الجامعة وبداية المشروع الكبير
19 أغسطس 2026
19 أغسطس 2026
وصلت إلى هواتف 33,031 طالبا وطالبة أمس رسالة قصيرة تحمل عرضا دراسيا في إحدى مؤسسات التعليم العالي داخل سلطنة عُمان أو خارجها. وفي بيوت كثيرة، كانت الرسالة التي أرسلها مركز القبول الموحد خاتمة أعوام من الدراسة والانتظار والقلق، وبداية طريق جديد يراه الطالب في تخصص جاء ضمن اختياراته، وترى فيه أسرته صورة أولى لمستقبله.
غير أن المعنى الأوسع لهذا الرقم يتجاوز لحظة القبول وفرحتها، فنحن أمام أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف مشروع شخصي يمكن أن يتحول، خلال سنوات قليلة، إلى طاقة وطنية كبيرة في العلم والعمل والبحث والابتكار. ويحمل كل مقعد فرصة لتنمية عقل شاب وتوسيع أفقه، ويحمل كل طالب إمكانية أن يضيف شيئا إلى وطنه وإلى المعرفة التي تتقدم بها حياة البشر.
يدخل هؤلاء الطلبة مؤسساتهم التعليمية في وقت تتغير فيه علاقة الإنسان بالمعرفة التي أصبحت إجاباتها جاهزة ومتاحة خلال ثوانٍ، وتضاعفت قدرة الآلات على معالجة المعلومات وتحليلها. وفي المقابل، ارتفعت قيمة السؤال الجيد والعقل القادر على التحقق والربط والاستنتاج، والإنسان الذي يستخدم التقنية بوعي ويحكم على نتائجها بمسؤولية. كما تتقاطع التخصصات على نحو متسارع، فالطب يلتقي بالذكاء الاصطناعي، والهندسة بالبيئة، والاقتصاد بعلم البيانات، والعلوم الإنسانية بالأسئلة الأخلاقية التي تثيرها التحولات التقنية.
وتبدأ قيمة المقعد الجامعي من الطريقة التي ينظر بها الطالب إليه، ومن قدرته على تحويل سنوات الدراسة إلى مشروع لبناء ذاته معرفيا وعلميا. وهذا يقتضي أن يواصل تعلمه، ويقرأ خارج المقرر، ويجرب ويسأل، ويكتسب لغة جديدة أو أداة بحثية، ويكوّن رأيه على أساس من المعرفة. تمنحه الجامعة الأدوات والبيئة والوقت، ويمنحها هو فضوله وجهده وانضباطه، ومن هذه العلاقة تتشكل التجربة الجامعية الحقيقية.
ومن الطبيعي أن يدخل الطالب الجامعة بأسئلة ناقصة وصورة غير مكتملة عن مستقبله. وظيفة السنوات التالية أن تمنحه فرصة اكتشاف قدراته وتعديل اختياراته وأن تعلمه أن المعرفة رحلة مفتوحة وأن التخصص نافذة يبدأ منها النظر إلى العالم وتتصل ببقية حقوله.
ثم تتسع الدائرة من المشروع الشخصي إلى المشروع الوطني. أمام عُمان أسئلة كبرى في المياه والطاقة والصحة والتعليم والبيئة والغذاء والتقنية والاقتصاد والثقافة. ويستطيع كل تخصص أن يقترب من واحد من هذه الأسئلة. وقد تبدأ المساهمة بمشروع تخرج جاد أو بحث يعالج مشكلة محلية أو تطبيق يحسن خدمة أو فكرة تفتح طريقا جديدا أمام مؤسسة أو مجتمع.
وتتسع الدائرة مرة أخرى لتصل إلى الإنسان أينما كان؛ فالمعرفة الإنسانية تراكم طويل من إضافات متفاوتة الحجم وكثير من الأفكار التي غيرت العالم بدأت بسؤال صغير طرحه طالب أو باحث شاب. وحين يعالج الطالب العُماني مشكلة في إدارة المياه أو الطاقة أو الطب أو اللغة، فإنه يشارك في سؤال إنساني يتجاوز الحدود؛ لأن المجتمعات، على اختلاف ظروفها، تتقاسم حاجتها إلى حياة أفضل.
وتشارك مؤسسات التعليم العالي الطلبة هذه المسؤولية. حيث يحتاج هذا الجيل إلى أساتذة يشجعون السؤال، ومختبرات تتيح التجربة ومكتبات حية ومساحات للحوار وفرص للبحث والعمل بين التخصصات. وتحتاج أفكار الطلبة إلى من يصغي إليها ويوجهها ويفتح أمامها طريقا يصلها بحاجات المجتمع وتحولات العالم.
بعد أعوام، سيغادر هؤلاء الطلبة مؤسساتهم التعليمية، وسيكون السؤال الأهم آنذاك: ما الذي أضافته سنوات الدراسة إلى عقولهم وما الذي أصبحوا قادرين على إضافته إلى عُمان والعالم؟ يبدأ الجواب اليوم، حين يرى كل واحد منهم أن رسالة القبول كانت بداية مشروعه الكبير.
