هل تتبنَّى البلدانُ الأخرى استراتيجيةَ الطاقة الصينية

19 أغسطس 2026
19 أغسطس 2026
ترجمة: قاسم مكي

على مدى عشرين عاما ظل واضعو السياسات في الصين مشغولين بتقليل اعتماد بلدِهم على استيراد النفط والغاز وما يترتب عن ذلك من ضعفِ وضعِها إذا تعرضت لحصار بحري في أي حرب مستقبلية مع الولايات المتحدة.

في عام 2003 تحدث رئيس الصين هو جنتاو عن هذا الضعف ووصفه بأنه «معضلة مَلَقَة». وحذر من أن قوى كبرى معيَّنة تنوي السيطرة على ذلك المضيق. كما نُقِل عنه قولُه «ليس مبالغة القول إن من يسيطر على مضيق ملقة ستكون لديه أيضا قبضة خانقة على طريق نقل الطاقة إلى الصين».

منذ ذلك التاريخ ركزت الاستراتيجية العسكرية للصين على تحديث وتوسيع بحريَّتِها لحماية طرق الإمداد. وفي جانب الطاقة عززت إنتاجها وشجعت على تعظيم كفاءة استخدامها وتحولت إلى أنواع وقود بديلة وتوسعت في استخدام السيارات الكهربائية ونوّعت مصادر وارداتها وكدَّست مخزونات استراتيجية ضخمة.

في نهاية الأمر، جعلتها استعداداتُها لحربٍ محورُها تايوان ومضيق ملقة أقل تأثرا بالحرب في الشرق الأوسط. فقد تجنبت الصين إلى حد كبير قفزات الأسعار وتقنين استهلاك الوقود على نحو ما حدث في البلدان الآسيوية الأخرى.

في الغالب سيستنتج واضعو السياسات الصينيين صوابَ مقاربتهم. وهذا سيشجعهم على مضاعفة الرهان على استراتيجيتهم. أيضا من المرجح أن تتجه البلدان الأخرى في آسيا وباقي العالم إلى استنساخ عناصرها مما سيقود إلى إعادة تشكيل أسواق الطاقة.

تشمل عناصر هذه الخطة أو الاستراتيجية الإنتاجَ المحلي للطاقة وإشاعة استخدام الكهرباء وتنويع مصادر الإمداد والتخزين، وسنتناولها تباعا.

أولا، الإنتاج المحلي للطاقة. تَعتبِر بكين ثروةَ موارد الصين غنية بالفحم الحجري وفقيرة من النفط وينعدم بها الغاز؛ تبعا لذلك تستورد الصين 10% من استهلاكها من الفحم، و40% من الغاز وأكثر من 70% من احتياجاتها النفطية.

ولتقليل الحاجة إلى الواردات؛ شجعت الصين على إنتاج المزيد من الغاز من سيشوان في الجنوب الغربي وشينجيانغ وشانشي ومونغوليا الداخلية في الشمال.

في الأثناء تستكشف الصين النفط في بحر بوهاي وتقلص استهلاك المنتجات البترولية، وتشيع استخدام موارد الطاقة المتجددة كالماء والشمس والرياح بأسرع ما يمكن مع استخدام الفحم الحجري كركيزة أساسية لضمان أمن الطاقة.

ثانيا، إشاعة الكهرباء؛ توسعت الصين في استخدام السيارات الكهربائية ومركبات الطاقة الجديدة بوتيرة أسرع من أي بلد آخر. وهي تُغنيها عن الحاجة إلى استهلاك حوالي مليون برميل من البنزين والديزل في اليوم. لكن مع «كهربةِ» المزيد والمزيد من السيارات ستزداد هذه الكمية الفائضة من الوقود إلى أربعة أضعافها أو أكثر من 4 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2035، وفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية.

تفترض الخطة الخمسية الحكومية رقم 15 في الصين بلوغَ استهلاكِ النفط ذروته قبل نهاية هذا العقد. وربما وصل الطلب على البنزين والديزل إلى الذروة سلفا.

ثالثا تنويع مصادر الإمداد؛ تتوقع الصين استمرار اعتمادها على الواردات في المستقبل المنظور، لذلك شجعت الحكومة تنويع طرق الإمداد فما تعكف على تطوير علاقات ودية مع قطاع عريض من المصدِّرين.

قبل الحرب استوردت الصين ما يقارب 60% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، لكن تلك الحصة أقل كثيرا مما تستورده اليابان (أكثر من 90%) ومعظم البلدان الأخرى في المنطقة، وحصلت على 54% من وارداتها من الغاز عن طريق البحر ولكن 17% منها فقط جاءت من الشرق الأوسط ومعظم الباقي من روسيا وأستراليا. وما يقارب نصف واردات الغاز يصلها عن طريق البر بواسطة خط أنابيب من روسيا وآسيا الوسطى، مما يحصِّنها من الحصار.

كما سعت الصين إلى «توسيع دائرة الأصدقاء» في مجال الطاقة وتطوير علاقاتها مع السعودية والإمارات والعراق وقطر وأيضا إيران. نتيجة لذلك؛ كانت الناقلات التي ترفع علم الصين والمتجهة إليها يُسمح لها في غالب الأحايين بالمرور عبر الحصار في الخليج والبحر الأحمر.

رابعا، التخزين؛ لدى الصين أحد أكبر مخزونات النفط في العالم، الحجم الفعلي لمخزونها من أسرار الدولة، لكن قبل الحرب كانت الصين تستورد ما يزيد بحوالي مليون برميل في اليوم عن النفط الذي تكرره مصافيها، وتضيف الكثير من الباقي إلى المخزونات الاستراتيجية والتجارية.

يُقدَّر إجمالي المخزونات في الصين بأكثر من بليون برميل. وهو ما يكفي لإحلال الواردات بالكامل لما يزيد عن 100 يوم. أيضا لدى اليابان وكوريا الجنوبية مخزونات ضخمة قبل الحرب. لكن في معظم بلدان المنطقة المخزونات أقل بكثير. وفي بعض الحالات لا توجد تقريبا.

سحبت الصين من هذه المخزونات للحفاظ على مستوى إمداداتها المحلية من الوقود. وهبطت وارداتها النفطية بأكثر من 1.3 مليون برميل في اليوم في أول ستة أشهر من العام الحالي. لكن إمدادات الوقود ظلت مستقرة بشكل عام.

تخطط الآن البلدانُ الأخرى في آسيا لزيادة كبيرة في مخزوناتها من النفط بهدف تجنب مشاكل الإمداد في المستقبل.

لقد كشفت حرب إيران عن قيمة سلاسل التوريد المتنوعة والاحتياطيات الاستراتيجية. هذه دروس طبقتها الصين خلال العقدين الماضيين وتتعلمها الآن «بطريقة مؤلمة» باقي بلدان المنطقة.