فيلم «واشنطن شابًّا»: فصول من حياة أول رئيس للولايات المتحدة
ما تزال السير الذاتية من بين الأنواع الفيلمية التي تجد لها اهتمامًا وترويجًا وجاذبية لغرض نقلها إلى الشاشات بما فيها من حقائق ووقائع تاريخية، ومن عودة إلى الجذور والبدايات، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات تركت بصماتها في المسارات التي سارت عليها وبرزت فيها، سواء أكانت شخصيات سياسية أو علمية أو فنية أو غيرها.
من هنا يمكننا النظر إلى سير رؤساء الولايات المتحدة التي توالى ظهورها على الشاشات، وآخر هذه السير تتمثل في هذا الفيلم للمخرج جون إيروين، فهو يتصدى لسيرة جورج واشنطن، وهو أول رئيس للولايات المتحدة، حيث تولى الرئاسة من سنة 1789 إلى 1797.
هذه السيرة التي يبدو أنها صُممت لكي يلحقها جزء آخر، قدمت أحداثًا امتدت لساعتين من الزمن ورافقت مراحل طفولة ومراهقة وشباب واشنطن، والفيلم جاء بالتزامن مع احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 على تأسيسها، وكان من الملفت للنظر أن مؤسسة أنجل الدينية المحافظة هي التي أنتجت الفيلم وروجت له، وليس واحدة من الشركات السينمائية الكبرى.
جورج واشنطن طفلًا، كما في أحداث الفيلم، ينشأ يتيم الأب، ولديه أخ غير شقيق يعمل مفتشًا عسكريًا، وهو ما يشجعه للانخراط في نفس الميدان، لكن بداياته المتعثرة ربما كانت سببًا في توجهه إلى مجال يثبت فيه نفسه، كالتطوع في الشرطة أو الحرس أو ما شابه ذلك. إنه حُرم من التعليم وبقي كذلك حتى التحق متطوعًا وبديلًا لشقيقه الضابط الذي مات بمرض السل.
يلعب الممثل ويليام فرانكلين ميللر هذا الدور، ويجسد طموحات واشنطن العسكرية المحافظة، وهو يجد أن أجزاء من أمريكا تديرها بريطانيا العظمى من خلال الحاكم العسكري روبرت دينويدي -يقوم بالدور الممثل بن كينغسلي- الذي يفاجأ بمعلومات الشاب واشنطن بأن أرضًا أمريكية تحتلها قوات فرنسية بالتعاون مع الهنود الحمر، وهكذا سوف يبرز واشنطن عضلاته وقدراته العسكرية لمواجهة جنرالات فرنسيين محنكين، لتنتهي المعركة بهزيمة مريرة بحق واشنطن ومن معه من متطوعين ومرتزقة.
هذه الواقعية في إبراز شخصية واشنطن المهزوم بدت أكثر مصداقية في التعبير عن الأحداث التالية، إذ يعمد المخرج إلى نوع من السرد قائم على الموازنة بين الحفاظ على الوقائع بمصداقيتها التاريخية، في موازاة إبراز العناصر الجمالية لفيلم سيرة ذاتية قائم على المواجهات الحربية المستمرة على نطاق مساحة واسعة من الفيلم.
ولعل المضي في هذا البناء السردي هو الذي يقودنا إلى كيفية بناء شخصية البطل التاريخي الذي يراد تمجيده من بين الآباء المؤسسين، فهو عامر قلبه بالإيمان المسيحي، ولهذا ربما كانت له فضائل، فالرصاصات التي أُطلقت عليه لم تصبه مباشرة، ثم كان الإسراف في ذلك من خلال مشاهد تبرز الشجاعة المتناهية، بل قل الخارقة، في أثناء المعركة الثانية مع الفرنسيين، وهو يمتطي حصانه والقنابل والرصاص ينهمران من حوله دون أن يصيباه بخدش بسيط، بينما يحصدان أرواح المئات ممن هم من حوله.
هذا النوع من الترويج المبالغ فيه في الصورة الفيلمية لا يقلل من شأن البناء الفني والجمالي للفيلم، حيث برع مدير التصوير كريستوفر كيملين في بناء نسق فني وتعبيري فيه غزارة في المعاني والدلالات، فضلًا عن تفننه في اللقطات العامة ومشاهد الحركة والقتال الدامي ومشاهد المعارك الشرسة التي كثرت في الفيلم.
ومع طابع التهليل لواشنطن وتمجيده كأول رئيس للولايات المتحدة، إلا أن هنالك معطيات في السرد الفيلمي والحلول الإخراجية وحتى في السيناريو اهتم بالتركيز عليها عدد من النقاد، ومن ذلك ما كتبه الناقد مات زوللر في موقع روجر إيبرت، إذ يقول: «لم يكن هذا الفيلم استثنائيًا مبهرًا، فهو فيلم سيرة ذاتية سهل المتابعة، يتناول مرحلة نضج شخصية ساهمت في تشكيل صورة الأمة الأمريكية.
هذا الفيلم لا يحاول اختلاق أعذار لآراء وممارسات تُعتبر اليوم غير مقبولة. هو يصور رغبة الأوروبيين العارمة في التوجه غربًا واستيطان أراضٍ لا أحد يدافع عنها، لكنها مأهولة بالسكان الأصليين، دون أن يطلق حكمًا نقديًا حول ما إذا كان ذلك طموحًا مشروعًا لجورج واشنطن أو لغيره.
كما يصور الفيلم النظام الطبقي الراسخ في تلك الحقبة ومظاهر كراهية النساء، دون أن ينتقدها أحد. ومن جهة أخرى، فقد عمل السيناريو على تهذيب بعض الجوانب القاسية للواقع — إذ لا نرى أبدًا أولئك العبيد المضطهدين في نظام الرق الذي كان سائدًا في تلك الحقبة».
أما الناقدة كاتي والش، فقد كتبت في صحيفة لوس أنجلوس تايمز: «النتيجة النهائية لهذا الفيلم أنه لا يرقى لمستوى الملحمة السينمائية المبهرة أو الأعمال التلفزيونية التي لا تُفوَّت. بل يبدو الفيلم أقرب إلى المواد التعليمية التي تُعرض عبر أجهزة العرض في فصول الدراسات الاجتماعية بالمدارس الإعدادية. لكن الخبر السار هو أنه لن يكون هناك اختبار في نهاية العرض.
ولسوء الحظ، لا ينتج عن ذلك كله شخصية تتسم بأي قدر من التعقيد أو الإثارة للاهتمام. فالسيناريو حوّل شخصية واشنطن إلى بطل نمطي ومسطح للغاية، بينما الجمهور يستحق قصصًا أفضل وأكثر عمقًا وتفصيلًا حول هذا البلد والقيم التي تأسس عليها.
الخلاصة أن هذا الفيلم هو بمثابة دعاية ترويجية في قالب درس تاريخي مغلف بأسلوب أفلام الصيف الضخمة (blockbusters). ربما سيعالجون هذه النقطة في الجزء الثاني الحتمي».
من جهة أخرى، حاول المخرج وفريقه أن يوجدوا نوعًا من التوازن ما بين كون الفيلم يجسد قصة عن مرحلة النضج والتحول إلى الرجولة بالنسبة لواشنطن، وبين تقديم نوع من الدراما التاريخية وخوض فيلم الحركة، ولكن في نطاق حربي وعسكري، ابتداءً من انضمام واشنطن إلى الجيش البريطاني وهو في سن الثالثة والعشرين بواسطة حاكم فرجينيا المتعاطف مع طموحه، وصولًا إلى اقتفاء أثر شقيقه في التسلل إلى حياة الذوات من علية المجتمع والطبقة الأرستقراطية فيه، مما أضاء جانبًا من الحرمان العاطفي والوجداني وضآلة المكانة الاجتماعية التي رافقت نشأة واشنطن، ولهذا زاد طموحه لتجاوز كل تلك التعقيدات بانخراطه في الجيش البريطاني.
خلال ذلك، يلامس الفيلم ملامسة عابرة ظواهر اجتماعية بالغة الأهمية والتأثير في التاريخ الأمريكي، ومن أبرزها قضية سكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر الذين ارتُكبت في حقهم مجازر كارثية، تكملها حياة العبودية واضطهاد السود التي سادت قرونًا، ومثال ذلك اضطرار الهنود الحمر للتحالف مع الفرنسيين في ولاية أوهايو، حيث تدور أحداث الفيلم في الفترة ما بين عامي 1753 و1755، وهنا يضطر الهنود الحمر، ومن أجل المحافظة على وجودهم، إلى درجة خوضهم حربًا ضد الجيش البريطاني، وبمن فيه من مرتزقة المدن والولايات الذين انخرطوا في صراع عنصري ضد السود والهنود الحمر وضد الوجود الفرنسي. الفيلم يطرح أسئلة لا تعفي من الإجابة عليها كونه يقدم جانبًا من سيرة أول رئيس للولايات المتحدة.
...............
إخراج: جون إيروين
سيناريو: جورج إيروين، توم بروفوست وديدريك هوغستراتن
تمثيل: وليام فرانكلين ميللر، ماري لويز باركر، كيسي غرامر، أندي سركيس.
مدير التصوير: كريستوفر كيملين
موسيقى: كيفن كينر، شين كينر، دين كينر
توزيع: أنجل ستوديو
الطول: 120 دقيقة
الميزانية: 20 مليون دولار
بوكس أوفيس: 47 مليونًا
