بين سلطة الدولار وسلطة المضيق
24 أغسطس 2026
24 أغسطس 2026
في يوم واحد، وضعت واشنطن دول العالم أمام بوابة الدولار، ووضعت طهران ناقلات النفط أمام بوابة المضيق. تستعد الولايات المتحدة لتوسيع العقوبات الثانوية بحيث تواجه الدول والشركات خيارا بين التعامل مع إيران والوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار. وفي المقابل، أدرجت إيران 45 ناقلة على قائمة تهدد أصحابها بالغرامة أو الاحتجاز أو مصادرة الحمولة، ومدت دائرة العقاب إلى السفن التي تتعامل معها.
تكشف الخطوتان تحولا بالغ الخطورة في مسار الحرب، فبعد نحو ستة أشهر من حرب بدأت بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ثم امتدت بضربات طهران وتعطيل الملاحة، أخذت المعركة تنتقل إلى البنوك والموانئ وشركات التأمين وعقود الشحن. وباتت المعاملة التجارية تحمل معنى سياسيا، وقد تصبح سببا للعقوبة من هذه الجهة أو تلك. والنتيجة هي تضييق المساحة المتاحة للدول التي لم تشارك في إشعال الحرب، لكنها تحملت أعباءها منذ يومها الأول.
تقول واشنطن إن تشديد الضغط الاقتصادي قد يقلل الحاجة إلى عمليات عسكرية جديدة ويدفع إيران إلى اتفاق، غير أن العقوبات المفتوحة، حين تنفصل عن مسار تفاوضي واضح، تمنح طهران سببا إضافيا لتوسيع دائرة الرد، وقد أعلنت القيادة الإيرانية أن تعاون دول المنطقة مع الحملة الأمريكية سيُعامل باعتباره عملا عدائيا. عند هذه النقطة تصبح المنشآت الاقتصادية الخليجية رهائن في مواجهة تدور بين قوتين، وتفقد العقوبات صفتها بوصفها بديلا من الحرب لتصبح طريقا آخر إليها.
يحمل المسار الجديد الذي ذهبت إليه المواجهة بين أمريكا وإيران سلطنة عُمان مسؤولية مضاعفة، فالجغرافيا تضعها على المضيق، ومصالحها ترتبط بحرية الملاحة، وسياستها الخارجية تقوم على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. وتأتي زيارة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي إلى طهران في لحظة تتراجع فيها فرص التسوية تحت ضغط الإنذارات المتبادلة. تتمسك سلطنة عُمان بمرجعية القانون الدولي التي تضمن حق المرور عبر مضيق هرمز وتحول دون إخضاع الملاحة للتمييز أو الانتقام السياسي. كما تقتضي حماية المنطقة ربط الضغط الاقتصادي بهدف تفاوضي محدد، ووضع ضمانات تصون تجارتها المدنية وسلاسل إمدادها، وتحول دون معاقبة الدول غير المحاربة على احتفاظها بقنوات يحتاج إليها الوسيط.
تحتاج المنطقة إلى مساحة تستطيع فيها الدول أن ترفض الحرب من دون أن تُصنف في معسكر الخصم. ومن دون هذه المساحة يتحول الوسيط إلى متهم فتقطع قنوات التواصل والحوار في منطقة هي في أمس الحاجة إلى الحوار. وحماية هذا الحق مصلحة خليجية وإقليمية، وهي أيضا شرط عملي لأي تسوية. فالحرب التي تصادر الحياد تصادر معها الطريق الذي يمكن أن يقود إلى نهايتها.
