عُمان والإمارات.. قوة المجتمع ورهانات المنطقة
17 أغسطس 2026
17 أغسطس 2026
العلاقة بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة علاقة خاصة تتجاوز المصالح الثنائية والمسارات الدبلوماسية، وتتجاوز التحديات التي تفرضها تحولات العالم وتعقيداته، وتؤطرها الطبيعة الجغرافية التي شكلت البلدين ونسج التاريخ بكل حمولاته الثقافية والسياسية والاجتماعية هندسة علاقاتها عبر تشابك الوشائج العميقة وتمازجها إلى حد الشعور الراسخ بأن المجتمع واحد في البلدين، ولذلك تبدأ أي رؤية لمستقبل العلاقة من حقيقة أن ما يجمع «المجتمع» في البلدين أعمق من المصالح التي تتبدل بتبدل الظروف.
ومنذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة نهاية عام ١٩٧١ حرصت القيادتان العمانية والإماراتية على ترسيخ هذا الشعور وتعميقه وتغذيته سياسيا واقتصاديا. كانت النظرة حكيمة وتنطلق من فهم حقيقة الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي تحكم الواقع الماثل للعيان عند قراءة البلدين بعمق. ورغم التحديات التي يشهدها العالم الذي يمر بأطوار تشكل جديد للنظام الذي يحكمه على خلفية تداعي قواعد النظام القائم حاليا، وتشكل دورة حضارية جديدة بكل مستوياتها في إنتاج المعرفة وبناء الهويات والقوميات وموازين القوة إلا أن العلاقة الراسخة التي تربط الشعبين الشقيقين ثابتة ولا تتزعزع.
إن أكثر ما يجعل العلاقة بين عُمان والإمارات علاقة خاصة أنها تأسست اجتماعيا وثقافيا قبل أن تتأسس سياسيا واقتصاديا وقبل أن تتحدث المؤسسات الحديثة عن «العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة»، وهذا رأسمال قوي وصلب يمكن التعويل عليه كثيرا في بناء الشراكات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
وعندما يقوم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، بزيارة لدولة الإمارات المتحدة ويلتقي بأخيه الشيخ محمد بن زايد فإن الزيارة تُقرأ، بالضرورة، في البلدين من زاوية التحرك داخل المجتمع الواحد الذي تربطه وشائج اجتماعية وعلاقات إنسانية مترسخة قبل أن تُقرأ في سياق تحركات سياسية قد تأتي لاحقا رغم حجم الأحداث والتحديات التي تحيط بالمنطقة الخليجية في هذا المنعطف التاريخي الخطير.
ويتقن صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، أعزه الله، ترسيخ العلاقات الاجتماعية القائمة داخل المجتمع الواحد خليجيا وعربيا، كما يتقن بامتياز إدارة التحديات الكبرى التي تحيط بالمنطقة وتهدد نيرانها المباشرة أو ارتداداتها السياسية والاقتصادية الجميع.
وتأتي الزيارة في وقت تواصل فيه سلطنة عُمان جهودها لاحتواء التصعيد وتقريب وجهات النظر وفتح المسارات السياسية أمام الأزمات التي تهدد المنطقة. وهذه السياسة امتداد لنهج عُماني يقوم على الحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها والبحث عن المصالح المشتركة قبل أن تتحول الخلافات إلى حروب يدفع الجميع أثمانها.
وأخذت سلطنة عُمان على عاتقها منذ البدايات الأولى للحرب الدائرة في المنطقة دور «الحكيم» الذي عليه أن يقرب بين الجميع سياسيا ويسهم في تشكيل فهم متقارب لوجهات النظر ومنطلقاتها، ويطفئ حين الحاجة النيران التي يهدد لهيبها الجميع.
الدور الذي تقوم به عُمان، وحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم، أيده الله، في هذه اللحظة التاريخية عظيم وريادي ومتسق مع ما تملكه عُمان من تاريخ عريق وخبرة سياسية وفهم للمنطقة وتاريخها وتحولاتها.
