عندما أراد راسكولينكوف بطل رواية (الجريمة والعقاب) للكاتب الروسي دوستويفسكي أن يرتكب جريمة قتل العجوز المرابية كان يفكر في إيجاد عذر يخوله ارتكاب الجريمة.
وبينما هو يمشي في الطريق شاهد فتاة شابة ثملة محطمة، ومتهالكة، وهنا ومضت في رأسه الفكرة التي تتحدث عن النسبة المئوية من الشعب التي لا بدّ أن يضحى بها كل عام (للشيطان على أغلب الظن) في سبيل راحة الآخرين.وهكذا تسلح القاتل بذلك العذر وارتكب جريمته.
إن فكرة التضحية بالأكثرية لإسعاد الأقلية هي فكرة متجذرة عبر التاريخ البشري، ووجدت في كل الحضارات البشرية. وكما كل الثنائيات التي تحكم الكون كالخير والشر والليل والنهار والبرد والحر والغنى والفقر، والأبيض والأسود، والأغلبية والأقلية، وغيرها من الثنائيات.
وتتعدد أشكال الأقليات، فقد تكون الأقلية على المستوى العائلي، أو القبلي والعشائري، أو داخل الدولة نفسها، كحكم قبلية واحدة تمثل أقلية تتحكم في قبائل متعددة ومتنوعة.
وقد يتعدى شكل الأقلية الأولغارشية ليشمل فئات أو مجموعات سواء أقلية عرقية أو دينية، أو مجموعة من الأغنياء تملك المال والثروة ووسائل القوة، أو السلطة والنفوذ.
ظهرت الكثير من الأوليغارشيات في العديد من دول العالم، مثل الأوليغارشية الروسية التي ازدهرت في فترة يلتسن، والأمريكية والبريطانية وغيرها من الدول، وفي بعض الدول العربية. ويتسع مفهوم الأقلية الأوليغارشية ليشمل دولا وأنظمة تعتبر أقلية أوليغارشية تتحكم بأغلبية دول العالم.
وتمارس هذه الأوليغارشية العالمية فلسفة خاصة بها على إخضاع الأكثرية متبعة في ذلك نهجا واستراتيجية قائمة على تسخير كل شيء لصالحها لتنعم هي دون سواها بالسعادة والرفاهية.
فلسفة لها قوامها ونسقها وعقيدتها ومبادئها الراسخة، نسق مختلف عن القيم الإنسانية والدينية والأخلاقية. ويكمن تفكير الأقلية ومنطقهم في أن كل شيء ممكن ومباح ولا حدود للإباحة، من أجل سعادتهم وإشباع غرائزهم. إذ ليس بالضرورة أن تكون السعادة لمن يملك المال والقوة والنفوذ، فقد تكون السعادة فيما لا يملكونه، ولو كان قليلا وتافها.
ذلك النقص هو ما يريد إشباعه، وربما يكون في القتل أو أكل لحوم البشر أو ممارسة الشذوذ والبغاء. وانتشرت لهذا الغرض جماعات تدميرية كالماسونية والصهيونية والرأسمالية المتوحشة في مرحلة متقدمة من مراحل تطورها وغيرها. «كل شيء يمكن أن يدمر» كما ذكرت حنة أرندت.
وتضيف أرندت «يقضى بالضرورة على كل أثر مما تعارف الناس على تسميته بالكرامة البشرية»، وأن «نتصرف على أساس نسق من القيم، مختلف اختلافا جذريا عن كل الأنساق الأخرى». بل يمكن القول إن هذه الجرائم المتواترة في كل حروب الغرب ضد الآخر، يعتبرها حقًا من حقوق الإنسان الأبيض، وذلك ما لا يمكن معرفته إلا بالنظر في ممارسات الغرب ضد الشعوب المستعمرة.
تعمل هذه الفلسفة على وضع الاستراتيجيات وحياكة الخطط الجهنمية، وابتداع وسائل التحكم والسيطرة، كاستخدام الجوع والتدمير الذاتي الممنهج كوسيلة للإبادة الداخلية والنفسية. والديمقراطية في مرحلة من المراحل تصبح إحدى الوسائل الناجعة التي استطاعت الأقلية أن تحورها لصالحها وتستخدمها وسيلة لتتحكم الأقلية بالأغلبية.
ولكن يبقى المال والسلطة هما عصب وجوهر وسائل التحكم والتسلط الذي تمارسه الأقلية الأوليغارشية على الأكثرية. الهدف من التضحية بالأكثرية هو إرضاء الأقلية وإشباع رغباتها، وذلك لاعتقاد الأقلية بأن الأكثرية تزاحمها في قوتها وراحتها.
ورغم خطورة تحكم الأقلية بالأكثرية في الدولة نفسها، إلا أن ذلك قد لا يساوي شيئا بالنظر إلى تلك الأقلية الأوليغارشية العالمية التي تشكل أقلية عابرة للحدود تتحكم بالدول الباقية، ويتعدى ذلك التأثير تلك الأوليغارشية من التحكم في القرار الداخلي لهذه الدول، إلى التحكم في مصائر الدول والشعوب وتحوير قرارات لصالحها، ويتجلى ذلك فيما تشكله الأوليغارشيات الأوروبية، أو الأوليغارشية الأمريكية (عصابة واشنطن) كما سماها إيمانويل تود في كتابه (هزيمة الغرب) وهي المؤسسة الجيوسياسية الأمريكية (الكتلة الهلامية) التي تتحكم وتدير السياسة الخارجية لهذه القوة العليلة التي صارت إليها أمريكا حسب ما ذكره تود.
ويمثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أتى من نادي الأثرياء العقاريين، ومجموعة الأثرياء الذين يحيطون به، أقلية أوليغارشية تتحكم بالشعوب المستضعفة منها خصوصًا؛ بما يملكونه من المال والتكنولوجيا والشركات، والإعلام.
ومن الأفكار التي تقوم عليها الأوليغارشية العالمية فكرة التقليل من البشر وتقليص عددهم ضمن استراتيجية وضعها الأقوياء، بوسائل أكثر نعومة تهدف في النهاية لإبادة أغلبية البشر.
كما تحدثت وتتحدث عن الكثير من التقارير والدراسات، وبشكل واضح عن ذلك الهدف الساعي إلى تقليل أعداد سكان العالم بعدما ضاقوا ذرعًا بالزيادات المتصاعدة لسكان الكوكب، فعمدوا إلى إشعال الحروب وابتكار الكوارث، ومنها نشر الأمراض والأوبئة يضربون من خلالها عصفورين بحجر واحد كما يقال، قتل أكثر عدد من البشرية وبيع الكثير من الأدوية وجني الكثير من الأموال.
ما يعيد للأذهان تلك الأقاويل التي راجت ولا تزال تطرح إبان انتشار جائحة كورونا.
إن ما فعلته أمريكا وأوروبا في حرب إبادة غزة، ليس إلا فصلًا من فصول فلسفة الأقلية.
ترامب والغرب من ورائه، يمعن في القتل والتدمير والإبادة ليس إلا لرضاء شهوته وغطرسته وهو ليس إلا تطبيقًا ممنهجًا لتلك الفلسفة. وما طبقته إسرائيل كدولة أقلية أوليغارشية لا ترى في الإنسان الفلسطيني الذي يمثل الأغلبية إلا حيوانات بشرية، لا يستحقون الحياة، ويجب إبادتهم، لتنعم الأقلية الإسرائيلية بالحياة والسعادة.
كما صرح أحد القادة الإسرائيليين بأنه سوف يبيد الفلسطينيين ليحل محلهم الرجال ذو البشرة البيضاء وهكذا أباد نتنياهو وصهاينته أهل غزة، بل الفلسطينيين تحت مرأى العالم، فقط لأجل أن يعيش أقلية من اليهود الصهاينة منعمين سعداء طلقاء.
وليس بالضرورة أن تعني الإبادة هو القتل الفيزيولوجي، بل يتعدى ذلك إلى القتل المعنوي والنفسي وسلب ذات الإنسان وجعله حياة بلا معنى. ما تفعله أمريكا وإسرائيل والغرب عموما وهم أقلية بين دول العالم ليس بعيدا عن هذه السياسة فهم يدمرون كل شيء ولا بأس حتى أن يقتلوا ملايين البشر وخصوصًا في الدول الأكثرية الفقيرة للاستيلاء على ثرواتهم لتنعم الأقلية بحياة رغيدة.
في الاتجاه نفسه، لم تكن جزيرة جيفري إبستين والفضائح التي ارتكبت فيها والقرابين من مولدات فكره، بل هي استدعاء من تلك العقيدة الراسخة المترسبة لدى فكر الأقلية.
سياسة التوحش الذي تتبناه الأقلية لا يردعهم في ذلك أي رادع، لا أمم متحدة ولا شرائع وقوانين دولية إنسانية ولا اتفاقيات ثنائية أو جماعية، ففي شريعة هذه الأقلية كل شيء مباح ومستساغ. أقلية منزوعة الضمير منفلتة اللجام لا ينضبطون ولا يرتدعون، عديمو الضمائر.
د. بدر الشيدي قاص وكاتب عماني