تقليص "مناورات كوريا الجنوبية" يزيد المخاوف من انسحاب أمريكي من آسيا
نيويورك "د.ب.أ": يمثل تقليص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية أحدث حلقة في سلسلة من الإجراءات التي تزعزع ثقة الحلفاء الآسيويين في التزامات الولايات المتحدة الأمنية، وتمنح الصين فرصة أخرى لاستغلال الوضع، وذلك وفقا للمحلل السياسي جوشوا كورلانتزيك، وهو زميل أول لشؤون جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.
وقال كورلانتزيك الذي يركز على علاقات الصين مع جنوب شرق آسيا والعلاقات الأمريكية الصينية، في تحليل نشره المجلس إنه على مدار العام الماضي، حرص مسؤولو إدارة ترامب على طمأنة الشركاء والحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الذين أصبحوا أكثر تشككا، بأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بأمنهم، حتى في ظل التوترات الاقتصادية الناجمة عن اختلالات الميزان التجاري والرسوم الجمركية.
وفي اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الأخير، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على التزام الولايات المتحدة الراسخ بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مقدما نهج إدارة ترامب باعتباره استمرارا لما يسمى "التحول نحو آسيا" الذي بدأته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما الأولى، ووعد باستثمارات استراتيجية أمريكية بقيمة 5ر2 مليار دولار في جنوب شرق آسيا.
وفي حوار شانجريلا للأمن الآسيوي عام 2025، استعرض وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث وعود روبيو، مشددا للقادة الآسيويين أن المنطقة تمثل أولوية قصوى للولايات المتحدة.
وأشار كورلانتزيك إلى أن إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة وكبير مهندسي استراتيجية إدارة ترامب تجاه آسيا، قضى معظم عام 2026 في تقديم تطمينات مماثلة للشركاء الآسيويين. وقال كولبي في خطاب ألقاه في مانيلا في أغسطس الجاري إن "أمريكا بالتأكيد لا تنسحب من آسيا"، مؤكدا أن الولايات المتحدة "تعزز" ضماناتها الأمنية الإقليمية، وأن مصالح الولايات المتحدة "أكثر انخراطا من أي وقت مضى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ".
ولكن للأسف، تشير الإجراءات الأخيرة لإدارة ترامب إلى عكس ذلك تماما، وإلى أن البيت الأبيض يحول أولوياته بعيدا عن آسيا، بدافع الضرورة والاختيار. ونتيجة لذلك، يتزايد قلق الحلفاء والشركاء الآسيويين من أنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية، وهو ما قد يدفعهم إلى التقارب مع الصين، أو ببساطة يسهل سباق تسلح في آسيا في ظل سعيهم الحثيث لتأمين دفاعاتهم.
ويرى كورلانتزيك أن الإجراءات الأمريكية الأخيرة أكدت هذه النقطة. ففي نهاية الأسبوع الماضي، أمر الرئيس دونالد ترامب، دون سابق إنذار، وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، قبل ساعات فقط من موعد انطلاقها.
وكان تبرير الرئيس لهذا التحول معقدا وغير واضح، حيث أشار إلى تكلفة المناورات، وزعم أن كوريا الشمالية لم تكن تشكل تهديدا خلال ولايته الثانية (وهو زعم بعيد عن الصحة)، واشتكى من رفض سول المساعدة في حرب الولايات المتحدة مع إيران.
وبالطبع، جاء هذا التحول المفاجئ مناقضا تماما لإشادة هيجسيث بسول قبل بضعة أشهر فقط. وحاولت كوريا الجنوبية حفظ ماء الوجه، مؤكدة أن الحكومتين تحافظان على تنسيق وثيق. وتستمر المناورات المشتركة ولكن على نطاق محدود للغاية.
ولكن بعيدا عن العلن، يشعر المسؤولون الكوريون الجنوبيون بغضب شديد، ومن المؤكد أن يزيد هذا القرار من النظرة السلبية للولايات المتحدة في كوريا الجنوبية، حيث كانت شعبية واشنطن تتراجع بالفعل. وسبق أن اضطر البنتاجون، وفقا لتقارير، إلى سحب صواريخ اعتراضية تابعة لمنظومة الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية (ثاد) من كوريا الجنوبية لاستخدامها في الشرق الأوسط، وهو ما زاد من استياء سول.
وأوضح كورلانتزيك أن الولايات المتحدة منخرطة في حرب في الشرق الأوسط، فضلا عن سلسلة واسعة من العمليات العسكرية وعمليات الحصار في نصف الكرة الغربي. وقد أشارت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 بشكل مسبق إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في آسيا، موضحة أن الأولوية القصوى للبيت الأبيض هي بسط الهيمنة على نصف الكرة الغربي، ولم تذكر الاستراتيجية الصين إلا في الصفحة رقم 19 من أصل 29 صفحة.
وإلى جانب تقليص المناورات مع كوريا الجنوبية، قامت إدارة ترامب، في الأسابيع الأخيرة، بنقل آخر حاملة طائرات أمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من المنطقة لاستخدامها في الحرب مع إيران، لتحل محل حاملة طائرات أخرى ظلت في البحر لفترة أطول من المعتاد.
ومع ذلك، فإن هناك دلالة رمزية مهمة للانسحاب من المحيط الهادئ، فهذا يعني أنه ولأول مرة منذ سنوات عديدة، لن تكون هناك حاملة طائرات أمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي الوقت نفسه، تشير دراسة أجرتها مؤسسة "هيريتدج" (التراث) إلى أن إدارة ترامب قد خفضت بشكل كبير عدد مرات عبور السفن الأمريكية مضيق تايوان. ويبدو أن عدد عمليات العبور خلال ولاية ترامب الثانية انخفض بنسبة 50% مقارنة بولايته الأولى، وبنسبة 56% مقارنة بعهد الرئيس السابق جو بايدن.
وبجانب تقليص عدد مرات العبور، يبدو أن ترامب غير أيضا السياسة الأمريكية تجاه تايوان، حيث ناقش القضية مباشرة مع مسؤول صيني، وطرح تايوان باعتبارها ورقة مساومة في العلاقات الأمريكية-الصينية، كما وصف الجزيرة بأنها "لا يمكن الدفاع عنها". وكانت الرسالة التي تلقاها كثير من التايوانيين هي أن الولايات المتحدة قد لا تتقدم للدفاع عن تايوان في حال اندلاع نزاع.
واعتبر كورلانتزيك أن ما يزيد من قلق تايوان وشركاء آسيويين آخرين، هو أن ترامب نفسه يبدو أنه يتبنى موقفا أكثر ليونة تجاه الصين عموما.
ولا يقتصر هذا التحول بالقرب من تايوان فقط. فقد خفضت إدارة ترامب عدد عمليات حرية الملاحة التي تقوم بها السفن الحربية الأمريكية في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وهي عمليات مهمة تسعى من خلالها واشنطن إلى التأكيد لبكين على أنها ملتزمة بإبقاء البحر مفتوحا للجميع. وخلال ولاية ترامب الأولى، تردد أن السفن الأمريكية نفذت سبع عمليات على الأقل سنويا في بحر الصين الجنوبي. بينما لم تجر الولايات المتحدة أي عمليات خلال الأشهر الستة الأولى من ولايته الثانية.
ونتيجة لذلك، أصبح حتى العديد من أقوى الشركاء والحلفاء الآسيويين يشككون في التزام الولايات المتحدة طويل الأمد تجاه المنطقة.
وقد تراجعت بالفعل شعبية الولايات المتحدة في آسيا بشكل حاد.
وأظهر استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث في يونيو الماضي وشمل 36 دولة، ونشر في وقت سابق من العام الجاري، انخفاضا في نسبة الآراء الإيجابية تجاه الولايات بأكثر من عشر نقاط مئوية خلال العام الماضي في كل من إندونيسيا وكوريا الجنوبية.
كما أظهر أن سبعة من كل عشرة أشخاص (أو أكثر) في معظم أنحاء أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ ينظرون الآن إلى الولايات المتحدة نظرة سلبية.
وفي دول شريكة منذ زمن طويل، مثل الفلبين وكوريا الجنوبية، وصلت نسب التقييم الإيجابي إلى أدنى مستوياتها أو اقتربت منها منذ أن بدأ مركز بيو إجراء الاستطلاعات عام 2002.
وقال كورلانتزيك إن بعض الدول في آسيا (بالإضافة إلى أستراليا) تقوم بتعزيز التخطيط العسكري المشترك مع بعضها البعض، مثل اليابان والفلبين وكوريا الجنوبية، بينما تبحث دول أخرى عن سبل لزيادة ميزانيات الدفاع.
وأضاف كورلانتزيك" كما أشرت في مقال عقب حوار شانجريلا في مايو 2026، انتقد كل من رئيس فيتنام تو لام ونائب رئيس الوزراء الأسترالي ريتشارد مارلز ووزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي وزير الدفاع الأمريكي هيجسيث، مؤكدين أن المشكلة الحقيقية في المنطقة تكمن في تراجع الثقة بأولويات واشنطن الدفاعية والتزامها بالقواعد، لا في نقص الأسلحة".
واختتم كورلانتزيك تحليله بالقول إنه في نهاية المطاف، قد تتخذ عدة دول في شمال شرق آسيا الخطوة الأخيرة، بالتوجه نحو امتلاك أسلحة نووية كأقصى رادع. ولكن حتى بدون هذا الاحتمال، الذي يمكن أن يتسبب في اضطراب واسع النطاق في المنطقة، فإن تداعيات تراجع الثقة في الولايات المتحدة، فضلا عن اعتقاد الدول الآسيوية أنها قد تضطر إلى الاعتماد على نفسها في نهاية الأمر، تخلق بيئة أكثر اضطرابا، وتوفر فرصة أخرى للصين (وشركائها مثل روسيا) لتعزيز نفوذهم في جزء مهم من العالم.
