No Image
عُمان الاقتصادي

«القاتل الاقتصادي» يعود إلى الداخل.. جون بيركنز يحاكم تجربة ترامب

09 سبتمبر 2026
09 سبتمبر 2026

منذ أن أحدث كتابه «اعترافات قاتل اقتصادي» ضجة عالمية مطلع الألفية، ارتبط اسم جون بيركنز الكاتب والاقتصادي الأمريكي، بكشف الآليات الخفية التي تستخدمها القوى الكبرى لإخضاع الدول، عبر الديون والمؤسسات المالية والشركات متعددة الجنسيات.

لكن في كتابه الجديد «فن السرقة The Art of the Steal» لا يتجه بيركنز إلى أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط أو إفريقيا، بل يوجه بوصلته إلى الولايات المتحدة نفسها، معتبرًا أن الأدوات التي طالما استُخدمت لفرض النفوذ على الخارج أصبحت تُمارس اليوم داخل المجتمع الأمريكي.

في حواره هذا يتحدث بيركنز بصراحة عن الأسباب التي دفعته لاختيار عنوان يستعير، عن قصد، عنوان كتاب دونالد ترامب «فن الصفقة» ويشرح لماذا يرى أن الولايات المتحدة انحرفت عن مسارها الديمقراطي، وكيف أدى تراكم نفوذ أصحاب المليارات إلى خلق نظام أوليجارشي أفقد كثيرًا من الأمريكيين ثقتهم في المؤسسات السياسية، وهيأ المناخ لصعود زعيم يقدم نفسه باعتباره المنقذ.

ولا يكتفي بيركنز بتوجيه النقد، بل يقدم في كتابه ما يصفه بخريطة طريق للتغيير، مؤكدًا أن المشكلة الحقيقية ليست هشاشة الديمقراطيات وحدها، وإنما قابلية الشعوب للانخداع بقادة تحركهم الطموحات الشخصية والجشع والرغبة في احتكار السلطة. ومن هذا المنطلق، يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المواطنين وقادتهم، وإلى بناء مستقبل يقوم على المساءلة والتعاون بدلًا من الهيمنة والاستغلال.

لكتابك الجديد اخترت عنوان The Art of the Steal ما الذي تعتقد أنه سُرق تحديدًا من المجتمع الأمريكي؟

بدايةً، عنوان الكتاب يحمل تلاعبًا لغويًا مقصودًا مع عنوان كتاب Donald Trump الشهير «فن الصفقة The Art of the Deal «أردت من خلال هذا التشابه أن أوصل رسالة مختلفة تمامًا عما يرمز إليه ذلك الكتاب.

في رأيي، لم تنجح الولايات المتحدة يومًا في أن تصبح ديمقراطية مكتملة الأركان، لكنها ظلت على مدار ما يقرب من 250 عامًا تتحرك، وإن كان ببطء، في اتجاه توسيع الحقوق والحريات وتعزيز المشاركة السياسية.

ويمكن ملاحظة ذلك في محطات تاريخية عديدة. فقد استغرق الأمر سنوات طويلة قبل أن يحصل الأمريكيون السود على حق التصويت وكذلك النساء. لكن المجتمع الأمريكي واصل، رغم العقبات، إحراز تقدم في هذا المسار حتى أصبحت تلك الحقوق واقعًا.

لكنني أعتقد أن دونالد ترامب غيّر اتجاه هذه المسيرة. فبدلًا من الاستمرار في توسيع مساحة الديمقراطية، سعى إلى تكريس نموذج للحكم يتركز فيه النفوذ في يد شخص واحد، ويحظى بدعم طبقة ضيقة من أصحاب الثروات الهائلة والنفوذ الاقتصادي، أي ما يمكن وصفه بـ»الأوليجارشية»

ولهذا أرى أن الولايات المتحدة انتقلت، في ظل هذا التوجه، من مسار كان يسعى إلى الاقتراب أكثر من الديمقراطية، إلى مسار يثير مخاوف حقيقية من تصاعد النزعات السلطوية والاستبدادية.

في الكتاب تشير إلى أن استراتيجية «رجل الاقتصاد المؤثر» عادت إلى الداخل الأمريكي. ما اللحظة التي أدركت فيها أن الأدوات التي وصفتها في الخارج أصبحت تُستخدم داخل الولايات المتحدة نفسها؟

بدأتُ أدرك هذه الحقيقة منذ الفترة التي كنت أعمل فيها قاتلًا اقتصاديا. ففي ذلك الوقت، قال لي رئيس بنما الراحل «عمر توريخوسOmar Torrijos « إنني أتعرض للخداع وأخدع نفسي، وأسهم في خداع العالم أيضًا. كانت كلماته صادمة بالنسبة إليّ، لكنها دفعتني إلى إعادة النظر في كثير من القناعات التي كنت أؤمن بها.

ومع مرور السنوات، وأثناء كتابة كتبي والبحث في آليات الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة، أصبح فهمي لهذه القضايا أكثر عمقًا واتساعًا.

ومن وجهة نظري، فإن جميع الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على السلطة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية استخدموا، بدرجات متفاوتة، الأساليب التي يعتمدها «القتلة الاقتصاديون» في توسيع النفوذ الأمريكي خارج الحدود.

لكن ما يميز دونالد ترامب هو أنه، وللمرة الأولى، نقل هذه الأساليب إلى الداخل الأمريكي واستخدمها، بحسب رؤيتي، بغرض استغلال الشعب الأمريكي وإخضاعه، إلى جانب توظيفها في التعامل مع شعوب ودول أخرى.

لقد بدأت ألاحظ خلال ولايته الأولى أنه كان يدفع الولايات المتحدة بعيدًا عن المسار الذي كانت تسير فيه، وهو السعي، ولو تدريجيًا، نحو ترسيخ الديمقراطية. لكن هذا التحول لم يصبح واضحًا بصورة لا تقبل الشك بالنسبة إليّ إلا مع بداية ولايته الثانية، وتحديدًا من خلال الخطاب الذي ألقاه في حفل تنصيبه، والذي رأيت فيه مؤشرًا واضحًا على هذا التوجه.

في كتابك، يحتل دونالد ترامب موقعًا محوريًا في السردية. هل تعتقد أن الظواهر التي تصفها كانت ستحدث حتى لو لم يصل ترامب إلى السلطة، أم أن شخصيته وأسلوبه السياسي كانا عاملين حاسمين في ظهور ما تسميه «فن السرقة»؟

كما ذكرت، فإن جميع الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية استخدموا أساليب «القتلة الاقتصاديين» لفرض النفوذ الأمريكي على دول أخرى واستغلالها. لكن دونالد ترامب، في رأيي، هو أول من وجّه هذه الأساليب إلى الداخل، ضد أبناء شعبه. ومن هذا المنطلق، أعتبره هو نفسه «قاتلًا اقتصاديًا»

خلال الفترة التي عملت فيها قاتلًا اقتصاديًا في سبعينيات القرن الماضي، وحتى لعقود تلت ذلك، كانت هذه الأساليب تُمارس في الخفاء، بعيدًا عن أنظار الرأي العام. لم يكن الناس يدركون كيف تُستخدم القوة الاقتصادية والضغوط المالية لتحقيق أهداف سياسية وجيوسياسية. لكن ترامب، من وجهة نظري، أخرج هذه الممارسات إلى العلن، وجعلها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

وقد تبدو هذه مفارقة، لكنني أرى أن في ذلك جانبًا إيجابيًا. لأنه كشف استراتيجية «القتلة الاقتصاديين» أمام الأمريكيين وأمام العالم، بعدما ظلت لسنوات طويلة تُدار خلف الكواليس دون أن يلتفت إليها كثيرون.

وعلى المستوى الشخصي، لا يستطيع الإنسان أن يتطور إلا عندما يواجه أخطاءه بصدق، ثم يعمل على تصحيحها. والأمر نفسه ينطبق على الدول. فلا يمكن لأي دولة أن تتقدم ما لم تعترف بما ارتكبته من أخطاء وتسعَى إلى تغيير مسارها.

ولهذا أعتقد أن ترامب، من حيث لا يقصد ربما، أجبر الولايات المتحدة على مواجهة هذه الاستراتيجية التي أصبحت، مع مرور الوقت، أكثر خطورة على الأمريكيين أنفسهم، فضلًا عن تأثيرها في بقية دول العالم. لقد وضع المجتمع الأمريكي أمام تحدٍ حقيقي، وهو أن يعيد النظر في هذا النهج، وأن يقرر ما إذا كان سيواصل السير فيه أم سيختار طريقًا مختلفًا.

كثير من الأمريكيين الذين دعموا ترامب يعتقدون أنهم كانوا يقاومون النخب الاقتصادية لا يخدمونها. كيف تفسر هذا التناقض؟

أعتقد أن الرؤساء الأمريكيين، سواء كانوا من الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي، إلى جانب عدد من كبار السياسيين وقادة الأعمال، أسهموا تدريجيًا في دفع الولايات المتحدة نحو نظام تتركز فيه السلطة والنفوذ في أيدي قلة من أصحاب المليارات والثروات الضخمة، وهو ما يُعرف بـ«الأوليجارشية».

ومع مرور الوقت، شعر كثير من الأمريكيين بأن أصواتهم لم تعد مؤثرة، وأن النظام السياسي لم يعد يعبر عن مصالحهم الحقيقية، وهو شعور لم يقتصر على أنصار حزب بعينه، بل امتد إلى من فقدوا الثقة في الحزبين الرئيسيين على حد سواء.

وعندما يصل الناس إلى حالة من الإحباط وفقدان الأمل، فإنهم غالبًا ما يبحثون عن شخصية قوية تقدم نفسها باعتبارها المنقذ القادر وحده على انتشال البلاد من أزماتها. وبرأيي، نجح دونالد ترامب في إقناع عدد كبير من الأمريكيين بأنه ذلك القائد، وأنه الشخص الوحيد القادر على إنقاذ الولايات المتحدة من كارثة وشيكة.

لكن ما حدث، من وجهة نظري، كان عكس ذلك تمامًا. فأنا أرى أن ترامب أخفق إخفاقًا كبيرًا في تحقيق هذا الوعد، وأن سياساته أضعفت مكانة الولايات المتحدة بدلًا من تعزيزها، وأسهمت في تراجع نفوذها على الساحة الدولية. كما أنها، في تقديري، فتحت المجال أمام الصين لتوسيع نفوذها وتعزيز فرصها في لعب دور أكثر هيمنة وتأثيرًا في النظام العالمي.

ما الأدلة التي تراها الأقوى على أن ما تصفه ليس مجرد قراءة أيديولوجية للأحداث؟

فى الحقيقة، أنا في هذا الكتاب أستعرض عشرات، بل مئات الأمثلة على قرارات اتخذها دونالد ترامب، وأرى أنها وضعت الولايات المتحدة في وضع بالغ الخطورة والهشاشة. ومن المستحيل بالطبع أن أتناول كل هذه الأمثلة في مقابلة واحدة، لأن كلًا منها يحتاج إلى شرح وتفصيل.

وربما تمثل الحرب على إيران المثال الأكثر دلالة ورمزية على ما أقصده. فمن وجهة نظري، لم تقتصر آثار هذه الحرب على تكبيد الولايات المتحدة خسائر مالية هائلة، بل امتدت لتلحق أضرارًا جسيمة باقتصادات العديد من الدول، نتيجة ما أحدثته من اضطرابات وعدم استقرار على المستوى الدولي.

ولهذا أرى أن هذه الحرب كانت صفقة خاسرة بكل المقاييس، ليس فقط بالنسبة للأمريكيين الذين منحوا ترامب أصواتهم، بل أيضًا بالنسبة إلى شعوب كثيرة حول العالم تأثرت بتداعياتها الاقتصادية والسياسية.

وهذا المثال ليس سوى واحد من بين أمثلة كثيرة أوردتها في الكتاب، والتي أعتقد أنها تُظهر أن تجربة رئاسة ترامب لا يمكن تفسيرها باعتبارها مجرد اختلاف أيديولوجي أو صراع بين اليمين واليسار، بل إنها تتجاوز ذلك إلى تحولات أعمق تمس طبيعة السلطة وآليات صنع القرار، وتأثيرها في الولايات المتحدة والعالم.

بعد أن قضيت سنوات في الكتابة عن كيفية إخضاع الدول عبر الدين والخوف والنفوذ الاقتصادي، هل تشعر أن كتاب The Art of the Steal هو في جوهره كتاب عن السياسة الأمريكية، أم أنه كتاب عن هشاشة الديمقراطيات عمومًا مهما بلغت قوتها؟

أخبرني محرري وناشري، وهو الشخص نفسه الذي أشرف على تحرير ونشر كتبي السابقة عن «القتلة الاقتصاديين»، أن هذا الكتاب هو الأكثر قدرة على تفسير هذه الاستراتيجية وكشف آلياتها، وأنه يمثل حتى الآن أوضح وأقوى عرض لها.

لكن «فن السرقة The Art of the Steal » لا يقتصر على تشخيص المشكلة فحسب، بل يطرح أيضًا خطة عمل شاملة يمكن لكل قارئ أن يستفيد منها للمساهمة في بناء عالم أكثر عدلًا وإنصافًا. ولهذا أعتبره أهم كتاب كتبته في حياتي حتى الآن.

ولا أعتقد أن القضية الأساسية التي يناقشها الكتاب هي هشاشة الديمقراطية بقدر ما هي هشاشة البشر أنفسهم أمام التضليل والخداع. فالناس قد يقعون بسهولة تحت تأثير قادة تحركهم الطموحات الشخصية والجشع والأنانية والنرجسية، فيمنحونهم ثقتهم دون أن يدركوا العواقب.

ومن هنا يأتي هذا الكتاب بوصفه رسالة تحذير. فهو يدعونا جميعًا إلى التفكير أكثر في الأشخاص الذين نختارهم لقيادتنا، ويدعونا أيضا إلى التساؤل، هل سيقودنا قادتنا إلى حافة الانهيار والدمار، أم أنهم سيعملون على بناء عالم أفضل يفتخر به أبناؤنا وأحفادنا ويشكروننا عليه في المستقبل؟

كان هدفي من كتابة هذا الكتاب هو إلهام الناس وتشجيعهم على ممارسة دورهم في محاسبة القادة ودفعهم إلى اختيار الطريق الثاني. طريق البناء لا الهدم، والتعاون لا الهيمنة. ولذلك فإن «فن السرقة» لا يقدم مجرد نقد للواقع، بل يضع أيضًا خريطة طريق عملية تساعد كل قارئ على أن يكون جزءًا من هذا التغيير.