التضخم المستورد: تحليل اقتصادي لأسباب ارتفاع الأسعار

17 أغسطس 2026
17 أغسطس 2026

تشهد الأسواق المحلية خلال هذه الفترة ارتفاعا في بعض السلع والمنتجات لا سيّما المستوردة من خارج سلطنة عُمان، ومنها أسعار مواد البناء وتحديدا مدخلات البناء الأساسية مثل الحديد والإسمنت، وبالتالي من المتوقع أن تؤدي هذه الارتفاعات التصاعدية في الأسعار إلى ارتفاع التكلفة الإجمالية للمشاريع الإنشائية. هذه الموجة من الارتفاعات تأتي في سياق أوسع يتمثّل في «التضخم المستورد» الذي أصبح تحديا هيكليا للاقتصادات النامية صغيرة الحجم المفتوحة على الاقتصادات الكبرى، التي تعتمد على المنتجات والسلع المستوردة.

التضخم المستورد بمفهومه الواسع هو ارتفاع المستوى العام للأسعار المحلية نتيجة لصدمات سعرية خارجية تنتقل عبر قنوات التجارة الدولية، وكون سلطنة عُمان من الدول التي تعتمد على استيراد مدخلات الإنتاج الصناعي والإنشائي، يجعل اقتصادها عرضة للتضخم المستورد من خلال تقلبات أسعار الطاقة، والأسواق العالمية، وتكاليف النقل أيضا، وبالتالي فإن الاختلال في سلاسل التوريد العالمية؛ بسبب الاضطرابات والصراعات على بعض المضائق، انعكس مباشرة على هيكل التكاليف المحلية، حيث من المتوقع أن يحدث تباطؤ في وتيرة المشاريع الإنشائية سواء العامة أو الخاصة نتيجة الارتفاع في سعر تشييد المتر المربع، وتباطؤ القطاعات المرتبطة بالبناء والتشييد.

إنّ ما يمر به العالم من متغيرات جيوسياسية بسبب الحروب والتوترات في بعض المناطق لا سيّما الحرب مجهولة الهدف والغاية في منطقة الخليج وما خلفته من تداعيات سلبية على أمن المنطقة واستقرارها لعقود طويلة وأدت إلى الإغلاق المتكرر لمضيق هرمز الذي يمر من خلاله 20 مليون برميل يوميا من النفط ويمثل 20% من الاستهلاك العالمي للطاقة، أدى ذلك لإيجاد حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة والمعادن، أسهم ذلك في ارتفاع أسعار صناعات الحديد والإسمنت والصلب التي تعد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وكذلك ارتفاع أقساط التأمين البحري وهوامش المخاطرة التي يضيفها الموردون؛ بسبب تصاعد المخاطر الجيوسياسية الناتجة عن استهداف السفن العابرة من مضيق هرمز، وبالتالي هذه العوامل جميعها ساعدت في ارتفاع أسعار منتجات الحديد والإسمنت عند وصولها إلى المستهلك النهائي.

إنّ الاضطرابات الهيكلية التي شهدتها السنوات الأخيرة في منظومة النقل البحري، أدت إلى ارتفاع كلفة الوقود المرتبطة مباشرة بأسعار الطاقة العالمية، وارتفاع تكلفة الشحن البحري؛ بسبب نقص المعروض من الحاويات وتعطل الموانئ الرئيسة في البلدان المتأثرة من إغلاق المضائق المائية لا سيما مضيق هرمز، وكذلك ارتفاع تكلفة الاستيراد بسبب إطالة زمن الدورة اللوجستية الناتج عن إغلاق أو توتر المسار الأقصر في الدورة اللوجستية، وبالتالي استهلاك كمية أكبر من الوقود الذي يشهد ارتفاعا في أسعاره نتيجة النقص الذي تشهده أسواق الطاقة العالمية، مما جعل تأثير التضخم المستورد غير مقتصر على منتجات الصلب والحديد والإسمنت ومواد البناء والتشييد وحسب، بل امتد إلى ارتفاع أسعار السلع الأولية، لذا إن ما يحدث يعكس وجود صدمة تضخمية شاملة ناتجة عن اختلال في عمليات الطلب والعرض العالمي، مما يفرض ضغوطا وتكاليف إضافية على جميع القطاعات الإنتاجية محليا.

المرحلة الحالية تتطلب الحد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة من ارتفاع أسعار مواد البناء والإنشاءات من خلال تأجيل قرارات البناء مؤقتا في ظل تصاعد الأسعار، والاتجاه نحو حلول سكنية بديلة أقل تكلفة مثل شراء المساكن التي تم تشييدها قبل ارتفاع الأسعار أو التوجه نحو قطاع الإيجار حتى لا تتأثر القدرة الشرائية للأسر.

من المهم أن تقوم هيئة حماية المستهلك في ظل التعرض للتضخم المستورد في أسعار مواد البناء بأدوار رقابية أكثر صرامة تجاه مستغلي الظروف الحالية في رفع أسعار السلع غير المتضررة بالتضخم المستورد عبر ضمان كفاءة السوق ومنع التشوهات من خلال مراجعة هياكل التكاليف والفواتير الاستيرادية للتأكد من موضوعية الزيادات التسعيرية، ومنع الاحتكار من خلال استغلال ظروف السوق في زيادة الأسعار بشكل مبالغ بنسب تتجاوز الارتفاع الفعلي للأسعار، وكذلك ضمان الاستجابة السريعة عبر قنوات التواصل للإبلاغ عن أي تجاوزات من قبل المنشآت وضمان التزامها بالسعر المحدد.

إن التعامل مع التضخم المستورد لا يمكن معالجته بأدوات السياسة الاقتصادية لا سيما النقدية، بل يتطلب معالجات تتكامل من خلاله السياسات العامة والرقابية والاجتماعية من خلال تسريع وتيرة تنفيذ الخطط الحكومية الداعمة لتنويع مصادر الدخل، ودعم الصناعات التحويلية؛ لتقليل الاعتماد على الاستيراد من خارج سلطنة عُمان وبالتالي تعزيز نمو الفائض في الميزان التجاري، أما في الجانب الرقابي فيتطلب تطوير أدوات الرقابة من خلال تفعيل آليات الرصد والاستجابة السريعة عبر مختلف قنوات التواصل؛ لعدم تحميل المستهلك تكاليف إضافية تتجاوز الواقع الفعلي للتكاليف، أما على المستوى المجتمعي فأعتقد أن من الضرورة إعادة التخطيط لمشاريع البناء والتشييد من حيث حجم المشروع والإضافات غير الضرورية، وفقا لمستجدات التضخم في بعض مواد البناء لا سيّما منتجات الحديد والإسمنت التي تمثل التكلفة الأكبر في البناء، وفي حال تحقق هذه المعالجات سنضمن سوقا محلية مستقرة، وقدرة شرائية تمكّن المواطن من الإيفاء بمتطلبات حياته الاجتماعية اليومية.