معضلة "الحداثة".. وإشكال الـ"ما بعد"
(1)
كتاب «من ما بعد الحداثة إلى ما بعد بعد الحداثة» للدكتور سيد فارس، الصادر عن دار الرواق للنشر والتوزيع (يناير 2026) ربما كان من الكتب القليلة جدا باللغة العربية التي استطاعت أن تقدم معالجة بانورامية شاملة واستقصائية لهذه الموضوع "البيني" المتشعب الذي تتداخل فيه علوم عدة ومجالات معرفية مختلفة؛ مثل علوم الاجتماع والثقافة والأنثروبولوجيا والنظرية النقدية الحديثة.. إلخ.
يجسد الكتاب النزعة البينية التكاملية المعاصرة؛ إذ يتماس مع ميادين معرفية متنوعة ماتت حدودها المنيعة الصارمة وانصهرت معا. والكتاب في مجمله دعوة إلى الارتياب في ممارسات إنتاج المعرفة في العلوم الاجتماعية و"الإنسانيات" وأساليبه وتقاليده، والكتابة عن الثقافة والمجتمع. وذلك بعد أن راكمت ما بعد الحداثة، وما بعد-بعد الحداثة، تصورات تستحوذ على ألباب الباحثين المعاصرين، وتنطبع على ممارساتهم البحثية.
يقع الكتاب في 506 صفحات من القطع الأقل من المتوسط؛ ويتناول بعض مظاهر هذه العلاقة الملتبِسة بين الثقافة والمجتمع، تفكك الروابط الأسرية والعائلية، وعدم الاندماج مع المجتمع، راصدا تغيّر ماهية هذا المثقّف وهويّته مع سيادة مقولة "نهاية المثقّف" التي واكبت منظومة المقولات حول "النهايات": "نهاية الأيديولوجيا"، "نهاية التاريخ"، نهاية "القوميات"، نهاية الدولة"... إلخ؛ وذلك كله في سياق ثقافة عالميّة بات يسودها مع نهاية الحداثة خطاب ميتافيزيقي (خطاب التكنولوجيا)؛ فضلاً عن ديكتاتورية السوق التي تختزل العلاقات بين البشر إلى علاقات تجارية، بما في ذلك الثقافة نفسها (التسليع الثقافي)، وما يفضي إليه ذلك من تسليع ثقافي يفتك بالمثقّف وبدوره المتمثّل في صوغ رؤية كلّية تعي التناقض وتطرح البديل المتماسك لحسمه وتجاوزه.
(2)
ينطلق الكتاب من طرح استفهامي حول:
ما المصير الذي صارت إليه "ما بعد الحداثة"؟ هل تلاشت بوصفها "نموذجًا إرشاديا" هيمن على عقود نهاية القرن العشرين، أم اندمجت واندغمت في "نماذج إرشادية" برزت في النظرية المعاصرة في ميادين شتى؟
مبدئيا، يجيب المؤلف: من الخطأ التظاهر بأن ما يربو على عشرين عاما من تاريخ النظرية قد تلاشى، وأن تراث ما بعد الحداثة غير حقيقي.
فثمة تحول وقع مؤخرا في النقاش الأكاديمي المتعلق بموت ما بعد الحداثة. فبدلًا من مواصلة الجدل الخلافي الدائر حول نهاية ما بعد الحداثة، وسؤال وجودها: هل انتهت وتصرمت أعوامها؟ وهل وجِدت من الأساس؟ صرف المفكرون والنقاد أنظارهم إلى مرحلة أعقبت ما بعد الحداثة، عرفت بعصر فقدان السيطرة أو عصر إعادة تشكيل العولمة، وشهدت تحولات نموذجية إرشادية في الذهنية العامة يمثلها في المجتمعات الأوروبية - الغربية المفتوحة تيارا:
«ما بعد-بعد الحداثة» (post-postmodernism)، و«الميتا-حداثة» (Meta- Modernism)
وتعد «ما بعد-بعد الحداثة»، و«الميتا-حداثة» تيارين ثقافيين رئيسين يعكسان الوضع الاجتماعي النفسي في «مجتمعات المخاطر» ما بعد الصناعية.
ويهدف التياران، بحسب مؤلف الكتاب، إلى التوفيق بين المذهب الاسمي «التفكيكي» الذي هيمن على الديمقراطيات الغربية في المجالات التعليمية والفكرية خلال ثلاثين عاما مضت، ومذهب واقعي «تركيبي» قد يحمل في جوانبه «مذاهب جوهرية» جديدة.
تُجدِّد حقبة إعادة تشكيل العولمة جدل العصور الوسطى الخلافي حول مسألة العموميات أو الكليات: أي حول ما إذا كانت هناك عموميات تتوارى خلف الظواهر، وما إذا كانت هذه العموميات «موجودة» بصورة مستقلة عن التصورات المادية أو الجوهرية، وما إذا كان «الجوهر» غير المادي الذي يتصَوَر بوصفه ثابتا وغير قابل للتغير يمكن التوفيق بينه وبين «الصيرورة المادية».
(3)
يصف مارشال بيرمان الحداثة الأوروبية بأنها بدأت من القرن الثامن عشر، ووصلت إلى القرن العشرين، وأصبحت المجلى الثقافي للصعود الأخير لمرحلة "الرأسمالية" التي ارتبطت بالعولمة، واقترنت بما أصبح يسمى بـ«ما بعد الحداثة»، ويصف "الحداثة" بقوله: «هناك طراز من تجربة حيوية يشترك فيها رجال ونساء عبر العالم كله، هي تجربة الذات والآخرين، تجربة إمكانات الحياة ومخاطرها.. ومعنى أن نكون محدثين، هو أن نجد أنفسنا في مناخ يعدنا بالمغامرة والقوة والبهجة والنماء وتغيير أنفسنا في العالم معا. وفي الوقت نفسه نعيش في مناخٍ يهددنا بتدمير كل ما لدينا، وكل ما نحن عليه. إن المناخات الحداثية تختزل كل الحدود الجغرافية والعرقية، وحدود الطبقة والقومية، حدود الدين والأيديولوجيا.
بهذا المعنى، يمكن أن تأتي الحداثة لتجمع البشرية كلها في وحدة. ولكنها وحدة إشكالية، هي وحدة اللا وحدة؛ لأنها تضعنا في معترك من التفكك الدائم والتجدد، من الصراع والتضاد، من الغموض والمعاناة، فأن تكون "حداثيا" هو أن تكون جزءًا من عالم كل ما فيه من صلابة يذوب في الهواء».
أما مفهوم "ما بعد الحداثة" فقد استعمله المنظر والمفكر "باومان" بقصد الإشارة إلى نوع من الوجود أو "رؤية للعالم"، أو نسق اجتماعي متكامل. وتراوحت خبرة تلقي المفكرين لما بعد الحداثة بين القلق والتحول وفقدان الاتجاه؛ إذ يواجه المفكرون اليوم استحالة تقديم حلول أو إجابات موثوقة على تساؤلات تتعلق بالحقيقة المعرفية، والحكم الأخلاقي، والذوق الجمالي، كما يواجهون تآكل مشروعية التقاليد.
ويستعمل مصطلح "ما بعد الحداثة" لوصف رؤية للعالم تتسم بالتعددية، وتلاشي أحلام العمومية الحديثة، وتؤكد على "نسبية المعرفة"، و"وهم الموضوعية". وأخيرًا، يستعمل هذا المصطلح لتعريف نمط شامل للنسق الاجتماعي حل محل المجتمع الرأسمالي الحديث الكلاسيكي، ويحتاج هذا النمط إلى التنظير له في ضوء منطقه الخاص.
ويؤكد مؤلف الكتاب أن "ما بعد الحداثة" صيغة فلسفية وجمالية وثقافية نالت تأثيراتها الغائرة من الثقافة والأدب والفن والعلوم الاجتماعية. وتشير، على نحو غامض وملتبس، إلى عدد هائل من الأساليب الفلسفية والإبستمولوجية والجمالية والثقافية، وأساليب التفكير ورؤى العالم.
كما يشير مفهوم "ما بعد الحداثية" كما يترجم مصطلح (postmodernity) عمومًا إلى حقبة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، يُشار إليها أحيانا بأنها حقبة الرأسمالية المتأخرة، فيها أشَّرت تغيرات جذرية في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة والعمارة والثقافة الشعبية على تحول في المجتمع بعيدا عن الحداثية. وقد وسم بعض المفكرين، من أمثال دانيال بيل Bell، هذه الحقبة بأنها حقبة ما بعد الصناعة.
ويمكن عزو التغيرات الهائلة في طبيعة الاقتصاد (على سبيل المثال، الانتقال إلى الشركات متعددة الجنسيات)، والتحولات في نظم الحكم وإدارة الدولة، والتعديلات في التكنولوجيا ونظم المعلومات، وتطور المجتمع المرتكز على الميديا، والتغيرات في النزعة الاستهلاكية، إلى تحول عصري يصطلح عليه بما بعد الحداثية.
(4)
ويحضر أيضا مفهوم "الحداثة السائلة"، مع مجموعة أخرى من المفاهيم المعرفية والفلسفية التي تشكل ملامح "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" وأزماتها الوجودية والأخلاقية..
ويكشف فحص "الأدبيات" أن التحول الذي بدأ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لم يقتصر على الانتقال من ما بعد الحداثة إلى الميتا-حداثة، ولكن تجسَد في تيارات أخرى برزت في الطريق إلى ما بعد-بعد الحداثة؛ منها الحداثة الفائقة، والحداثة النقدية، والواقعية النقدية، والأدائية، والحداثة الرقمية، والحداثة المغايرة، والحداثة السائلة، والحداثة الخفيفة.
يقارب هذا الكتاب المرجع تحولات النموذج الإرشادي التي وقعت في نهاية القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين، ومآلات حركتي ما بعد الحداثة وما بعد-بعد الحداثة.
في الأخير؛ يمثل الكتاب كما يقول مؤلفه "صرخة تحفيز للباحثين العرب في ميادين العلم الاجتماعي للتجريب في أساليب وطرائق جديدة للبحث والكتابة، والمشاركة بفاعلية في عمليات إعادة التقييم والمراجعات التي يجريها أنثروبولوجيو العالم الثالث والأفارقة للنظريات والمعرفة المتراكمة عن الآخر الثقافي".
