No Image
رأي عُمان

عن الحياة التي انتقلت إلى فضاء بلا ميثاق

11 أغسطس 2026
11 أغسطس 2026

قبلت المفوضية الأوروبية الشهر الماضي خطة عمل قدمتها منصة «إكس» للامتثال لالتزامات الشفافية وإتاحة البيانات للباحثين، بعدما كانت قد قررت في ديسمبر 2025 مخالفة المنصة لقانون الخدمات الرقمية وفرضت عليها غرامة. وتُلزم الخطة «إكس» بتحسين شفافية الإعلانات، وتيسير وصول الباحثين المؤهلين إلى البيانات العامة، ثم الخضوع لتدقيق مستقل بعد مهلة تنفيذ تمتد ستة أشهر.

وتكشف بيانات أوروبية حجم السلطة التي بدأت تخضع للمساءلة؛ ففي النصف الأول من عام 2025 وحده، أبلغت المنصات عن أكثر من تسعة مليارات قرار لإدارة المحتوى، اتُّخذ 99% منها استنادا إلى شروطها الخاصة. ووراء هذه الأرقام سؤال يتجاوز أوروبا ومنصة «إكس»: من يضع قواعد الساحة التي أصبحت المجتمعات تعيش جانبًا متزايدًا من حياتها داخلها؟

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أوسع ساحة عامة عرفها البشر، مع أن بنيتها الأساسية مملوكة لشركات خاصة. تتشكل فيها السمعة وتنتشر الروايات عن الحروب والكوارث وتفاصيل الحياة اليومية، وتُرسم الحدود المتحركة بين المقبول والمرفوض. أما القواعد التي تمنح قضية ما صدارة الاهتمام وتدفع أخرى إلى الهامش، فتضعها شركات تعمل وفق مصالح السوق ومقاييس التفاعل، مع بقاء الجمهور بعيدا عن صياغة هذه القواعد أو معرفة كيفية عملها.

وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى للعصر الرقمي: نقلت المجتمعات جانبا واسعا من حياتها العامة إلى أنظمة تملك سلطة ترتيب الانتباه وتوجيهه، قبل أن تضع الحدود التي تقيد هذه السلطة أو تتفق على الحقوق التي ينبغي أن تبقى بمنأى عن منطقها.

يتحمل المستخدم مسؤولية الكلمة التي يكتبها والصورة التي يشاركها، فيما يكشف النظر إلى بنية المنصات جانبا آخر من المسؤولية. فنماذج أعمال كثير منها تقوم على اقتصاد الانتباه؛ وكلما طال بقاء المستخدم ازدادت قيمة البيانات والإعلانات. لهذا تمنح خوارزميات التوصية المواد الغاضبة والمثيرة والمستقطبة فرصًا أوسع للانتشار، كلما أثبتت قدرتها على جذب التفاعل، بصرف النظر عما تتركه في المجتمع من معرفة أو ريبة أو انقسام.

من هنا تصبح القيم قضية تتعلق بتوزيع القوة، فالخصوصية تعني أن يظل للإنسان حق تقرير ما يكشفه عن نفسه. والكرامة تقتضي أن يبقى الفرد أكبر من صورة عابرة أو خطأ قديم أو اتهام متداول.

أما الحقيقة فتحتاج إلى مساحة يستطيع فيها التصحيح أن يبلغ الجمهور نفسه الذي بلغه الادعاء وتقتضي المساءلة أن يفهم الناس لماذا ظهر لهم محتوى معين، وكيف اتُّخذ قرار بحذفه أو ترويجه أو تقييد وصوله.

وقد جعل الذكاء الاصطناعي هذه الأسئلة أكثر إلحاحا، فعندما يصبح إنتاج الصور المقنعة واستنساخ الأصوات متاحًا على نطاق واسع، تزداد الثقة العامة هشاشة، ويغدو التحقق جزءًا من البنية الأساسية للمجال العام. وستحتاج المجتمعات إلى قواعد تحمي هوية الإنسان وصورته وصوته، وإلى مسؤولية قانونية تتناسب مع قدرة التقنية على الإقناع والانتشار.

يتطلب ذلك عقدا رقميا جديدا تتوزع مسؤولياته بين الدول والشركات والمؤسسات والمستخدمين. وينبغي أن تحمي تشريعاته الخصوصية وحرية التعبير معا، وأن تخضع سلطة المنصات للمساءلة وتمنح المتضرر حق الاعتراض والتصحيح، من دون أن تتحول الحماية إلى باب للرقابة السياسية. وعلى التعليم أن يبني القدرة على التحقق وفهم الخوارزميات، فيما تتحمل الشركات مسؤولية سلامة المجال العام الذي تديره.

سبقت التقنية قدرة المجتمعات على مساءلتها لكن هذا السبق لا يمنح الشركات حق كتابة قواعد الحياة العامة وحدها، فالفضاء الذي تتشكل فيه السمعة والمعرفة والاختيارات السياسية يحتاج إلى ميثاق تتضح فيه الحقوق والمسؤوليات والحدود التي تصون الحياة الخاصة من التحول إلى مورد تجاري دائم. وبتقدم المجتمعات في كتابة هذا الميثاق تستعيد حقها في تقرير القيم التي تحكم المكان الذي أصبحت تعيش فيه.