاقة، وإنما أيضًا بمنع تأثر الموازنات العامة لهذه الدول، والحفاظ على انسيابية الإيرادات المتأتية من بيع الثروة الهيدروكربونية ووصولها إلى الأسواق الدولية، إلى جانب الحد من الاضطرابات التي يمكن أن تنتج عن التوترات الجيوسياسية.

ما البدائل الاستراتيجية الممكنة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز في تصدير النفط؟

البديل الأساسي يقوم على إنشاء شبكة من خطوط الأنابيب تصل إلى موانئ آمنة خارج المناطق المعرضة للتوترات، ويمكن أن تكون هذه الموانئ على بحر العرب في سلطنة عُمان، أو موانئ إضافية على البحر الأحمر، ومنها ينبع في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى إمكانية الوصول إلى البحر المتوسط، خاصة عبر سوريا وتركيا، وهذه تعد من أهم البدائل الاستراتيجية المحتملة لخطوط الأنابيب التي يمكن أن تقلل الاعتماد على مضيق هرمز.

وهناك بالفعل شبكة من خطوط الأنابيب القائمة حاليًا التي توفر بدائل جزئية. من بينها خط الأنابيب السعودي شرق - غرب، الذي يتجاوز طوله 1200 كيلومتر، وقد أُنشئ في عام 1981 نتيجة رؤية مستقبلية من أرامكو جاءت بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بنحو عام. وبلغت طاقته نحو خمسة ملايين برميل، ثم ارتفعت طاقته مؤخرًا في ظل تطورات مضيق هرمز إلى نحو سبعة ملايين برميل، وينتهي الخط في موانئ ينبع على البحر الأحمر.

أما الخط الثاني فهو خط حبشان، الذي يمتد من أبوظبي إلى الفجيرة، بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل، ويسمح بنقل نحو نصف الكمية المصدرة بعيدًا عن منطقة مضيق هرمز باتجاه الفجيرة وخليج عُمان، ومن ثم بحر العرب.

وهناك أيضًا شبكة خطوط كركوك - جيهان في العراق، وهي تتكون من خطين تبلغ طاقتهما الإجمالية نحو 1.5 مليون برميل. لكن هذين الخطين تعرضا لمشكلات مرتبطة بعدم الصيانة، إضافة إلى الفساد والسرقات التي تعرضت لها أجزاء من الشبكة، ولذلك فإنها لا تعمل بطاقتها الكلية.

هل كشفت التطورات الحالية أن بعض الدول تأخرت في الاستعداد لاحتمال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز؟

 بالنظر إلى الوضع الحالي والمستقبلي، هناك دول تأخرت ولم تأخذ في الحسبان السيناريو الذي حدث والذي نمر به حاليًا، وعلى الرغم من وجود مؤشرات سابقة كان يمكن أن تدفع إلى الاستعداد لمثل هذا الاحتمال، فإن تجاهل هذه المؤشرات كانت له كلفة، ويظهر ذلك بشكل خاص في حالة العراق.

ما يحدث اليوم يبيّن أهمية أن تتعامل الدول مع هذه السيناريوهات بوصفها احتمالات يجب التخطيط لها مسبقًا، خصوصًا عندما تعتمد صادراتها وإيراداتها بدرجة كبيرة على مسار جغرافي محدد يمكن أن يتأثر بالتوترات السياسية والعسكرية.

لكن إنشاء خطوط أنابيب بديلة تمر عبر دول أخرى قد يخلق بدوره مخاطر جديدة، فهل يمكن اعتبار هذه المسارات أكثر أمنًا بالفعل؟

 إنشاء خطوط الأنابيب عبر دول أخرى يتم عادة ضمن اتفاقيات بين الدول، ولذلك فهو لا يخلو من المخاطر. فقد تلجأ بعض الدول التي تمر عبر أراضيها هذه الخطوط إلى رفع الرسوم، على سبيل المثال، أو قد تظهر تحديات أخرى مرتبطة بالعلاقات بين الدول.

لكن هذه المسارات يمكن أن تكون أكثر استقرارًا في بعض الحالات، خاصة عندما تقوم على اتفاقيات طويلة الأمد تأخذ في الاعتبار السيناريوهات المختلفة والمخاطر المحتملة. لذلك نحن أمام مرحلة تتطلب استثمارات كبيرة لأغراض لوجستية، لكنها استثمارات يمكن أن تكون مجدية على المدى الطويل، وبصورة خاصة بالنسبة إلى الدول التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة وتحتاج إلى ضمان استمرار قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية.

 وهل ينطبق الحديث عن المسارات البديلة على صادرات الغاز أيضًا؟

 خطوط أنابيب الغاز تحتاج بدورها إلى استثمارات كبيرة، وتظهر قطر هنا باعتبارها لاعبًا أساسيًا، مع وجود توجه نحو الوصول إلى البحر المتوسط. لكن وضع الغاز المسال يختلف عن النفط أو الغاز المنقول عبر الأنابيب، لأنه يحتاج إلى ناقلات متخصصة وتقنيات حديثة ومختلفة في عملية النقل.

لذلك فإن التعامل مع مسارات الغاز البديلة يتطلب النظر إلى طبيعة الغاز نفسه ووسيلة تصديره، سواء كان عبر خطوط الأنابيب أو في صورة غاز طبيعي مسال، وما يترتب على كل خيار من بنية أساسية واستثمارات وقدرات لوجستية.

أي دول المنطقة يمكن أن تستفيد أكثر من إعادة رسم مسارات تصدير الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز؟

 أكثر الدول التي تستطيع استثمار الوضع الحالي تأتي في مقدمتها سلطنة عُمان، بسبب موقعها الجغرافي وامتلاكها موانئ تقع بعيدًا عن مضيق هرمز وتطل مباشرة على المسارات البحرية المفتوحة. ثم تأتي المملكة العربية السعودية والإمارات، حيث يمكن استغلال موانئ مثل خورفكان والفجيرة في التعامل مع الأزمة وتوفير منافذ بديلة.

هذه المواقع والموانئ يمكن أن تلعب دورًا في استمرار حركة صادرات الطاقة ومبيعات النفط في اقتصادات دول الخليج العربي، وتخفيف جزء من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على ممر بحري واحد.

 أخيرًا، كيف يمكن للتوترات حول مضيق هرمز أن تنعكس على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي؟

 في ظل وجود التوترات الجيوسياسية، فإن الأسعار التي تظهر في الأسواق لا تعبر بالضرورة عن السعر الحقيقي المرتبط فقط بعوامل العرض والطلب، لأن الأسعار الحالية تتضمن ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر». وهذه العلاوة تعني وجود تكاليف إضافية تفرضها حالة عدم اليقين والتوتر، وهو ما يضيف أعباء جديدة ويقود في النهاية إلى أضرار على المستوى العالمي.

ولا تقتصر التداعيات على الدول المصدرة للطاقة، وإنما تمتد إلى الدول المستوردة أيضًا، إذ ترتفع تكاليف الطاقة والإنتاج والنقل، ومن ثم تنتقل هذه التكاليف إلى اقتصادات الدول التي تعتمد على الاستيراد. وهنا يظهر ما يسمى بـ«التضخم المستورد»، حيث تنتقل الزيادة في التكاليف والأسعار من الأسواق الخارجية إلى الاقتصاد المحلي عبر السلع والطاقة والخدمات المستوردة.