ثمن الإكراه الجيواقتصادي
09 سبتمبر 2026
09 سبتمبر 2026
لطالما ارتبطت السياسة الدولية ارتباطا وثيقا بالاقتصاد الدولي، فالعصر الميركانتيلي الذي ساد منذ القرن الخامس عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر تمركز صراحة حول التفاعل بين القوة الاقتصادية والتفوق العسكري، وفي رسالته «في اختراع السفن والمراسي والبوصلة وغيرها» المنشورة عام 1618، عبر المستكشف السير والتر رالي، أحد منظّري الميركانتيلية الإنجليزية وممارسيها عن هذه الرؤية بقوله «من ملك البحر ملك التجارة، ومن ملك تجارة العالم ملك ثرواته، ومن ملك ثرواته ملك العالم نفسه».
وقد استغلت السياسات الميركانتيلية الهيمنة العسكرية على طرق الشحن والمستعمرات في استخراج الموارد من الشركاء التجاريين ومستعمرات ما وراء البحار، واستخدمت هذه الموارد في تمويل الإنفاق العسكري الإضافي. ولمئات السنوات، انعكست صراعات القوى العظمى وتحالفاتها في علاقاتها العسكرية والاقتصادية.
وفي أوائل القرن التاسع عشر، حين قادت بريطانيا البلدان الأوروبية الثرية إلى التخلي عن الميركانتيلية وتبني فكر تحرير التجارة والتدفقات المالية، شهدت القوى الأوروبية اتجاها متزايدا نحو فصل سياساتها الاقتصادية عن سياسات القوى العظمى واستمر الحصار والحظر في بعض الحالات، وغالبا ما استُخدمت السياسات الاقتصادية كأداة للهيمنة الاستعمارية. ولكن الأيدولوجيات والممارسات السائدة اتجهت عموما إلى الفصل النسبي بين السياسة الاقتصادية والسياسة العسكرية، وشهد عصر التجارة الحرة آنذاك نموا اقتصاديا فائق السرعة قياسا بالمعايير التاريخية، وبدا ذلك وكأنه تأكيد لفكرة الفصل بين العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.
ولكن في ظل سعي البلدان إلى اللحاق بركب بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عادت الاعتبارات الجيواقتصادية إلى صدارة المشهد بفعل الخصومة الجيوسياسية والتسابق على المستعمرات. فأحكمت القوى الاستعمارية قبضتها على إمبراطورياتها، وأقامت ألمانيا منطقة نفوذ اقتصادي وسياسي في أوروبا الوسطى، بينما رسخت الولايات المتحدة هيمنتها في نصف الكرة الغربي خلال فترة اتسمت بتصاعد النزعة القومية الاقتصادية على غرار ما نشهده اليوم.
وساهمت الحرب الباردة في تعزيز الرابط بين الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصاد: فقد عمدت القوى الغربية إلى عزل الاتحاد السوفييتي وحلفائه إلى حد كبير عن التجارة والاستثمار الدوليين، في الوقت الذي شهد فيه التكامل الاقتصادي الدولي بين البلدان الغربية توسعا هائلا. ومن جانبهم، لم يبد السوفييت وحلفاؤهم، إلى جانب الصين، اهتماما كبيرا بالاندماج في الاقتصاد العالمي.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، وبزوغ العولمة الشاملة في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، اتجهت معظم الحكومات إلى إدارة علاقاتها الاقتصادية الدولية دون إيلاء اهتمام كبير للاعتبارات العسكرية أو الجيوسياسية. ومع اندماج الصين وفيتنام، ثم جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وحلفائها، في الاقتصاد العالمي، بدا وكأن القبول العالمي بالتكامل الاقتصادي قد نجح في تجاوز أبرز مساوئ سياسات القوى العظمى.
غير أن التوقعات التي سادت مطلع الألفية الجديدة باستمرار الفصل بين السياسة الدولية والاقتصاد الدولي أثبتت خطأها. وأصبحت المنافسة المتجددة بين القوى الكبرى عنوان علاقاتها الاقتصادية، كما يتضح من العقوبات الغربية المفروضة على روسيا والتوترات التجارية الجارية بين الصين والولايات المتحدة.
وكشفت الجائحة العالمية كذلك عن المخاوف حيال سلاسل الإمداد الطويلة والمعقدة التي قد تهدد قدرة البلدان على تأمين السلع الأساسية. ثم جاء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا ليعيد إلى أوروبا مشهد الصراع العسكري واسع النطاق على نحو ظن الكثيرون استحالته. وفي هذا السياق، ليس من المستغرب أن تلجأ الحكومات إلى توظيف السياسات الاقتصادية في مواجهة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
مزايا الإكراه
وثمة أسباب وجيهة تدفع الحكومات إلى استخدام السياسات الاقتصادية في تحقيق أغراضها الجيوسياسية. فتدابير مثل العقوبات والحظر والتعريفات الجمركية وغيرها يمكنها إكراه الخصوم دون اللجوء إلى القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها، كما يمكنها فرض تكاليف على البلدان والحكومات المستهدفة، وحث الجماعات المؤثرة في الخارج على ممارسة الضغط على حكوماتها لتغيير سياساتها، وإقناع الحلفاء بالتعاون في إرغام الخصوم على تقديم تنازلات.
وجاذبية السياسات الجيواقتصادية يمكن أن تكون أمرا مفهوما، ولكن قياسها قد ينطوي على بعض الصعوبات؛ فالعديد من الأهداف الجيوسياسية يصعب قياسها أو تقدير قيمتها النقدية. فما قيمة الأمن القومي؟ أو قيمة عزل الخصوم أو دعم الحلفاء أو ردع الهجمات المحتملة أو تجنب الحروب المدمرة؟
ورغم أن مزايا السياسات الجيواقتصادية قد تكون غير ملموسة، فإن جانبا كبيرا من تكاليفها يمكن تقديره وتحليل آثاره الاقتصادية بصورة أكثر وضوحا. وينبغي لصناع السياسات والمحللين والناخبين إدراك هذه المفاضلات، والتنازلات التي ربما يقدمها البلد عند فرض العقوبات أو التعريفات الجمركية لأغراض جيوسياسية. ولا يعني ذلك ضرورة تجنب هذه السياسات، بل ضرورة تقييم مزاياها وتكاليفها.
تكاليف الإكراه
عادة ما تفرض سياسات الإكراه الاقتصادي تكلفة على البلدان التي تنتهجها، وتتخذ هذه التكاليف صورا متنوعة من بينها ما يلي:
تكلفة الكفاءة الاقتصادية: تؤدي السياسات الجيواقتصادية بطبيعتها إلى انحراف الاقتصاد الوطني عن مقاصده الأكثر إنتاجية؛ فحظر الاستيراد يحد من قدرة البلد على الحصول على السلع التي يمكن إنتاجها بكفاءة أكبر في الخارج، وحظر التصدير يقلص فرص نفاذ البلد إلى الأسواق الأجنبية عالية الربحية. وتشكل التدابير المقيدة لحركة السلع ورأس المال خطرا على الميزة النسبية للبلد، كما تحد من كفاءته الإنتاجية. وتلك، في نهاية المطاف، هي الأسباب التي احتج بها الاقتصاديون من أنصار التجارة، بداية من آدم سميث حتى ديفيد ريكاردو وجون مينارد كينز؛ فكينز مثلا يقول «كيف لمجتمع أن يرجو كسبا من فرض ندرة مصطنعة على احتياجات بلده».
وهكذا، تلجأ الحكومات إلى السياسات الجيواقتصادية بدافع رغبتها في تحقيق أهداف جيوسياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب رفاهتها (الاقتصادية) الكلية. وتكشف القيود التي يفرضها هذا الهدف عن المفاضلات الملازمة للسياسات الجيواقتصادية.
تكلفة التخصص: يشكل التخصص إحدى ركائز الإنتاجية والنمو الاقتصادي. ويعد تقسيم العمل أساسا لتحقيق الكفاءة الاقتصادية بوجه عام. وكما كتب آدم سميث، فإن «تقسيم العمل مقيد بسعة السوق». ولذلك، فإن تعمد التضحية بسعة السوق يحد من قدرة الاقتصاد الوطني على التخصص المنتج.
وفي هذا السياق، تبرز مفاضلة أكثر وضوحا. فالأنشطة الاقتصادية الأكثر تخصصا عالية القيمة وشديدة الهشاشة في آن واحد. فهي تستمد قيمتها من ربحية الإنتاج المتخصص نتيجة ندرته وخصوصيته. غير أن هاتين السمتين ذاتهما تجعلان من الصعب إيجاد بدائل لهذه الأنشطة، وهو ما يفسر هشاشتها. فكلما ازداد تخصص الأنشطة المنتجة، ازدادت صعوبة الاستغناء عنها، وخطورة الاعتماد عليها.
ولذلك، تسعى الحكومات إلى تجنب الاعتماد على المنتجات الأكثر تخصصا التي تنتجها بلدان أخرى. ويتيح تنويع الروابط الاقتصادية قدرا من الحماية ضد الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية، كما يساعد في الحد من الانكشاف للمخاطر، وإن كان يأتي أحيانا على حساب كفاءة الاقتصاد المحلي وشركائه التجاريين.
تكلفة الابتكار: القيود المصطنعة على السعة السوقية للبلد لا تحد من القدرة على التخصص فحسب، بل من حوافز الابتكار أيضا. فالمنتجون يستثمرون في البحث والتطوير سعيا إلى اكتساب مزايا تنافسية في الأسواق، وكلما اتسع حجم السوق واشتدت المنافسة، أصبح لديهم دافع أكبر للقيام بذلك.
وفي المقابل، فإن ضوابط التصدير التي تقيد قدرة الاقتصاد المستهدف على الحصول على التكنولوجيا تمنحه دافعا قويا للابتكار. فقد استحدثت ألمانيا النازية المطاط الاصطناعي والميثادون حينما واجهت حصارا من الحلفاء أدى إلى قطع الإمدادات الطبيعية من المطاط والأفيون. ورغم أن ذلك ربما لم يكن الاستخدام الأمثل للموارد الألمانية، فقد ساعد في مجابهة تأثير السياسات الجيواقتصادية. وتشير شواهد حديثة إلى أن الدول الخاضعة للعقوبات استثمرت بكثافة في الابتكار؛ فقد استجابت كل من روسيا والصين وإيران للعقوبات بتعزيز أنشطة البحث والتطوير في محاولة لاستبدال السلع التي أصبح من الصعب الحصول عليها.
تكلفة المصداقية: تعد السمعة الطيبة للبلد أصلا بالغ القيمة، إذ تشجع البلدان الأخرى على الالتزام بترتيبات تجارية وتمويلية واستثمارية قد تنطوي على قدر من المخاطر، غير أن السياسات الجيواقتصادية، مثل العقوبات وتجميد الأصول، إذا أفضت إلى انتهاك عقود صريحة أو ضمنية، فإنها تدفع البلدان الأخرى إلى التشكيك في موثوقية الالتزامات المبرمة مع البلدان التي تفرض هذه السياسات. ومع تراجع الثقة، تصبح الحكومات الأخرى والشركات الخاصة أقل استعدادا للمخاطرة بإبرام التزامات اقتصادية قد يتم خرقها لاحقا. وقد يحرم ذلك البلد من علاقات تجارية واستثمارية ومالية قيمة يعتمد كثير منها على سمعة الشركاء وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم.
تكلفة السياسات المحلية: قد تؤدي السياسات الجيواقتصادية إلى توزيع غير متكافئ للتكاليف والمنافع عبر الشرائح السكانية، مما قد يخلق توترات سياسية محلية. فعلى سبيل المثال، قد تتكبد بعض الشركات تبعات سلبية حادة نتيجة العقوبات أو ضوابط التصدير إذا أدت هذه السياسات إلى فقدان علاقات اقتصادية مهمة ومربحة. وفي المقابل، قد تحقق شركات أو صناعات أخرى فرصا مربحة للغاية إذا منحتها السياسات الجيواقتصادية معاملة تفضيلية أو قدرة على النفاذ إلى الأسواق. وقد يثير ذلك استياء الشركات المحلية المتضررة من فرض السياسات الجيواقتصادية تجاه الشركات الأخرى المستفيدة من نجاح تلك السياسات، مما يزيد من صعوبة تنفيذ هذه السياسات أو يضعف مصداقيتها أو يجعلها أكثر إثارة للجدل السياسي. وآخر ما يرجوه القادة الوطنيون عند تبني سياسات ذات أهمية جيوسياسية من وجهة نظرهم هو مواجهة معارضة داخلية لها، وبالتالي فعليهم التفكير مليا في التكلفة الاجتماعية المحلية لهذه السياسات.
الصورة الكاملة
غالبًا ما تلجأ الحكومات إلى تبني سياسات اقتصادية قسرية في خضم صراعات جيوسياسية ملحة، غير أن التركيز المفهوم على تحقيق أهداف جيوسياسية قصيرة المدى — كانتزاع التنازلات أو درء الأضرار — قد يحجب الانتباه عن التكاليف الاقتصادية على المدى الأطول. ففي أتون الصراع الجيوسياسي، قد يصعب على صناع السياسات إدراك ما يمكن أن تلحقه العقوبات من ضرر دائم بالسمعة المالية أو التجارية للبلد الذي يفرضها، وهو ضرر قد يفوق المكاسب الجيواقتصادية المؤقتة المتوخاة من تلك العقوبات.
وقد تدفع السياسات الجيواقتصادية بلدانا أخرى إلى تبني سلوكيات مرجوة، ولكنها تنطوي كذلك على تكاليف ومفاضلات يتعين على صناع السياسات والمحللين والمواطنين إدراكها بوضوح. فمن شأن هذه السياسات أن تحد من كفاءة الاقتصاد عبر تقويض حوافز التخصص الذي يساهم في تحقيق الكفاءة الإنتاجية الوطنية القصوى. ويمكنها كذلك كبح الابتكار المحلي وتحفيز الأنشطة الابتكارية في البلدان الأجنبية المنافسة، وتقييد نطاق الأنشطة المتاحة للشركات والصناعات المحلية. وتؤثر هذه السياسات أيضا على سمعة البلد وموثوقيته، وقد تقوض آفاقه الاقتصادية على المدى الطويل، كما قد تلحق الضرر ببعض الصناعات أو المجموعات داخل البلد الذي يفرضها لصالح أطراف أخرى بما قد يثير جدلا سياسيا داخليا.
وهكذا، تمثل السياسات الجيواقتصادية أداة قيمة من أدوات السياسة الخارجية التي يمكن الاستعانة بها في تحقيق منافع ملموسة، لا سيما إذا ساهمت في درء الصراعات المسلحة، غير أن تكلفتها قد تفوق منافعها في بعض الأحيان. وعلينا إدراك هذه التكلفة بوضوح قبل أن نحدد ما إذا كانت المحصلة الصافية إيجابية أم لا.
جيفري فريدن أستاذ الشؤون الدولية والعامة والعلوم السياسية بجامعة كولومبيا وأستاذ فخري في الدراسات الحكومية بجامعة هارفارد.
مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي.
