الفنان زكريا الزدجالي: أؤمن بأن الدراما العمانية تستحق أن تظهر وأن الفنان يجب أن يحمل رسالة
من الصيدلة إلى خشبة المسرح، ومن التمثيل إلى الإنتاج والكتابة، حمل معه قناعة ثابتة بأن الفنان ليس مجرد مؤد لدور. فهو صاحب وعي ورسالة، وأن الدراما العمانية تستحق أن تجد مكانها كفن وصناعة ورافد للهوية.
أربعة عقود قضاها بين الفن والكتابة والإنتاج والإخراج. فخلف الممثل يقف كاتب لا يستطيع أن يصمت، بإيمانه أن الدراما رسالة وصناعة وهوية.
في هذا الحوار نقترب من زكريا الزدجالي بعيدا عن الشخصيات التي جسدها، لنكتشف الإنسان الذي يكتب، والفنان الذي يؤمن، والمثقف الذي يراقب، والمنتج الذي يحاول أن يصنع مساحة للدراما العمانية.
-من هو زكريا الذي يظهر في كتاباتك ولا يظهر بالضرورة في الأدوار التي تؤديها؟
زكريا الذي يظهر في كتاباتي هو الإنسان العماني العادي، المواطن الذي يكتب ويعبر عن رأيه بصراحة. أما الشخصيات التي أؤديها فهي مختلفة؛ لكل دور تفاصيله ورؤيته، وقد تكون الشخصية متناقضة تماما مع زكريا الحقيقي. لذلك أكتب وفق ما أراه وأؤمن به، وأعبر عن رؤيتي الشخصية، بعيدا عن الشخصيات التي أجسدها.
-تكتب عن الفن والمجتمع والإنسان والتنمية والرياضة وتجاربك الشخصية. ما الذي يدفعك إلى الكتابة؟
علاقتي بالكتابة بدأت من القراءة منذ الطفولة. كنت أقرأ مجلة ماجد كاملة، وأحب الكلمات المتقاطعة، ثم اتسعت قراءاتي لتشمل الروايات والقصص وكتب التنمية وغيرها، وكنت أقرأ الجريدة من الغلاف إلى الغلاف. القراءة جعلتني أرى نماذج لحياة وأفكار يفترض أن تكون موجودة حولنا، ثم أكتشف أنها لم تتطور أو تطبق بالشكل المطلوب. ما يستفزني هو إدراكنا أننا متأخرون في مجالات كثيرة، ونرتكب أخطاء واضحة، ومع ذلك لا نعالجها بجدية أو نفكر بما يكفي في تطويرها.
-قلت إن بعض كتاباتك جعلت صورتك لدى المتابعين أكثر سوداوية، وإنك حاولت تخفيف ذلك. هل أصبح الكاتب في داخلك أكثر تصالحا مع ما يكتب؟
الكتابة تعكس جانبا من شخصية الإنسان، لكن لا تعني بالضرورة أنه يعيش بالطريقة التي يكتب بها. أنا في حياتي شخص هادئ ومريح، لكنني عندما أتناول قضايا المجتمع ألجأ أحيانا إلى الكوميديا الساخرة أو السوداء. لاحظت أن بعض المتابعين بدأوا يرونني سوداويا وغير متفائل، كما لاحظت تراجع التفاعل مع بعض الموضوعات، ربما بسبب سوداويتها أو خوف البعض من التفاعل مع قضايا يعتبرونها حساسة. لذلك حاولت أن أوازن كتاباتي وأخفف من هذه الصورة. معظم ما كان في داخلي خرج بالفعل عبر الكتابة، لكنني ما زلت أكتب وأحاول أن أبقى في منطقة رمادية، لا في السواد المطلق.
-عشت شخصيات كثيرة كممثل. أين ينتهي الدور ويبدأ زكريا الحقيقي؟ وهل تستطيع العودة إلى نفسك بعد انتهاء الشخصية؟
الإنسان يعيش أحيانا بشخصية صنعتها التربية والعادات والتقاليد والدين والنشأة والمحيط، حتى تصبح شخصيته الحقيقية غامضة. والممثل أيضا قد يتأثر بالشخصية التي يؤديها عندما ينصهر فيها. لكنني لم أنصهر في شخصية القافر على سبيل المثال، فقد تلقيت الاتصال قبل التصوير بيوم تقريبا، ولم يكن لدي وقت كاف للتعمق في الشخصية، كما أن التصوير كان سريعا. والحمد لله أنني لم أتورط في الانصهار في هذه الشخصية الشريرة التي لم أحبها أصلا، والتي جعلت بعض الناس لا يحبونني بسببها.
-ترى أن الفنان يجب أن يكون قارئا ومطلعا وحاملا لرسالة وسفيرا لبلده. هل يؤدي الفنان العماني هذه المسؤولية بالقدر الكافي؟
لا أعتقد أن الفنان العماني يؤدي هذه المسؤولية بالقدر الكافي. صحيح أنه سفير لبلده بأخلاقه وعمانيته، لكن الفنان يجب أيضا أن يكون قارئا ومطلعا على التاريخ والسياسة والرموز والإسقاطات؛ فالثقافة والتنمية الذاتية تضيف إلى تجربته وأدائه.
ومع ذلك، لا ألوم الفنانين كثيرا؛ لأن البيئة نفسها لا تمنحهم فرصا كافية للاستمرار. الفنان العماني قد ينتظر ستة أو سبعة أو ثمانية أعوام حتى يحصل على دور، فلماذا يطلب منه أن يظل في حالة تطوير مستمرة؟ تطوير الذات يحتاج إلى قراءة وورش وتجارب وعزلة أحيانا، بينما لا يحظى الفنان حتى بمقابلات إعلامية منتظمة. وهذا الحوار مثلا، هي أول مقابلة أجريها منذ القافر.
وقدمت في القافر أداء وتعرضت لإصابة، وكان من الطبيعي أن تكون هناك مساحة للحديث عن التجربة وتقديرها مهنيا وإنسانيا. وأشكر الشركات والمؤسسات التي بادرت إلى دعوة فريق العمل وتكريمه.
-ما المشكلة الجوهرية التي عطلت بناء صناعة درامية عمانية حقيقية؟
الأعمال الفنية يمكن أن تكون رافدا اقتصاديا، ولها دور في ترسيخ الهوية العمانية. القافر نموذج واضح؛ فقد قدم عمان بتاريخها وحضارتها واللبان والنحاس والسفن والتجارة، وأظهر ثراءها وتأثيرها في الجمهور.
لكننا نحتاج إلى تخطيط واستمرارية. لدينا استوديوهات مفتوحة، وكان يفترض أن نستثمر فيها بإنتاج مستمر، حتى لو كانت الدراما مكلفة. الإنفاق المستمر سيصنع نجوما وكتابا ومخرجين وفنيين، لأن الخبرة تكتسب بالممارسة. أما إنتاج عمل كل سنتين أو ثلاث سنوات فلن يصنع صناعة محترفة ومستدامة.
-لو وضعت خريطة طريق للدراما العمانية، فما أول ثلاثة مسارات ستضعها؟
أولا: إنشاء مركز مختص بالدراما وصناعة السينما العمانية. ثانيا: تخصيص ميزانية لهذا المركز تمكنه من أداء دوره. ثالثا: ابتعاث العمانيين لدراسة التخصصات الفنية التي لا تتوافر لدينا بصورة كافية.
لدينا نقص واضح في بعض التخصصات، فعدد المخرجين السينمائيين في عمان بحسب تقديري، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، والإخراج السينمائي يختلف عن المسرحي. والمسرح لدينا يحظى بمؤسسات واهتمام مهم، لكن الدراما والسينما والتلفزيون أوسع انتشارا وأسرع وصولا إلى الجمهور. وهذه ليست خريطة طريق كاملة، وإنما ثلاثة مسارات أساسية يمكن البناء عليها.
-كنت عضوا في لجان تحكيم، وتختلف أحيانا مع آراء الآخرين. ما الذي يجعلك تثق بحكمك على النص، وكيف تفصل بين النقد والذائقة الشخصية؟
الذائقة الشخصية تؤثر في النقد، ولا يمكن إنكار ذلك، لكن النص الدرامي يجب أن يقوم على مقومات حقيقية. لا يكفي أن يتناول الهوية أو التاريخ حتى نعجب به؛ لا بد أن تكون الحبكة والبناء والمفاجآت الدرامية سليمة.
أختلف مع مختصين كثيرين، لكن اختلاف الرؤية لا يعني أن أحدنا لا يملك الدراية. أنا لست متخصصا أكاديميا في الإخراج أو التمثيل، لكنني قارئ جيد جدا، وقراءاتي الكثيرة جعلتني قادرا على اكتشاف جوانب الخلل في النصوص، وقرأت سيناريوهات ممتازة، وأستطيع من وجهة نظري تقديم معالجة درامية لها وتحديد نقاط ضعفها. لذلك أثق بما اكتسبته من القراءة والاطلاع والتجربة.
-هل ما زلت تؤمن بأن الفن قادر على الوصول إلى مراكز القرار وتغيير الواقع؟
نعم. المؤسسات اليوم تتابع وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تريد أن تظهر عنها صورة سلبية، ولذلك تصل المواد المرئية والمطبوعة إلى الجهات المعنية. بل إن المحتوى المرئي غير الخاضع للتلميع الإعلامي قد يكون أكثر تأثيرا؛ لأن الشخص يطرح تجربته بصورة مباشرة، وقد يتحدث وهو غاضب أو متأثر أو حتى يبكي.
أما "السنابة" فقد أصبحت تختصر ما تقدمه الدراما والسينما، وتوصل القضية بسرعة ومباشرة، وقد تكون أكثر مصداقية أحيانا لأن صاحبها يعيش القضية بنفسه. ولهذا أصبحت هناك لقاءات مع مشاهير التواصل الاجتماعي والتعامل معهم أحيانا بوصفهم إعلاميين، لتوعيتهم بمسؤولية ما يطرحونه وتأثيره في الرأي العام. نعم، المرئيات اليوم قادرة على إيصال القضايا إلى مراكز القرار.
-درست الصيدلة وعشت الفن والإنتاج. ماذا أخذت من كل مجال؟
كان هناك تخبط داخلي بين الصيدلة والفن، لكنني استطعت أن أوظف الصيدلة في أعمال فنية وتلفزيونية، منها سكتشات ومسرحيات صحية هادفة. الصيدلة مصدر رزقي، أما الفن فهو الهواية التي لم أستطع التخلي عنها.
ومع التقدم في العمر وزيادة مسؤولياتي ونضجي الفني أصبحت أكثر انتقائية. رفضت أعمالا كثيرة لأنها لم تضف إلى تجربتي أو لم تكن مناسبة لظروفي. ولا أعرف كيف سيكون الأمر بعد التقاعد، لكنني أتمسك بمبادئي وأتمنى ألا تتغير.
-ماذا كشفت لك إصابتك أثناء تصوير القافر عن علاقتك بالمهنة؟
كان يتبقى لي نحو أربعة عشر أو خمسة عشر مشهدا قبل رمضان، وسقطت عن الحصان رغم أنني كنت قد أجريت عملية في الرباط الصليبي وطلبت وسيلة تساعدني على الركوب، لكنها لم تعتمد بحجة أن أحداث العمل تدور في زمن لم تكن فيه هذه الوسائل موجودة. وكانت الخيول المستخدمة خيول سباق وقفز، بينما كانت خبرتي في ركوب الخيل محدودة.
سبق أن سقطت أثناء تصوير الشاعر ديوان العرب دون كسر، لكن في القافر انكسر كتفي، وما زلت أعاني من تيبس فيه. كان هناك اهتمام إنساني من المسؤولين، وأقدر تواصلهم بالاتصال والسؤال عن صحتي. بعد أن أكد الأطباء أنني لا أحتاج إلى عملية وأنني بحاجة إلى راحة ستة أشهر، فكرت في المشاهد المتبقية، كانت أساسية ومحورية، وغيابي كان سيؤثر في العمل. لذلك واصلت رغم الإصابة، وصورت في يوم واحد نحو اثني عشر أو أربعة عشر مشهدا. كنت أتمنى تقدير هذه التضحية. أنا أؤمن بأن الفنان عندما يخوض تجربة يجب أن يخلص لها حتى النهاية، وأكثر ما أسعدني أن المشاهد لم يلاحظ إصابتي أثناء العرض.
-هل الكاتب الحقيقي هو من يحول تجربته الخاصة إلى سؤال يخص الآخرين؟
نعم. أنا أعتقد أنني محلل جيد، وأحاول ألا أنظر إلى القضية من زاوية واحدة، بل أبحث في أبعادها النفسية والإنسانية والاجتماعية. تجربتي الخاصة تثير أسئلة يمكن أن تخص الآخرين، ولذلك أحاول تحويلها إلى مساحة للتفكير لا إلى حكم شخصي.
وفي بعض الأحيان أضطر إلى استخدام التلميح، لكنني أحرص على التوازن وألا أحول القضايا إلى خصومات شخصية. هذه، في رأيي، إحدى نقاط القوة في أسلوبي.
-هل أنقذتك وسائل التواصل بوصفك كاتبا، أم أنها منحتك مجرد مساحة للكتابة؟
كتابة السيناريو تستنزف وقتا وجهدا كبيرين، وتتطلب عزلة طويلة. وفي عمان يطلب من المؤلف عادة كتابة الحلقات الثلاثين كاملة قبل وجود ضمان بأن العمل سوف يتم إنتاجه مقابل تجارب أخرى تكتفي أحيانا بتقديم حلقة أو حلقتين وفكرة العمل ومسار الأحداث ونهايته.
المشكلة الأكبر أن سوق الدراما العمانية محدود جدا، ويتمثل أساسا في تلفزيون سلطنة عمان، مع وجود فرص محدودة في قنوات أخرى. لذلك لا توجد ضمانات حقيقية للمؤلف أو المنتج. وقد أستطيع توسيع السوق بتغيير اللهجة والملابس وجعل الهوية خليجية عامة، لكنني أرفض ذلك؛ فقد أسست شركتي لإبراز الهوية العمانية. أنا مؤمن بأن لدينا مواهب وخامات استثنائية.
-هل يفقد الفنان جزءا من دوره إذا اختار الصمت تجاه قضايا مجتمعه؟
إذا لم يحمل الفنان رسالة، فأين دوره؟ الفنان شخص مؤثر، ومن حقه أن تكون له كلمة ورأي. لكن بعض الفنانين يخشون الحديث خوفا من الاستبعاد أو وضعهم في قوائم سوداء، وقد تساعدني الكوميديا الساخرة أحيانا على تجاوز هذه المساحة.
ونجد قضية شائعة يعاني منها كل الفنانين في كل مكان وهي "الشخصنة". فمن غير المقبول أن يستبعد فنان بسبب آرائه أو طباعه أو مواقفه الشخصية. المعيار يجب أن يكون الكفاءة. إذا كان ممثلا موهوبا، فلماذا لا يستعان به؟
-بعد أكثر من أربعة عقود في الفن والكتابة والإنتاج والإخراج، إلى جانب الصيدلة، كيف تعرف زكريا الزدجالي بعيدا عن مهنه؟
زكريا الزدجالي مواطن عماني تربى ونشأ في مسقط بين روي والسيب، ودرس في المدارس الحكومية واختلط بمجموعات مختلفة من الناس. أنا محب لعلم الاجتماع، واجتماعي بطبيعتي، لكنني في الوقت نفسه صامت ومستمع جيد أكثر من كوني متحدثا. أحب أن أعطي الآخرين فرصة الحديث، وأنا قارئ ومطلع وأحاول مواكبة الأحداث.
أخطط جيدا وأنفذ جيدا، لكن بين التخطيط والتنفيذ أحيانا فجوة كبيرة، وهي مشكلة موجودة عند كثير من الناس. لدي مشاريع كثيرة، فالدراما هي المجال الذي يستهويني وهي رسالتي، لكنها تحتاج إلى أموال كبيرة، ولا أستطيع إنفاق مالي في مشروع لا أضمن استرداد تكلفته. لا أبحث بالضرورة عن الربح، وإنما عن ضمان ألا أخسر كل ما أنفقته.
هذا هو زكريا: إنسان لديه مشاريع وأفكار، يحب الدراما ويؤمن بها، ويتمسك بمبادئه، ويحاول أن يترك أثرا من خلال ما يكتب وما يقدم.
-كتبت في أحد نصوصك: أنا أكتب هذه الأعمال لمن؟ ثم عدت إلى الكتابة لأنك قلت: على الأقل هنا سيقرأ إنسان واحد شيئا من كتاباتي. بعد كل هذه السنوات، هل ما زلت تبحث عن ذلك القارئ الواحد الذي يفهمك؟
أستطيع أن أصمت، لكن إذا صمتُّ أموت. أنا لا أستطيع أن أصمت فعلا. كل ما أقوله ينعكس في قلمي. كل ما في صدري ينعكس في الكتابة، والحمد لله، أستطيع أن أكتب بتوازن. وسأستمر في الكتابة، وسأحاول أن أكون إيجابيا، وأن أبتعد عن السوداوية القاتمة، لكن في الوقت نفسه يجب أن أوصل رسالتي. سأظل أكتب، لكنني سأحاول قدر الإمكان ألا أخسر القراء من حولي، وأن أجد التوازن بين إيصال الرسالة والمحافظة على مساحة التواصل مع القارئ.
