جهاز الرقابة المالية والإدارية التوعية والشراكة أولًا
18 أغسطس 2026
18 أغسطس 2026
تواجه أجهزة الرقابة المالية والإدارية في الدول النامية تحديات متزايدة بفعل التحولات السلوكية والتطورات التقنية التي أفرزت أنماطا جديدة من التعدي على المال العام، ولا تقف تداعيات هذه التحديات عند اتساع نطاق الفساد، وإنما تمتد إلى التأثير في تصنيف الدول على مؤشرات التنافسية والنزاهة، وهي مؤشرات تحرص الحكومات على تحسين موقعها فيها لما لذلك من أثر في سمعتها ومصداقيتها، وتهيئة مناخ إيجابي جاذب للاستثمار، إلى جانب ترسيخ الثقة بين الرأي العام والحكومة.
ومن خلال المتابعة في السنوات الست الماضية شهد جهاز الرقابة المالية والإدارية في سلطنة عمان تطورا كبيرا على صعيد الرقابة والشراكة المجتمعية، وأصبح التقرير السنوي الذي يقدم للمجتمع أو ما يسمى بـ «ملخص المجتمع» صورة مميزة عن أعمال الجهاز على صعيدي الرقابة والتوعية.
إن مهام جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة عديدة ومتشعبة وتصب في ترسيخ مبدأ النزاهة والحفاظ على المال العام.
وحتى تتحقق الأهداف الأساسية لأي جهاز رقابة لا بد من الاهتمام بالتوعية المجتمعية وإيصال الرسالة الأساسية من خلال الفعاليات المختلفة، إلى جانب الدور الإعلامي، وهذا جانب مهم يتحقق من خلال غرس القيم والسلوكيات الإيجابية، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على أداء جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة.
لقد توسعت عمليات الفساد على صعيد العالم بشكل عام، وفي الدول النامية بشكل خاص، ويعود ذلك إلى عدد من العوامل، من أهمها انعدام الضمير، واستغلال التقنية، واستغلال المواقع القيادية، إلى جانب عوامل أخرى ترتبط بالبيروقراطية وترهل الأجهزة الإدارية والمالية، علاوة على ضعف الأجهزة الرقابية.
وعلى ضوء ذلك، تم تسجيل ضياع مليارات الدولارات من المال العام خلال السنوات الماضية، حتى غدت أشبه بمعركة حقيقية لمواجهة ما يخلّفه من سلوكيات سلبية وممارسات تقود إلى الكسب غير المشروع والإضرار بالمصالح العامة.
وتأتي الشراكة المجتمعية التي ركز عليها جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة ضمن فلسفة عمله، باعتبارها أحد المسارات المهمة لتحصين المجتمع ورفع مستوى وعيه بأهمية حماية المال العام، إذ إن وصول المجتمع إلى درجة عالية من الفهم والحرص على المال العام، وتكريس مفهوم النزاهة، يقلل بلا شك من ظهور الممارسات المرتبطة بالفساد وتحولها إلى ظاهرة يصعب احتواؤها، كما يحدث في عدد من الدول.
ومن هنا يحرص جهاز الرقابة على المشاركة في الفعاليات الجماهيرية من خلال المهرجانات السنوية في المحافظات، ويشكل مهرجان ظفار السياحي السنوي تظاهرة مجتمعية كبيرة مع وجود عشرات الآلاف من السياح من داخل سلطنة عمان ومن الدول الشقيقة والصديقة، ولهذا يقوم جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة بتنظيم فعاليات توعوية، كالمحاضرات التي تقدم للجمهور مختلف المعلومات عن دور الجهاز، خاصة فيما يتعلق بالجوانب التشريعية والقانونية، إلى جانب نشر ثقافة المعرفة عن الأدوار المتعددة والحيوية التي يقوم بها جهاز الرقابة، والتي حقق من خلالها إنجازات كبيرة خلال السنوات الماضية ولاقت إشادة مجتمعية، وكذلك إشادة خارجية من خلال المؤتمرات العربية والإقليمية والدولية التي يشارك فيها. وتعد تجربة الجهاز تجربة مميزة في ضوء التحديات التي أشرنا إلى بعضها، والتي تواجهها أجهزة الرقابة في العالم بسبب التطور التقني وما يصحبه من ممارسات سلبية واستغلال الثغرات.
ومن هنا فإن موضوع الشراكة المجتمعية والتوعية ونشر مفاهيم النزاهة والشفافية يمثل خطوات في غاية الأهمية، وهو ما يعمل عليه جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة. ولا شك أن تنفيذ الورش التوعوية والمحاضرات ضمن فعاليات مهرجان ظفار السياحي أمر إيجابي، خاصة مع ما تشهده هذه الفعاليات من كثافة جماهيرية كبيرة.
إن التقرير المجتمعي السنوي الذي يصدره الجهاز أصبح أحد الإنجازات السنوية المهمة، إذ يحرص الجميع على معرفة ما يتضمنه من معلومات، والاطلاع على الجهود الكبيرة التي يبذلها مسؤولو وموظفو الجهاز، وما يقومون به من أدوار مقدرة ومضنية.
ويبقى الهدف هو نشر الوعي المجتمعي والاطلاع على مسار العمل الرقابي الذي يقوم به جهاز الرقابة المالية والإدارية، وهي مهام ليست سهلة، وتحتاج إلى تطوير مستمر لمهارات الأداء خاصة مع التطور المتسارع في الجانب التقني.
إن جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة يؤدي أدوارا مهمة، ليس فقط في الحفاظ على المال العام، وإنما أيضا من خلال الشراكة المجتمعية ونشر التقرير السنوي حول جهوده وعملياته المختلفة، خاصة أن مسؤوليات الجهاز تشمل أجهزة الدولة المختلفة ومؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.
ومن هنا تتضاعف مسؤولياته، ومع ذلك فإن وجود التشريعات والقوانين النافذة يساعد الجهاز على تنفيذ خططه وأهدافه النبيلة مع تواصل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتنفيذ المخطط الاستراتيجي لسلطنة عمان رؤية «عمان ٢٠٤٠» حيث إن الخطط الخمسية وتنفيذ المشاريع الكبرى في المحافظات تحتاج إلى رقابة صارمة للحفاظ على المال العام ومقدرات الوطن.
إن نشر قيم النزاهة والشفافية والتعريف الأدوار الرقابية التي يقوم بها جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، يعد من الخطوات الحيوية لتبصير المجتمع، خاصة على صعيد القوانين والتشريعات التي ينبغي على المجتمع أن يكون على قدر من الفهم والدراية بها، فالثقافة القانونية تعد من الأمور الأساسية في الحياة بهدف التعرف على مهام الجهاز من خلال نشر التوعية.
ولا شك أن نشر تقرير المجتمع السنوي في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة يساعد على إيجاد فهم مشترك، وعلى ترسيخ ثقافة النزاهة وضرورة الحفاظ على المال العام، وهذا الدور التوعوي من شأنه أن يساعد على تقليل قضايا الفساد عاما بعد عام، وهذه مسألة في غاية الأهمية، لأنها تعمق مفاهيم الشراكة المجتمعية وترفع مستوى الفهم والوعي إلى مستويات متقدمة.
ومن هنا فإن جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة يعد صمام الأمان فيما يخص الرقابة على حفظ مقدرات الدولة، من خلال خطط وبرامج ومستهدفات تنفذ بشكل دقيق. ويبذل مسؤولو وموظفو الجهاز أدوارا كبيرة في مهنة تحتاج إلى مهارات وجهود ليست سهلة.
ومع تواصل الشراكة المجتمعية، سينعكس ذلك إيجابا على الأداء العام للجهاز، بما يحقق المزيد من الإنجازات الوطنية في مجال الرقابة المالية والإدارية، وكذلك في مجال التوعية بما يصون حقوق الدولة والمجتمع، من خلال منظومة تعمل بشكل متناغم وشفاف يعود أثرها بالخير والازدهار للوطن والشعب العماني الكريم، في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-.
