No Image
عُمان الاقتصادي

اقتصاد الاستدعاء الثقافي

09 سبتمبر 2026
09 سبتمبر 2026

في كل وثيقة محفوظة بمخازن الحفظ يمكن أن تكون محركة لاقتصاد لم يتم توجيهه نحو الريادة، وفي كل مخطوطة، أو صورة، أو تسجيل شفهي، أو خريطة قديمة، مادة أولية يمكن أن تتحول إلى نشاط فاعل لملف التنويع الاقتصادي، إذا أُحسن توجيهها وإدارتها، إلى أفلام سينمائية بشتى أنواعها، أو لعبة إلكترونية، أو تجربة سياحية، أو منتج تصميمي، أو محتوى تعليمي، أو معرفة أصلية تُدرَّب عليها نماذج الذكاء الاصطناعي. فالذاكرة الوطنية سجلّ للماضي وأصل ثقافي متجدد، وقيمة كامنة تنتظر منظومة قادرة على نقلها من رفوف الحفظ إلى دورة الإنتاج الإبداعي.

ومن هنا يمكننا تعريف مفهوم (اقتصاد الاستدعاء الثقافي)، بوصفه نظام اقتصادي منظم يحوّل المحتوى الثقافي المحفوظ في الأرشيفات والمتاحف والمكتبات إلى موارد إبداعية قابلة للوصول والترخيص وإعادة الاستخدام، مع الحفاظ على الحقوق والسياق والقيمة الرمزية، ولا يعني ذلك بيع التراث أو اختزاله في سلعة، إنما إنشاء قنوات قانونية ومهنية تسمح للمبدعين باستخدامه بصورة مسؤولة، تماما كما تُستخدم المكتبات الموسيقية في الإنتاج، أو تُعاد قراءة الشخصيات الأدبية والتاريخية في السينما والمسرح. الفكرة في جوهرها تسمح لنا أن ننقل النقاش من سؤال: كيف نحفظ الذاكرة؟ إلى سؤال أوسع: كيف نحفظها ونفعّلها ونضاعف أثرها؟ فالحفظ ضرورة وطنية لا جدال فيها، والرقمنة خطوة مهمة لتوسيع الوصول، لكنهما لا يكفيان وحدهما لصناعة قيمة اقتصادية ومساهمة رئيسة للدخل الإجمالي للدولة.

ويمكن أن تُرقمن آلاف الوثائق وتظل ساكنة ومحفوظة في قواعد البيانات لأن الفجوة الحقيقية ليست في وجود المحتوى، بل في جاهزيته للاستخدام الإبداعي، وهنا يأتي «الاستدعاء» باعتباره المرحلة الثالثة من خلال استخراج العناصر القابلة لإعادة التوظيف، وإثراؤها بالبيانات الوصفية، وتوضيح حقوقها، وتقديمها للمبدعين في صورة مفهومة وقابلة للبحث والترخيص.

الأرشيف العُماني

وتمتلك سلطنة عُمان رصيد ثري من الوثائق والمخطوطات والصور والتسجيلات والمحفوظات الرسمية والأهلية، وهذا الرصيد يحمل قصصا عن الإنسان والمكان والبحر والتجارة والدبلوماسية والعمران والعادات واللغة والحرف والتحولات الاجتماعية غير أن جزءا كبيرا من هذه المادة، رغم حفظه وتوثيقه، لا يزال خارج دورة الاستخدام الاقتصادي المنظم، وفي المقابل تبحث قطاعات السينما والألعاب والتصميم والإعلام والسياحة باستمرار عن قصص أصيلة، وشخصيات موثوقة، وزخارف ذات جذور، وبيئات تاريخية دقيقة. وهكذا نواجه مفارقة اقتصادية واضحة، من حيث وفرة في المحتوى من جهة، وندرة في المحتوى الموثوق القابل للاستخدام من جهة أخرى. إن بناء الجسر بين الطرفين هو فرصة لتنويع الاقتصاد الوطني، وليس مشروعا ثقافيا محدود الأثر. فالمحتوى الأرشيفي يمكن أن يصبح مدخلا إنتاجيا للصناعات الإبداعية، كما تصبح البيانات مدخلا للاقتصاد الرقمي. وكلما كان هذا المدخل منظما وموثوقا،

انخفضت كلفة البحث والتحقق على الشركات والمبدعين، وتراجعت المخاطر القانونية، وارتفعت جودة المنتجات وقدرتها على التمايز. وهذا هو المنطق الاقتصادي للمشروع، والسبيل لتحويل أصول خام غير مستغلة بما يكفي إلى بنية تحتية معرفية تخدم عدة أسواق في الوقت نفسه. وتزداد أهمية هذا التحول اليوم لعدة أسباب. أولها تصاعد الطلب على المحتوى الأصيل في بيئة رقمية ممتلئة بالمحتوى المتشابه والسريع؛ فالأصالة تعد قيمة ثقافية، وميزة تنافسية، وأحد الأعمدة الثابتة لمعنى الإبداع. وثانيها حاجة الدول إلى التعبير عن هويتها في منتجاتها الإبداعية وتمكين ونشر قوتها الناعمة عبر قصص وتصاميم وتجارب تنبع من الذاكرة الحقيقية. وثالثها توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى محتوى ثقافي ولغوي متنوع وموثوق لتطوير نماذج أكثر فهمًا للسياق المحلي. أما السبب الرابع فهو نمو الطلب على السياحة الثقافية والتجارب الغامرة التي ترغب بعرض المكان، وإعادة بناء قصته، وتحول الزائر من متلق إلى مشارك. ولكي تنتقل الوثيقة من الأرشيف إلى السوق نحتاج إلى سلسلة قيمة واضحة.

وتبدأ السلسلة بالحفظ والتوثيق، ثم الرقمنة بجودة عالية، ثم المعالجة لاستخراج النصوص والرموز والزخارف والقصص والشخصيات والأماكن. بعد ذلك تأتي مرحلة البيانات الوصفية التي تشرح أصل العنصر وتاريخه وسياقه، ثم تحديد الحقوق وشروط الاستخدام والرسوم، وصولًا إلى إتاحته للمبدعين عبر منصة واضحة سهلة الاستخدام. وفي المرحلة التالية يستخدمه المنتجون والمصممون والباحثون في تطوير منتجات جديدة، ثم تُسوّق هذه المنتجات محليًا وعالميًا عبر القنوات المعتمدة بحيث يكون التكامل شعار الجهات. يمكن، على سبيل المثال، استخراج نمط زخرفي من مخطوطة عُمانية قديمة، والتحقق من سياقه، ثم ترخيصه لشركة تصميم محلية وصغيرة ومتوسطة لتطوير مجموعة أزياء أو منتجات منزلية تحمل هوية عُمانية معاصرة. ويمكن لقصة موثقة في مراسلات تاريخية أن تتحول إلى سيناريو درامي، أو (بودكاست)، أو رواية مصورة يستخدمها طالب جامعي أو شركة طلابية في منافسة عالمية.

استثمار المحتوى

و يمكن لخريطة قديمة أو وصف لمدينة أن يشكلا أساسًا لتجربة واقع معزز في موقع سياحي. وفي قطاع الألعاب قد تتحول الشخصيات والرحلات والبيئات المحلية إلى عوالم تفاعلية تمنح المنتج تميزًا ثقافيًا وتعليميًا. أما في التعليم فيمكن إعادة بناء التاريخ في محتوى بصري وتفاعلي يقرب الوثيقة من الطالب بدل أن تبقى مادة بعيدة في كتاب مدرسي. من الجانب الاقتصادي لا يقتصر العائد على بيع تراخيص منفردة؛ فثمة أربعة نماذج رئيسة يمكن الجمع بينها. الأول هو ترخيص المحتوى بحسب نوع الاستخدام ومدته ونطاق التوزيع، والثاني اشتراكات مؤسسية للجامعات وشركات الإنتاج والاستوديوهات ووكالات التصميم تتيح وصولًا منظمًا إلى قواعد المحتوى. والثالث شراكات استراتيجية لتطوير منتجات مشتركة وتقاسم الإيرادات. والرابع خدمات التحقق والتوثيق؛ بحيث تقدم الجهة الحافظة اعتمادًا للمحتوى المستخدم، وتضمن دقته التاريخية، وهي خدمة تضيف قيمة إلى المنتج وتحد من الاستخدام السطحي أو المضلل.

ومن المهم اقتصاديًا الفصل بين حق المجتمع في الوصول إلى ذاكرته وحق الاستخدام التجاري واستثماره. فإتاحة الوثيقة للقراءة أو البحث العلمي لا تعني بالضرورة السماح بتحويلها إلى علامة تجارية أو منتج ربحي بلا شروط. ويمكن للمنظومة أن تعتمد مستويات متعددة، مثل الوصول العام للمعرفة والتعليم، وتراخيص منخفضة التكلفة للمشروعات الناشئة والمؤسسات الصغيرة، وتراخيص تجارية تتناسب مع حجم التوزيع والعائد المتوقع، واتفاقات خاصة للاستخدامات الدولية الكبرى. بهذه المعادلة لا يصبح التسعير حاجزًا أمام الإبداع، ولا تتحمل المؤسسة العامة كلفة تجهيز المحتوى لصالح نشاط تجاري من دون عائد عادل. كما أن المنصة المقترحة تؤدي وظيفة «صانع السوق». فالمشكلة اليوم ليست غياب البائع أو المشتري، بل غياب الوسيط الذي يعرّف كل طرف بالآخر ويضع قواعد التبادل، فالجهة الحافظة قد لا تعرف ما الذي يحتاج إليه المصمم أو منتج الفيلم، والمبدع قد لا يعرف ما الذي يوجد أصلًا في أماكن الحفظ، أو إلى من يتوجه، أو كم يستغرق الترخيص. وعندما تختصر المنصة هذه المسافات فإنها تخفض تكاليف المعاملة، وتسرّع الإنتاج، وتحوّل المحتوى المتناثر إلى عرض اقتصادي مفهوم، ولإظهار الإمكان المالي الأولي يمكن بناء «سيناريو افتراضي» لأرشيف يضم مائة ألف عنصر قابل للترخيص مع استخدام سنوي لخمسة في المائة من العناصر، ومتوسط ترخيص يبلغ 385 ريالًا عُمانيًا؛ ما يقود حسابيًا إلى إيراد محتمل قدره 1.925 مليون ريال سنويًا. غير أن هذا الرقم ينبغي فهمه بوصفه اختبارا للإمكانات، لا توقعا ماليا جاهزا.

إذ يتوقف العائد الفعلي على نوع المحتوى، وحالته الحقوقية، والطلب السوقي، وجودة المنصة، وقدرة المؤسسات على التسويق وبناء الشراكات؛ لذلك تظل دراسة الجدوى التفصيلية واختبار السوق شرطين سابقين لأي تقدير نهائي. كما أن القيمة الاقتصادية الأوسع قد تفوق الإيرادات المباشرة. فالمنظومة تستطيع أن تخلق فرصًا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتفتح أسواقًا للمصممين والكتّاب والمبرمجين والمنتجين، وتزيد المحتوى المحلي في سلاسل الإنتاج، وتدعم الصادرات الإبداعية، وتعزز صورة عُمان الثقافية في العالم. والأهم أنها تجعل الأرشيف جزءًا من منظومة الابتكار، لا جهة تقف في نهايتها. عندما يصبح المحتوى الموثوق متاحًا ومنظمًا، فإن كل مشروع إبداعي جديد يمكن أن يبني فوق ما سبقه بدل أن يبدأ من الصفر. لكن تحويل الذاكرة الوطنية إلى مورد اقتصادي يحتاج إلى حوكمة دقيقة؛ لأن الخطأ هنا لا يسبب خسارة مالية فحسب، بل قد يمس المعنى والهوية والحقوق. فأول التحديات هو تحديد الملكية الفكرية، ومن يملك حق الاستخدام: الدولة، أم المؤسسة الحافظة، أم صاحب الوثيقة، أم الورثة مثلا؟ وثانيها خطر إخراج العناصر من سياقها التاريخي والاجتماعي، أو استخدامها بصورة تمس القيم الثقافية والدينية والوطنية. وثالثها الإفراط في التسليع حين يتحول الإرث إلى زينة تجارية منفصلة عن معناه.

الإتاحة المحكومة

وهناك أيضًا كلفة الرقمنة والمعالجة، والحاجة إلى كوادر ذات كفاءة وكفاية تجمع بين المعرفة الأرشيفية والقانون والتقنية والتسويق. لهذا ينبغي ألا تقوم المنظومة على الإتاحة المفتوحة غير المنضبطة، ولا على المنع الشامل. المسار الأكثر توازنًا هو «الإتاحة المحكومة» من خلال تصنيفات واضحة للمحتوى، وسياسات ترخيص متدرجة، ومراجعة للاستخدامات الحساسة، وعقود تحفظ الحقوق، وآليات لسحب الترخيص عند المخالفة،

ولجان تضم خبراء في التاريخ والثقافة والقانون والصناعات الإبداعية. كما ينبغي أن تتضمن كل مادة متاحة حزمة معلومات تشرح أصلها وسياقها وحدود استخدامها، حتى لا تتحول الرقمنة إلى فصل للمحتوى عن معناه. إنَّ النموذج العملي المقترح هو منصة وطنية للتفعيل الثقافي الإبداعي، تُدار عبر شراكة مؤسسية تجمع الجهات الحافظة للمحتوى، والجهات الاقتصادية، والقطاع الثقافي الإبداعي. ولا تبدأ المنصة بالتقنية، بل بالسياسة وتطرح أسئلة متنوعة، ما المحتوى القابل للاستخدام؟ وما مستويات الوصول؟ وكيف تُحتسب الرسوم؟ وكيف توزع العوائد؟ ثم تأتي البنية الرقمية لتسهيل البحث، وعرض المواد، وتقديم طلبات الترخيص، وتتبع الاستخدام، وحفظ العقود والحقوق. ويوازي ذلك برنامج لبناء الشراكات مع شركات السينما والألعاب والسياحة والتصميم والتعليم؛ لأن المنصة بلا طلب سوقي ستصبح أرشيفا رقميا آخر، لا سوقا إبداعية. والبداية الأكثر واقعية ليست مشروعا ضخما، بل تجربة محكومة خلال فترة محددة وفق نطاق المشروع.

ويمكن اختيار مجموعة محدودة من المواد ذات الحقوق الواضحة والمتاحة للاطلاع وانتهت مددها، وتمثيل قطاعات مختلفة، ثم طرحها أمام عدد من الشركات والمبدعين لتطوير نماذج أولية. وتقاس التجربة بمؤشرات محددة مثل: عدد طلبات الاستخدام، وزمن إصدار الترخيص، ورضا المبدعين، وقيمة العقود، وجودة المنتجات، وسلامة السياق، وعدد فرص العمل أو الشراكات الناتجة. وقبل ذلك، يمكن إنجاز دراسة جدوى وخطة تنفيذية خلال ستة أشهر لتحديد حجم السوق، والتكاليف، والحوكمة، والسيناريو المالي أو الاستعانة بشركة استشارية في هذا المجال. إن اقتصاد الاستدعاء الثقافي لا يدعو إلى نقل الذاكرة الوطنية من الأرشيف أو المتحف إلى المتجر، بل إلى نقلها من السكون إلى الحركة.

وهو يضع أمامنا تصورا ممكنا للأرشيف، في أنه يحفظ الماضي من أجل بناء بنية تحتية راسخة للمستقبل. والميزة الاستثنائية في هذا الأصل أنه لا ينضب بالاستخدام؛ فالوثيقة تستطيع أن تخرج فيلما، وتصميما، ودرسا، وتجربة سياحية، وتظل في الوقت نفسه محفوظة للأجيال. وحين ندير هذا الأصل بحكمة، فإننا لا نستهلك الذاكرة، بل نضاعف حضورها وقيمتها. المطلوب إذن ليس أن نختار بين صون التراث واستثماره، بل أن نبني نموذجا يحقق الاثنين معا. فالدول التي تحسن تحويل ذاكرتها إلى معرفة، ومعرفتها إلى إبداع، وإبداعها إلى قيمة، فهي تحمي تاريخها، وتمنحه دورا اقتصاديا في صناعة المستقبل. وفي عُمان؛ حيث الذاكرة غنية والهوية متجذرة، يمكن أن تبدأ صناعة جديدة من سؤال بسيط:

ماذا لو أصبح كل محفوظ أصيل فرصة إبداعية تنتظر أن تُستدعى؟

عزان بن خميس الصبحي باحث في الاقتصاد الإبداعي