الخصومة النبيلة.. كيف فقدت الأوساط الثقافية والصحفية حيوية المعارك الأدبية؟
يمتلك الأدب العربي تاريخاً عريقاً من حيوية المساجلة؛ فمنذ تحكيم سوق عكاظ والجدل حول بلاغة حسان بن ثابت والخنساء، مروراً بخصومات المتنبي وطبقات الشعراء، وصولاً إلى معارك العمالقة على صفحات "الرسالة" و"الهلال" و "الناقد"، ظلّت السجالات هي الشريان الذي يغذّي الذائقة، ويصقل اللغة، ويختبر قوة النص بالحجة والدليل، حيث يتصارع الأدباء بضراوة الفكرة ورقيّ الخصومة دون أن يتجاوزوا نبل الإنسانية وقيم المقامات العلمية.
اليوم يمر المشهد بتحول حاد؛ إذ انحسرت السجالات الفكرية الجادة ولحق بها النقد التحليلي، لتسود موجة من المجاملات وتزكيات الشللية والتراشق السطحي عبر منصات التواصل، بالتوازي مع تراجع الصحافة الجادة عن دورها الريادي.
وباتت المراجعة النقدية تُقرأ بـ "هشاشة نفسية" وكأنها طعن في الذات وسلوك كفيل بإعلان القطيعة وإنهاء صداقة عمر!
ما الذي خسرته الثقافة العربية بغياب المعارك الأدبية الحقيقية؟ ولماذا تحول الخلاف حول الرواية والقصيدة إلى استقطاب شخصي وحساسية مفرطة؟ وكيف نعيد للمشهد حيوية المناظرة الفكرية؟
نفتح في هذا التحقيق الموسع الملف مع نخبة من النقاد، والشعراء، والروائيين، والإعلاميين الثقافيين لتشريح الظاهرة، واستعادة قواعد الاشتباك الفكري، واستشراف آفاق إنقاذ المشهد الثقافي.
عالم آخر من الخلافات
كانت البداية مع الكاتب والباحث د. شوقي المعري للوقوف عند جذور الخلاف الفكري وتطوره التاريخي، وسألناه: "المعارك الأدبية والنقدية القديمة صنعت تاريخاً ولغة، فكيف تحول الخلاف حول الرواية والقصيدة اليوم من مساجلة رفيعة إلى تراشق سطحي وحروب على وسائل التواصل؟"
يؤكد د. المعري في إجابته أن التباين في الذوق أمر طبيعي، قائلاً:
"لا شك في أن للفن أذواقاً تختلف بين الناس، وهذا طبيعي وإلا تساوينا في التذوق. وبدا هذا الاختلاف واضحاً منذ العصر الجاهلي فلم نتفق على تقويم شاعر واحد.
وإذا سرنا إلى العصر الإسلامي والأموي، فإننا نقف على فن (النقائض)؛ وكانت جولات شعرية تقدم نوعاً من الاختلاف الذي يقبل به الآخرون، بهدف تقديم وجبة من الشعر للنقاد الذين كانوا منصفين في أحكامهم. صحيح أن النقاد القدامى كانوا يطلقون الأحكام القاطعة مثل: أهجى بيت وأفضل شاعر، إلا أنهم كانوا متفقين إلى حد بعيد، وهذا ما قدم أدباً ونقداً نعتمد عليهما في دراساتنا المعاصرة."
ويتابع د. المعري مقارناً:
"إذا انتقلنا إلى هذا العصر، فإننا نجد أنفسنا في عالم آخر من الخلافات. للأسف، اليوم تجاوز الخلاف النقد الصحيح القائم على المنطق إلى الأهواء والمشاعر العاطفية. والأسف الأكبر أن بعض من يسمي نفسه ناقداً عاد إلى مصالحه ففرز الشعراء على هواه، أما النقد القائم على العقل فإنه يمنع الناقد من أن يغير رأيه في أدب شاعر ميت منذ عقود."
وحول أثر الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي، يضيف:
"لقد بهرتنا وسائل التواصل الاجتماعي فظننا أننا امتلكنا ناصية النقد وصارت لنا الحرية المطلقة. وهؤلاء أحد نوعين: نوع لم يعرف الكتابة من قبل فسنحت له الفرصة المجانية أن يدلي بدلوه، وكثيرون دلاؤهم مثقوبة كما ذواكر الكثيرين؛ فلا رقابة ولا تكلفة ولا استجداء لدار نشر اللهم إلا إذا دفع ثمن (إعجاب). والكل يلاحظ أن معظم ما يُنشر يفتقد مقومات البحث العلمي، فتكون التعليقات بهذا المستوى الهزيل.
منذ فترة بعيدة لم نقرأ كتاباً عليه القيمة يستحق النقاش، وإن حصل، فإن كثيرين سيعتمدون التعليقات لا الكتاب نفسه، فيحكمون عليه وكأنهم يحملون (غربال) ميخائيل نعيمة أو يرى ببصيرة طه حسين! وإذا ما وقعت عيناك على كلام ينطبق فيه قول (وقع الحافر على الحافر)، فاعلم أن الذكاء غير الإنساني هو من أمدّ هؤلاء النقاد ببعض الآراء. واللافت منذ عقود انتشار فن الرواية الذي استسهله البعض كما استسهلوا قصيدة النثر، فانقسم المتسلقون بين مفضل للرواية وآخر للشعر، وهذا خاطئ؛ إذ ليس من المنطق الموازنة بين فنين مفترقين لا يجمعهما إلا اللغة.
إن ما نقرأه اليوم في كثير من المنصات مخزٍ وسطحي، ولو كان هؤلاء نقاداً حقاً لقرأنا لهم دراسات في مجلات علمية محكمة، اللهم إلا إذا كانوا يطمحون للدكتوراه الفخرية!".
تصفية حسابات
وإذا كان الأكاديمي يرى الأزمة في تحول المعايير واستسهال الأدوات، فإن الذات المبدعة تعاني في المقابل من حساسية مفرطة تجاه النقد.
ومن هذا المدخل، طرحنا المحور على الروائية فدوى العبود: "في الماضي، كان الكاتب يفرح بنقد كتابه حتى لو كان قاسياً لأنه يعتني بنصه؛ اليوم أصبحت مراجعة نقدية واحدة كفيلة بإنهاء صداقة عمر أو إعلان حرب! لماذا أصبح المبدع العربي يُصاب بـ (هشاشة نقدية) ويفسر الاختلاف الفكري كأنه طعن في الذات وإهانة شخصية؟"
تستهل الروائية فدوى العبود إجابتها بتفكيك بنية الصحافة أولاً، ثم تشريح أزمة الطرفين (الكاتب والناقد):
"ربما قبل السؤال عن حيوية المعارك الأدبية، يجدر بنا السؤال عن الصحافة التي تغيرت مع وسائل التواصل الحديثة وتحولت لملاحقة (الترند) وثقافة (التيك توك) والخضوع لإملاءات الممول. من جهة ثانية، دعنا نتفق على أن تعبير (معركة أدبية) لم يبقَ منه سوى الغبار الذي تثيره؛ فالمسألة لم تعد نقاشاً لتطوير الحركة الأدبية وتحريك المياه الراكدة، بل أصبحت تصفية لحسابات شخصية أو إعلاءً لنص متواضع لمجرد أن كاتبه صديق."
وتضيف العبود موضحةً مكامن الخلل في الممارسة النقدية الراهنة:
"إن أخطر ما في النقد هو ذاته ما يجعل المثقف والكاتب قادراً على تجيير اللغة لصالح فكرة يراها؛ إذ يستطيع أن يبدو موضوعياً حتى لو كان يكتب لتبجيل نص صديق أو لحسابات شللية.
وهنا نأتي للأهم في صلب السؤال: إن النظرة التي ترى أن المبدع هش وغير قابل لانتقاد نصه ويُفسر أي نقد كإساءة ذاتية هي (نصف الحقيقة)، أما النصف الآخر فيكمن في (النقد) الذي أصبح مختلاً بشكل واضح ومكشوف؛ إذ يُحابي الناقد نص صديق أو كاتب له نفوذ مؤسساتي أو معنوي، ثم ينتقد بشراسة القطة الضعيفة نص كاتب لا سند له! وعلينا ألا ننسى أن النقد الحقيقي له لغته التي يمكنها أن تفكك نصاً أدبياً دون تجريح."
وتختتم العبود برصد تجربتها الشخصية ورؤيتها للكاتب الحقيقي:
"شخصياً، تعرضت لتجربة انتقاد لنص صديق شعرت أن لديه في روايته اندفاعاً لقول أشياء كثيرة دفعة واحدة، فخسرت هذا الصديق. وفي الوقت ذاته، وفي بداياتي، قمت بالكتابة من موقع الانبهار لنصوص أسماء مكرسة. إنني على ثقة أن الكاتب الحقيقي لن يجرحه النقد الصحيح، لكن من تعود المحاباة لن يسره أي رأي يساعده على تطوير نصه. وسيخسر كثيراً من لا يرى نصه بعين الآخر، فهذه العين تساعدنا ليس فقط على تطوير جمالياتنا، بل على إدراك الأرض الصلبة التي نقف فوقها."
تعثر دور المثقف
تؤكد الروائية سوسن جميل حسن أن: "البحث عن كيفية استعادة "السجالات النبيلة" وقواعد الاشتباك الأخلاقي في المشهد الثقافي يُفضي بنا إلى سؤال أعمق وعتبة حتمية: هل تشكّلت لدينا أصلاً "إنتلجينسيا" أو نخبة ثقافية متماسكة وقادرة على حراسة هذا الفضاء الفكري، وتأسيس سجال نبيل؟
لقد حفلت ساحتنا الثقافية بمبدعين استثنائيين قدموا أعمالاً لافتة، لكنهم لم يُكوّنوا كتلة نقدية مؤطرة.
وكشفت التحولات الكبرى عن واقع متهتك كان مطموراً تحت قشرة من الاستقرار الوهمي؛ إذ تبين أن شريحة واسعة من المثقفين وقعت في فخ الاستقطاب نتيجة تراكمات طويلة من القمع السياسي ومحاصرة حرية التعبير، مما أحدث شرخاً عميقاً بين المثقفين وأوجد فئات تابعة للسلطة أو للأنظمة الشمولية على حساب الدور الإنساني الأصيل للمبدع.
ومع حدة الصراعات والتضليل الإعلامي، نكصت غالبية المجتمع نحو الانتماءات الضيقة للوذ بالجماعة. والخلل الجوهري يكمن هنا: حين يقع الانحراف المفهومي والعملي وينقاد المثقف للسياسي فيتبع أجنداته، بدلاً من أن تقود النخبةُ الثقافية مسارَ المجتمع، يتعثر دور المثقف وتتراجع رسالته، وتنحدر المساجلة الجمالية والفكرية إلى عداوات وتراشق واستقطابات ضيقة دينية وطائفية وفئوية وقبلية.
يكتمل هذا الانهيار اليوم تحت ضغوط العصر الرقمي وطوفان المنصات التي ارتهن لها الكاتب، فبات يستسهل الظهور المتكرر والسريع على حساب مشروعه البحثي والتأملي العميق، بالتوازي مع تراجع الدور الأكاديمي للجامعات وانكماش مساحات البحث الجاد وتخليها عن بناء العقول البحثية.
وحين تُقيّد الثقافة بالسياسة، وتتحول الصحافة إلى أبواق للأجندات، وتستبد العصبيات بالمشهد، ينحدر النقد ويغيب الحوار التحليلي؛ لتصبح السجالات المنتجة للمعنى، تلك التي تحترم نبل الخصومة وتصون الود، مجرد صدى بعيد من الماضي نتحسر عليه، بدلاً من أن تكون شرياناً يغذّي المستقبل".
انهيار الذوائق الجمالة
هذا التدهور في العلاقات النقدية يجده الشاعر والناقد أمير سماوي امتداداً لسلسلة تاريخية طويلة، ليقرأ جذور الصراع الأدبي وانكساراته عبر التاريخ: "المعارك الأدبية والشعرية القديمة صنعت تاريخاً ومشهداً صحياً، فكيف تحول الخلاف اليوم إلى تراشق سطحي؟"
يبدأ الشاعر أمير سماوي بقراءة مسارية مكثفة للتاريخ الأدبي قائلاً:
"قد نكون اجتزنا القرون دون أن نأخذ العبرة من تكهن جمالي تاريخي ابتدأ في عصر ما قبل الإسلام، حين انتهت واقعة سوق عكاظ الشعرية بجدل أشرف عليه الشاعر النابغة الذبياني بين بلاغة وشعرية قصيدتي حسان بن ثابت والخنساء.
وكذلك أسس ابن سلام الجمحي لطبقات الشعراء، ولم ينتهِ الأمر عند القاضي الجرجاني في وساطته بين المتنبي وخصومه، ولا عند قدامة بن جعفر حين وضع معايير حاسمة للتمييز بين الشعر الجيد والشعر الرديء في كتابه (نقد الشعر)، وجاء كتاب أبي حيان التوحيدي ليرصد جوانب من نضج الوعي الفلسفي في الشعر.
ومن ثم حدث ركود في المناكفات المجتمعية العربية حول الشعر، إلى أن بدأت نصوص الحداثة الأدبية منتصف القرن العشرين."
ويتابع سماوي تحليله لتحولات الصراع في العصر الحديث:
"مع منتصف القرن العشرين تبلور صراع حمل أدواته القتالية؛ فكان لدعاة الحداثة الشعرية أن وشموا حضور قصائدهم مدعمة بترجمات واسعة للأدب الغربي، وهنا دخلنا حلبة صراع الأجناس الأدبية.
وما إن برع بعض الروائيين والقاصين والمسرحيين العرب، حتى دخل الشعراء حلبة تحدي مصداقيتهم.
وفعلاً شهدنا بعض القصائد وهي تتعرض للتقصي النقدي، ولكن الصراع بين قصيدة النثر والشعر التقليدي استشرى وأضر بتطور الوعي المعرفي الشعري، وأدى إلى انكفاء المجتمع عن الشعر إلى المحكي والمحلي. وهنا انهارت الذوائق الجمالية لتنساق في الذهنية الأفقية المسطحة لمجتمع ساذج؛ وانخرط فيها كُتّاب وأشباه كُتّاب وكسّاب ومتحذلقين وجهلة، واتسعت الحلبة لتكون صفحات التواصل الاجتماعي منابر إعلامية مدعمة بخساسة جيش من الداعمين والمجاملين."
ويرسم سماوي صورة للواقع الراهن مبيناً مكمن الخلل الحضاري:
"لا أرى موجباً لسرد مواقف لا تحصى عن صراعات انتماءات وولاءات جعلت الأدب العربي في الدرك المتدني من اهتمام متتبعي الإبداع. خلال الربع الأول من هذا القرن، نقف متحفزين لنرصد مبدعاً واحداً مدهشاً فلا نعثر عليه؛ وإن رأيناه مدهشاً بحق نرفضه بشقه الآخر. ثمة ضلالة عامة يعاني منها الواقع الثقافي ونحن الآن نعاني من إحباط وخيبة؛ فلا رمز إبداعياً شامخاً في الواجهة، وما إن يبرز أحدهم حتى يخفيه الآخرون.
إن المشكلة تكمن في غياب اتفاق العرب على معايير الجودة الفنية الإبداعية، وفي الملاءة المعرفية، وفي مدى تحرر العربي من قيوده الذاتية وقدرته على بلورة ما ينعش متعته الجمالية، وانتقاء الثمين والجيد ونبذ الهذر والهراء والرخيص."
غياب السجال الحقيقي
سألت الشاعر والمترجم أسامة إسبر: "ماذا خسر الأدب العربي عندما غابت سجالات كـ (الرافعي وطه حسين) أو (العقاد والمازني)؟ وكيف نُعيد للمشهد الثقافي حيوية المعركة الأدبية النبيلة التي تثري القارئ وتصقل المبدع دون الاندراج في المهاترات؟"
يجيب إسبر بطرح تحليلي عميق:
" يرتبط السجال ارتباطاً وثيقاً بالفكر النقدي؛ فحيث يوجد سجال حقيقي، هناك عقل يسائل المسلّمات، ويفكك اليقينيات، ويرسخ اللغة النقدية. يمكن الحديث اليوم عن أزمة فكرية حادة على الساحة العربية، تتمثل في تراجع الفكر النقدي وهيمنة الفكر الوظيفي أو المؤدلج، الذي ينشغل بتبرير المواقف أكثر من انشغاله بالبحث عن الحقيقة.
وتزداد هذه الأزمة حدة إذا نظرنا إلى طبيعة عصرنا الذي شاع فيه الحديث عن (موت الحقيقة)؛ لا بمعنى اختفائها، بل بمعنى تشويش الوصول إليها، وإغراقها في سيل لا ينتهي من المعلومات والآراء والصور والروايات المتناقضة. لقد دُفنت الحقيقة تحت ركام هائل يتدفق عبر الإنترنت ومنصات التواصل، حتى أصبح التمييز بين المعرفة والضجيج، وبين الخبر والدعاية، مهمة شائكة.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليزيد الطين بلة؛ فهو بحسب طريقة استخدامه يمكن أن يكون أداة لإنتاج المعرفة، كما يمكن أن يصبح وسيلة لتوسيع نطاق التزييف وإعادة إنتاج سرديات مضللة."
ويُعرّف إسبر القيمة الحقيقية للسجال الثقافي بقوله:
"السجال ليس مجرد خصومة فكرية أو تبادل للاتهامات، بل ممارسة نقدية تقوم على تفكيك أفكار الخصم، واختبار منطقها، وتفنيدها بالحجة والدليل. وعن طريق الحوار بين الرؤى المختلفة، تنشأ إمكانات جديدة لتفكير حر لا يخضع لسطوة الأيديولوجيا ولا لهيمنة السلطة.
السجال علامة على حيوية المجتمع الفكرية؛ فهو يشير إلى حضور تيارات فكرية متعددة، وإلى وجود فضاء عام يسمح بحرية التعبير والنشر والنقد. فلا يمكن لثقافة حقيقية أن تتشكل في غياب الجدل، ولا يمكن للجدل أن يزدهر ما لم تفتح الصحافة والإعلام صفحاتها أمام الآراء المتعارضة، بعيداً عن الرقابة الفكرية أو الاستقطاب."
ويستذكر إسبر العصر الذهبي للصحافة الثقافية متأسفاً على واقعها اليوم:
"لقد ازدهرت السجالات الكبرى في تاريخ الأدب العربي الحديث في زمن كانت فيه الصحافة لاعباً رئيسياً في تشكيل الرأي العام والثقافة. وكانت المناظرات التي اشترك فيها طه حسين والرافعي والعقاد والمازني وغيرهم تتناول أسئلة عصرهم الكبرى: علاقة التراث بالحداثة، مناهج النقد، مستقبل اللغة والأدب، وحدود العقل في قراءة النصوص.
وكانت هذه السجالات تعكس بيئة ثقافية نابضة بالحياة، وصحافة واسعة الانتشار، وجمهوراً يقرأ ويتابع ويشارك. لكن لا تكفي عودة هذه السجالات اليوم إذا لم تشمل القضايا الجوهرية والمسكوت عنها.
إن غياب السجالات الفكرية في الصحافة يكشف عن انكماش خطير في المجال العام؛ فلا يكاد يوجد حوار عربي واسع بين المفكرين حول القضايا المصيرية التي تشغل العالم المعاصر.
إن إعادة الاعتبار للسجال الفكري ليست ترفاً ثقافياً بل ضرورة حضارية، وهي تمثل قبل كل شيء إنقاذاً للصحافة الجادة التي فقدت جمهورها ومكانتها."
متاعب الصحافة الثقافية
ولأن المنابر الإعلامية هي الحاضن الطبيعي لجميع هذه الحراكات، سألت الكاتب والناقد الإعلامي عمر جمعة: "برأيك هل تغيّرت وظيفة الصفحات والمواقع الثقافية اليوم؟ ولماذا غاب الإعلامي الذي يمتلك المعرفة والجرأة على فتح ملفات وسجالات ساخنة تغني المشهد الثقافي، وبات الكثير منهم يعمل لصالح الأخبار البروتوكولية والتبريكات؟"
يقدم جمعة تشخيصاً ميدانياً لواقع الملاحق والمواقع الثقافية قائلاً:
"باعتقادي لم تتغيّر وظيفة الصفحات والمواقع الثقافية من حيث الشكل، فهي ما زالت تنشرُ المقالات والأبحاث والدراسات الأدبية والنقدية والفنية، جنباً إلى جنب مع التغطيات الإعلامية للأنشطة والملتقيات والمهرجانات الثقافية.
لكن خلال السنوات العشرين الأخيرة، قلّ عدد المهتمّين بها وبمتابعة موضوعاتها بعد انتشار الصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي التهمت كلّ شيء، وهيمنتْ على وقت ووعي الأغلب الأعم من رواد الصحف والمجلات، والذي بات رخواً وسطحياً."
ويقارن جمعة بين اهتمامات الجمهور القارئ في الأمس واليوم:
"قبل سنوات، كان يتصل بي أحد الأصدقاء داعياً إلى قراءة مقال مهمّ ومساجلة عميقة في صحيفة أو مجلة معينة، لكن تمنيات بعض الأصدقاء اليوم باتت تدعو للاطلاع على ما نشره فلان أو المنصة الفلانية من آراء هزيلة، أو أبحاث مسروقة ومجمّعة، أو مقال يدّعي كاتبه أنه (أبو العرّيف)! في وقت انحسرت وغابت الأقلام والأصوات الإعلامية التي كانت تمتلك الوعي والمعرفة والجرأة والموضوعية، وطالما أثارت الجدل حول ظاهرة أدبية أو فنية معينة. ومردّ ذلك في ظني أن كلّ من هبّ ودبّ صار إعلامياً وصحفياً يفتي في تنظيراته الوهمية، ويجزم في قضايا إشكالية عجز كبارُ مؤرّخي الأدب والفن ونقاده عن البتّ فيها."
ويختتم جمعة بالإشارة إلى الظروف السياسية والتقوقع الذاتي للكتّاب: "من جهة أخرى، تقوقع البعض تحت ماضيه وإرثه واعتزل السجالات الساخنة الجريئة بعد أن أدرك أن حراثة البحر أهون من العمل في الصحافة الثقافية بعد أن انفضّ عنها الجمهور.
هذا دون أن ننكر أثر التحولات السياسية التي أرخت بظلالها المقيتة على الخطاب الثقافي؛ حيث التبست الكثير من العناوين وباتت مصدر خلاف يحذرُ الكثير من الكتّاب والإعلاميين من الخوض في تفاصيله المزروعة بالألغام السياسية والإيديولوجية."
استعادة الفضاء النقدي
نفتح في هذا التحقيق سؤالاً أعمق من مجرد الحنين إلى "أيام الزمن الجميل"، ونتوقف أمام مواجهة صريحة مع حالة "الأمان المزيف" التي يعيشها الأدب العربي اليوم.
النقد كما يعرفه الجميع لم يكن يوماً مجرد أداة لتقييم النصوص، بل كان صمام أمان يمنع الثقافة من التحلل، قبل أن تسود مجاملات الفضاء الرقمي واقتناص "الموجات الرائجة" العابرة.
لا نطلب فقط استدعاء الخصومات القديمة، إنما تأسيس أخلاقيات نقدية جديدة تعيد الاعتبار للمساجلة الفكرية الجادة؛ مساجلة تدرك أن النص الأدبي لا ينضج إلا بالحوار والأسئلة الشجاعة والمواجهة الجمالية التي لا تحابي أحداً.
إن جوهر البيئة النقدية الصحية يتطلب شجاعة أخلاقية في تقبل الرأي الآخر؛ فالإبداع الحقيقي هو الذي يتعامل مع النقد المخالف كمرآة ضرورية تُثري النص وتصقل تجربة الكاتب.
المساجلات الثقافية هي نبل بالدرجة الأولى، وخصومة عابرة تثري الأجواء وتستقطب القراء، ومن دونها ستبقى الساحة مقفرة وخاوية، وتسود العداوة وإلغاء الآخر بأساليب باتت متاحة للأسف أمام أي شخص لمحاربة غيره عبر "وسائل التواصل الاجتماعي".
المشهد اليوم يحتاج إلى جهات تعيد له ألقه، كي يبقى الأدب العربي زاهياً متألقاً، يرسم آفاقاً للمستقبل، ويواكب التطور الثقافي العالمي ليصل بصوتنا إلى حيث نريد.
