ما الدافع إلى «الخروج» الإسرائيلي الجديد؟

18 أغسطس 2026
18 أغسطس 2026
ترجمة: أحمد شافعي

في الأيام الأولى التالية لهجمة حماس في السابع من أكتوبر سنة 2023، شهدت إسرائيل أمرا فريدا، تمثل في أن آلافا من اليهود المقيمين في أرجاء العالم قد سارعوا إلى الرجوع إلى الوطن لكي يكونوا متاحين للخدمة العسكرية أو لمساعدة بلدهم بطرق أخرى.

ولكن بعد مرور قرابة ثلاثة أعوام، بات واضحا أن هناك نزعة أكبر تمضي في اتجاه مغاير. فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أخيرا أن إسرائيل تشهد نزوحا سكانيا غير قليل، إذ خرج من البلد مائة وخمسون ألفا من الإسرائيليين منذ عام 2023.

وفي تغطيتها لذلك الأمر وضعته الصحيفة البريطانية في إطار مسألة «الخروج الجماعي من إسرائيل». وبرغم أن هذا التصوير ينطوي على قدر من المبالغة، فما من شك في أن القضية نفسها مثيرة للقلق وإن يكن لأسباب غير تلك التي يتصورها أغلب المراقبين العاديين.

غالبا ما يجري تصوير السبب الأساسي في النزوح بأنه الضجر من الحرب (وكذلك هو الحال إلى حد كبير في تأطير صحيفة فايننشال تايمز). فبعد أكثر من ألف يوم من الحرب التي تخوضها إسرائيل على عدة جبهات ضد إيران ووكلائها، بدأت هذه الحرب تسفر عن خسائر في الروح المعنوية، كما أن الإسرائيليين شرعوا على نحو متزايد في التعبير عن تلك المشاعر بالأفعال لا بالأقوال.

وثمة قدر من الصواب في هذه الملاحظة بلا أدنى شك. لكن إسرائيل في الوقت نفسه تأتي في مصاف أسعد البلاد على ظهر الأرض، إذ إنها تحتل المرتبة الثامنة في العالم ضمن التصنيف العالمي الأخير، وذلك على الرغم من ثلاثة أعوام من خوضها الحرب. بما يعني أن الإسرائيليين، بعبارة أخرى، وبشكل أساسي، محاربون سعداء.

وإذن فماذا يكون تفسير هذا التحول الديمغرافي الراهن؟ ينطبق على هذا الوضع القول القديم بأن «السياسة كلها محلية»، لأن النزوح السكاني الإسرائيلي يضرب بجذوره في أسباب محلية عديدة.

السبب الأول هو استمرار غياب المحاسبة. فكثير من الإسرائيليين الذين تحدثت إليهم يشعرون بإحباط بالغ من الرفض المستمر الذي يبديه الائتلاف الإسرائيلي الحاكم لتحمل المسؤولية عن الإخفاقات المؤسسية التي أدت إلى هجمات السابع من أكتوبر 2023، وقد شهد ذلك اليوم أكبر عدد لقتلى من اليهود في حدث واحد منذ الهولوكوست. وهو الأمر الذي يمثل انحرافا تاريخيا.

فحينما أخفقت حكومة رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدا مائير في توقع حرب السادس من أكتوبر (يوم كيبور) 1973 على سبيل المثال، فإن محاسبة ما بعد الصراع (التي تمثلت في تحقيق لجنة أجرانات الوطنية) قد شهدت انهيار حكومتها. أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يقود البلد منذ جيل كامل فيأبى الانصياع للجنة مستقلة مماثلة، ويسعى بدلا من ذلك إلى بديل سياسي تتمكن حكومته من خلاله من إدارة التداعيات المحتملة على نحو أفضل.

والسبب الثاني يتعلق بالتفاوت في المشاركة العسكرية. فحينما صاغ ديفيد بن غوريون ـ الذي يعد الأب المؤسس لدولة إسرائيل الحديثة ـ الوثيقة المدنية التأسيسية لإسرائيل سنة 1948، أدرج فيها بوضوح إعفاء الطلبة الأرثوذكس المتشددين دينيا من الخدمة العسكرية ليضمن بذلك مشاركة مجتمع الحريديم في المشروع الوطني الجديد. وفي ذلك الزمن، كانت تلك جماعة ضئيلة، لا يتجاوز عددها المئات. أما في العقود التالية فقد تضخمت هذه الجماعة تضخما هائلا حتى بات اليهود الأرثوذكس المتشددون يمثلون اليوم 14% من عدد سكان إسرائيل المقدر بعشرة ملايين.

ولقد أدى هذا النمو إلى أن بات الانخفاض الشديد في معدل المشاركة العسكرية لشباب هذه الفئة من المجتمع أمرا يستحيل تجاهله. فازداد استياء فئات المجتمع الإسرائيلي الأخرى من فئة المتشددين دينيا، إذ تعي هذه الفئات من واقع تجاربها المباشرة أن عبء الخدمة العسكرية المطولة غير موزع بالتساوي في الوقت الراهن.

وفي الوقت نفسه، تحظى الأحزاب الدينية حاليا بقبضة محكمة على السياسة الوطنية إلى الحد الذي مكَّنها من أن تحبط المساعي المتكررة لتوسيع نطاق اشتراطات الخدمة العسكرية والوطنية حتى تشمل اليهود الأرثوذكس المتشددين.

والسبب الثالث هو الحاجة إلى نهج حربي جديد. فقد كان الجيش الإسرائيلي تاريخيا يسعى إلى خوض حروب قصيرة حادة تمضي بالصراع إلى أعدائها في أراضيهم وتنتهي بأكبر قدر ممكن من السرعة، لتعويض افتقار البلد إلى العمق الاستراتيجي. وقد ثبتت فعالية هذا النهج في (حملة سيناء) سنة 1956، وفي (حرب الأيام الستة) سنة 1967 وفي صراعات كثيرة أصغر حجما.

لكن هذا النهج لا ينطبق على غزة، حيث تتورط إسرائيل حاليا في مهمة حربية غير نظامية وطويلة.

وفي الوقت نفسه، فإن حربها الاستكشافية على إيران، وحزب الله في لبنان، وعلى أهداف أخرى من قبيل الحوثيين في اليمن، قد حاصرت البلد في حالة حرب مستمرة تمثل تحديا لجيش البلد القائم وتحديا أكبر لقوات الاحتياط فيه. وهذا هو السبب في أن الخبراء الاستراتيجيين المشهود لهم، ومنهم زميلي إران أورتال، يزدادون طعنا في عقلية «الحرب الشاملة» الراهنة.

يتضح جليا من هذه الضغوط أن نزوح إسرائيل السكاني يتعلق بما هو أكثر كثيرا من محض الضجر من الحرب. فهو يمثل أيضا مقياسا للثقة، الثقة في قيادة البلد السياسية والثقة في العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه المجتمع الإسرائيلي. وإذن فالسؤال الحقيقي لا يتعلق ببساطة بعدد الإسرائيليين الراحلين، وإنما بالظروف التي تدفعهم إلى ذلك وبما لو أن بالإمكان حلها.

وهذا هو السؤال الذي يزداد حضورا بينما يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع.

إيلان بيرمان نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأمريكية في واشنطن وخبير الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط ووسط آسيا والاتحاد الروسي.

عن ذي ناشونال إنتريست