No Image
رأي عُمان

مشكلة الديون مشكلة تسعير

12 أغسطس 2026
12 أغسطس 2026

تدفع الدول الإفريقية في المتوسط أربعة أضعاف ما تدفعه الولايات المتحدة كلفة للاقتراض، وثمانية أضعاف ما تدفعه دول أوروبية كثيرة. وتقدّر الأونكتاد أن أربعا وتسعين حكومة نامية لو اقترضت بالشروط ذاتها المتاحة للاقتصادات المتقدمة لوفّرت نحو خمسمائة مليار دولار سنويا في الفوائد وحدها.

هذا الفارق هو أزمة الديون في جوهرها. ينصرف الحديث المعتاد إلى الأحجام: مائة واثنان تريليون دولار دينا عاما عالميا في 2024، منها واحد وثلاثون تريليونا على الدول النامية. الأحجام تصف الظاهرة، لكن السعر هو الذي يفسرها.

ونتائج السعر ملموسة؛ فواحد وستون اقتصادا ناميا ينفق عُشر إيراداته الحكومية أو أكثر على الفوائد، وثلاثة مليارات وأربعمائة مليون إنسان يعيشون في دول تنفق على خدمة الدين أكثر مما تنفق على الصحة أو التعليم. وفي عقد واحد ارتفعت مدفوعات الفوائد الحكومية مائة واثنين في المائة بينما ارتفعت الإيرادات تسعة وثلاثين في المائة. والفجوة بين الرقمين نستطيع أن نتلمسها في المدارس التي لم تبنَ، والمؤسسات الصحية المتهالكة، والبنية الأساسية الضعيفة. وفي بعض الاقتصادات العربية تقترب أقساط الدين وفوائده من ابتلاع نصف الإيرادات العامة أو تتجاوزه.

وللدائنين حجّة يجب أن تُسمع؛ فكثير من هذه الديون تراكم بقرارات محلية غير موفقة، ووكالات التصنيف تسعر خطرا حقيقيا قائما على سجلات حقيقية. تقول الوكالات: إن المقترض الذي يطلب سعر فوائد قروض السويد عليه أولا أن يقدّم حسابات السويد.

اختبرت تجربة سلطنة عُمان الحجتين معا؛ فقد انخفض الدين العام من 67.9 في المائة من الناتج المحلي عام 2020 إلى 35.5 في المائة عام 2024، ثم استقر عند 34.4 في المائة بنهاية الربع الأول من 2026. وأثمر الانضباط المالي وارتفاع أسعار النفط إلى تحسن التصنيف الائتماني، والعودة إلى الدرجة الاستثمارية. وفي أكتوبر 2025 عادت عُمان إلى الأسواق الدولية بصكوك سيادية لأجل سبع سنوات ونصف بمعدل ربح سنوي بلغ 4.525 في المائة، وبفارق 60 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية، وهو أدنى عائد تحققه في إصدار سيادي. بقيت الدولة والجغرافيا فيما تبدلت المديونية والحسابات والتصنيف، فتبدل السعر، غير أن التسعير الاسترشادي لذلك الإصدار انطلق عند 95 نقطة أساس، وأُغلق عند 60 بعد طلبات تجاوزت أربعة أمثال المعروض؛ إذ سقطت خمس وثلاثون نقطة في ساعات لم تتبدّل فيها مديونية ولا حسابات ولا تصنيف.

ويبقى في السعر عنصر يتجاوز القرار المحلي؛ إذ تقدّر ورقة بحثية نشرها صندوق النقد الدولي علاوة إضافية تقارب خمسين نقطة أساس على الإصدارات السيادية لإفريقيا جنوب الصحراء في الظروف العادية بعد احتساب التصنيف وخصائص السند، وترتفع هذه العلاوة كثيرا في فترات الضغط. كما تتأثر الكلفة بقوة الدولار وأسعار الفائدة الأمريكية والعزوف العالمي عن المخاطر، وهي عوامل تُصنع خارج اقتصاد المقترض، ثم تنتقل إليه فاتورتها.

والمجتمع الدولي أقر بهذا أخيرا؛ ففي الخامس عشر من أبريل الماضي أطلقت في واشنطن «منصة المقترضين» أول إطار يجمع الدول المدينة بصفتها تلك بمجموعة عمل ترأستها مصر وتشارك فيها ست دول أخرى. تستحق الخطوة التقدير غير أن المنصة آلية طوعية لا هيئة تفاوض، و«الإطار المشترك» لمجموعة العشرين أثبت بطأه، ولا توجد بعدُ قاعدة مُلزِمة تحكم الإقراض والاقتراض، أو تتيح إعفاء تلقائيا عند الصدمات الخارجية.

وحين تعقد المنصة أول اجتماع لمجلسها الحاكم على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك في أكتوبر سيكون اختبارها الحقيقي قدرتها على الانتقال من تبادل الخبرة إلى صياغة موقف جماعي للدول المقترضة. يبدأ الإصلاح من ثلاث قواعد: معايير للإقراض المسؤول، وآلية أسرع لإعادة الهيكلة، وبنود توقف خدمة الدين تلقائيا عند الصدمات الخارجية. لقد اكتمل تشخيص الأزمة، والخطوة التالية هي تحويل عدالة التسعير من مطلب أخلاقي إلى قاعدة مالية.