ظهر مصطلح «المجتمع الموازي» في التسعينيات ليصف العالم الذي يعيشه الشباب الأتراك في ألمانيا. يأتي المصطلح كتحذير بأن بعض المجموعات الإثنية أو الدينية المسيسة قد تلجأ لتطوير مجتمعات ذاتية التنظيم مكونة من أقليات تتفاعل بالحد الأدنى مع الثقافة، المجتمع، والمكان الذي هاجروا إليه.
بعدها ببضعة عقود، ستأخذ الدنمارك على عاتقها محاربة المجتمعات الموازية عبر مجموعة من السياسات التي تستهدف الأحياء ذات الأغلبية «غير الغربية» التي تعيش ظروف اجتماعية-اقتصادية غير مواتية، كانخفاض نسب التعليم، ارتفاع نسب البطالة أو الجريمة.
خشية تحول المجتمعات الهشة إلى مجتمعات موازية، ستسعى السلطات إلى تفكيك هذه المجتمعات عبر إعادة تسكين 40٪ من قاطني هذه الأحياء، ودفعهم خارجها بجل الوسائل من إنهاء عقود الإيجار، بيع العقارات، إلى هدمها.
باختصار، تقرر السلطات التعامل مع الظلم الاجتماعي والطبقي الواقع على سكان هذه الأحياء؟ عبر تهجيرهم! في ظاهرة يسميها البعض تطهيرا اجتماعيا.
تصنيف «غير الغربي» - بالمناسبة - لا يشمل من ولدوا خارج أوروبا أو شمال أمريكا فقط، لكنه يشمل أيضًا من يتحدرون من أصول غير غربية، أي من كان آباؤهم مهاجرون أو ولدوا ببساطة في بقعة أخرى من العالم.
لطالما طالبت السلطات الأوروبية والمجتمع الأوروبي المهاجرين بأن يندمجوا. لم يعني هذا تعلم اللغة فحسب، بل الإلمام بالثقافة، التحلي بالقيم الغربية، والأهم من كل هذا، تعلم كيف تهتم بقمامتك عبر فصل البلاستيك عن الورق عن المخلفات العضوية.
اليوم ينظر الكثير من المهاجرين إلى سياسات الإدماج كتدبير اقتصادي فاشل يضع الموارد في تدخلات لا تعالج المشكلة؛ أي لا تحسن ظروف المعيشة على نحو يتيح للطبقات الدنيا أن تعيش حياة «الأغلبية»، تسكن في أحيائهم، وتحظى بالظروف والتعليم والوظائف التي تتيح لهم حظًا من الرفاه.
في الوقت نفسه، تتراجع السلطات عن مسعاها نحو الإدماج؛ لأن أصحاب الامتيازات أدركوا حاجتهم لطبقة مسحوقة، تعمل في الوظائف التي لا يريد أحد شغلها.
المفارقة أن ما كان مطلبًا للغربي، أي أن يُصبح المهاجر نسخة لا تهدد هوية البلد، صار - وإن كان على نحو تهكمي - مطلب المهاجر، أي نعم أريد ما يحصل عليه الغربي. فيما يبدو أنه تنويعة على النكتة الفلسطينية:
- «عُد من حيث أتيت»
- «حسنًا، أعيدوني من حيث أتيت»
لحسن الحظ أن سياسات كهذه يتم تحديها. حسب الغارديان، قضت محكمة العدل الأوروبية قبل أشهر بأن التشريعات المتعلقة بإعادة الإحلال «قد تنطوي على تمييز عنصري» بحسب قوانين الاتحاد الأوربي المتعلقة بالمساواة العرقية.
تكشف هذه السياسات - بجانب الفساد الأخلاقي لمشرعيها - فهمًا معوجًا لكيف تُبنى المجتمعات، وكيف تؤدي الظروف الاجتماعية-الاقتصادية مع قليل من التفضيلات إلى العزل الإثني على نحو عضوي مع مرور الوقت.
بكلمات أخرى، لا ينتج التكتل العرقي في الحواضر من رغبة المجموعة العرقية بأن تكون مفصولة، بقدر ما ينتج من تفضيل الأغلبية (والأقلية بالمثل) بأن يكونوا محاطين بمن يُماثلهم، مهما كان هذا التفضيل طفيفا. هذا بالطبع بالإضافة إلى الحقيقة البسيطة بأن الناس تسكن المناطق التي يستطيعون تحمل تكاليف المعيشة والإيجارات فيها.
نتذكر هنا «نموذج شيلينغ» للفصل العنصري. أراد الاقتصادي الأمريكي توماس شيلينغ التحقيق في الكيفية التي يحصل بها الفصل العنصري حتى مع غياب المؤثرات الخارجية التي تفرض على الأفراد هذا العزل، مثل قوانين «جيم كرو» في أمريكا.
كشف نموذجه أن وجود تفضيل - وإن كان طفيفًا - للفرد تجاه مجموعته، يعني إنتاج مجتمع يتسم بالفصل. فمجرد أن يكون لدى الأفراد تفضيل بأن يكونوا محاطين بجيران ينتمون إلى مجموعتهم (مثلا: أن يفكر الغربي بأنه يريد أن يسكن شقة بحيث يكون محاطا بغربيين بنسبة تعلو قليلا عن النصف) يؤدي على نحو طبيعي تمامًا إلى نشوء أحياء تتكتل فيها المجموعات.
يهمنا أن تبقى هذه القضية في الحسبان حتى وإن نجحت المداولات القانونية في إلغاء تشريعات الإسكان العنصرية؛ لنعرف كيف يُفكر بنا، وإلى أي حد يرى الغربي بأن له حق التصرف في حيواتنا سواء على أراضينا أو على أرضه.
وكيف يُعاد تدوير الآليات الاستعمارية التي فُرضت داخل المستعمرات ضد المهاجرين أو السكان الأصليين في البلدان ذات التاريخ الاستعماري. فتتقنع العنصرية ورفض ثقافة الآخر بقناع حماية النسيج الاجتماعي، ويُنتزع الأطفال من آبائهم في تدخلات تدعي حماية الطفل على اعتبار أن من أنجبوهم لا يملكون أهلية الأبوة، ويذهب بيت الطفولة والحي الذي لم يعرف غيره الإنسان هكذا، دون احترام للذكريات أو اعتبار للكرامة البشرية.
والمفارقة أن الذهنية العنصرية التي تبني الغيتوهات وتصر على العزل والفصل، هي نفسها التي تُفكك الغيتوهات. تختلف التبريرات والإجراءات حد التعارض لكن الضحية والنتيجة واحدة.