دعوا الصحافة تدخل غزة
منذ ما يقارب ثلاثة أعوام يكتب صحفيو غزة ويرسلون صورهم وتقاريرهم إلى العالم من داخل واحدة من أكثر الحروب قسوة على الصحافة في التاريخ الحديث. عاشوا القصف والنزوح والجوع وفقدان الأهل والبيوت فيما قتل أكثر من مائتي صحفي وعامل في الإعلام وفق توثيق لجنة حماية الصحفيين. وفي الجهة الأخرى من الحدود بقي صحفيو العالم ينتظرون الإذن بالدخول، وحتى اليوم ما تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي تمنع الصحافة الدولية من الوصول المستقل إلى القطاع، وتسمح أحيانا بزيارات محدودة تجري ضمن ترتيبات جيش الاحتلال.
في أبريل الماضي وجّه رؤساء ومحررو أكثر من عشرين مؤسسة إعلامية عالمية نداء واضحا إلى إسرائيل: «دعونا ندخل غزة»، وكثير من صحف العالم تعيد الطلب نفسه. وما تطلبه هذه المؤسسات هو أن يُسمح لصحفييها بالذهاب إلى المكان ورؤية ما جرى ويجري، وطرح الأسئلة ومراجعة الروايات، وهذا في صميم عمل الصحافة.
لقد أدى الصحفيون الفلسطينيون واجبهم في ظروف يصعب تخيلها وحملوا إلى العالم قدرا هائلا من الحقيقة، وسيكون من الظلم أن يُفهم مطلب دخول الصحافة الدولية على أنه بحث عن شاهد أكثر صدقية منهم. المسألة تتعلق بتوسيع دائرة الشهادة، وإعطاء الصحافة التي خاطبت جمهور العالم طوال هذه الحرب القدرة على أن تختبر بنفسها ما قيل وما صُوّر وما جرى على الأرض.
ذلك مهم أكثر اليوم بعدما تحولت غزة إلى مكان يحمل آثار حرب طويلة، ويعيش في الوقت نفسه أزمة إنسانية ممتدة. ما زال الناس يقتلون رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وما تزال المستشفيات تعاني نقص الأدوية والمعدات فيما يعيش معظم السكان في أوضاع سكن قاسية، وتظل مستويات انعدام الأمن الغذائي مرتفعة وهشة. هذه الحقائق تظهر في تقارير الأمم المتحدة، لكن التقرير الإنساني مهما بلغت دقته لا يستطيع أن يحل محل الصحفي الذي يدخل المستشفى ويسير بين حطام المنازل، ويسمع من العائلات نفسها قصص البيوت التي كانت هنا والحياة التي اختفت معها، ويسأل الطبيب والمريض والمسؤول والنازح.
تقول دولة الاحتلال: إن القيود ترتبط باعتبارات أمنية وحماية القوات والصحفيين. كانت هذه الحجة موضع نقاش حتى في ذروة القتال، وأصبحت اليوم أشد صعوبة في الدفاع عنها؛ فقد عملت الصحافة في أفغانستان والعراق وسوريا وأوكرانيا، وتعرف مؤسساتها مخاطر إرسال مراسليها إلى مناطق الحرب. وهي التي تقدر هذه المخاطر وتقرر كيف تديرها. أما أن يتحول الخوف على الصحفي إلى سبب لمنعه من ممارسة الصحافة فذلك يضع الحقيقة نفسها تحت الوصاية.
ولإسرائيل مصلحة في فتح غزة أمام الصحفيين إذا كانت تريد لروايتها أن تخضع للفحص المهني؛ فالمراسل المستقل سيدقق في الادعاءات الفلسطينية كما سيدقق في الادعاءات الإسرائيلية، وسيبحث في دور حماس وسلوكها كما سيبحث في نتائج العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهذه هي وظيفة الصحافة.
ومع مرور الوقت يصبح الأمر متعلقا كذلك بذاكرة هذه الحرب. هناك مدن دمرت وأحياء اختفت وعائلات فقدت أجيالا كاملة ومستشفيات ومدارس ومخيمات تغيرت إلى الأبد. سيأتي وقت تُكتب فيه قصة ما جرى، وسيختلف الناس حول المسؤوليات والقرارات والأرقام، ومن واجب الصحافة أن تصل الآن قبل أن تضيع الأدلة، وتتغير الأمكنة، وتتآكل الذاكرة، ويرحل بعض شهودها.
بعد كل ما حدث في غزة يملك العالم حقا في أن يرى بنفسه، ويملك أهل غزة حقا في أن يصل شهود العالم إليهم. افتحوا الأبواب للصحفيين واتركوهم يمشون في الشوارع، ويسألون الناس، ويفحصون الوقائع. لقد طال الوقت الذي رأى فيه العالم غزة من وراء بوابة مغلقة، وحان الوقت لأن يدخل الصحفيون، ويكتبوا ما يجدونه هناك.
