ماركو روبيو قادر على تعزيز السلام لكنه سيئ مثل ترامب

17 أغسطس 2026
17 أغسطس 2026
ترجمة: أحمد شافعي

يبدو العالم لمن ينظر إليه من العاصمة الأمريكية واشنطن وقد تأججت فيه النار، ولا تلام في ذلك موجات ارتفاع الحرارة غير المشهودة من قبل. ولكن حرب إيران المستعصية على الحل هي التي أحرقت دونالد ترامب إحراقا شديدا.

إذ فشلت حملته العسكرية فشلا ذريعا، ولا تزال أسعار الطاقة والغذاء ترتفع، وهزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي بنوفمبر تلوح في الأفق. وعلى نحو مهين رفضت إسرائيل هذا الأسبوع رفضا صريحا أحدث مقترحاته للسلام في غزة، وذلك بعد أيام قلائل من تهنئة ترامب لنفسه بتحقيق «فتح تاريخي».

وفي أوروبا تزداد هجمات روسيا على حلفاء الناتو جرأة، منذرة بتصعيد أوسع. وتمضي حرب أوكرانيا ـ التي تعهَّد ترامب بإنهائها ـ في عامها الخامس مع وقوع المدنيين من كلا الجانبين في ميادين القتل. وما هذه إلا الحرائق الكبيرة، لكن حرائق صغيرة كثيرة منتشرة أيضا.

لم نكن بحاجة إلى دبلوماسية فعالة مهنية بمثل احتياجنا إليها الآن، فتقدم يا ماركو روبيو، إنك وزير خارجية الولايات المتحدة وكبير الدبلوماسيين الأمريكيين.

وثمة تحديات قادرة ـ إن عولجت بنجاح ـ على أن تدفع ابن المهاجرين الكوبيين البالغ من العمر خمسة وخمسين عاما والسيناتور السابق عن ولاية فلوريدا إلى موقع الصدارة في عام 2028 حينما يجري السباق على الترشح للرئاسة داخل الحزب الجمهوري.

ثمة فرصة لروبيو كي يتحدى منتقديه الذين يصفونه بتابع ترامب المتملق، وتجعل منه رجل دولة عالميا مرموقا. لقد استهزأ به رئيسه إذ وصفه بـ«ماركو الصغير» و«الفاشل» خلال انتخابات 2016 التي كانا متنافسين فيها (ووصفه روبيو بالمحتال)، وها هي الفرصة تسنح لروبيو لأن يكبر، ويجترئ، ويثبت أنه ناجح.

وقد لا يكون الأمر كذلك.

يختلف روبيو عن وزراء الخارجية الأمريكيين في السنين الأخيرة من الشخصيات الثقيلة أمثال هيلاري كلينتن وأنطوني بلينكن وجون كيري الذين اشتهروا بالدبلوماسية المكوكية المفعمة بالطاقة. فليس لدى روبيو وقت كبير لـ«عمليات السلام»، ولكنه يستعرض القوة الأمريكية الغاشمة ليفرض حلولا حدية تعزز المصالح الأمريكية مثلما يراها ترامب.

وهذا نمط حديث من الإمبريالية، حيث يكون أمام الدول المستهدفة خيار واحد: إما أن تصبح دولا تابعة على غرار فنزويلا أو كوبا وجرينلاند عما قريب، وإما أن تتحطم.

وفي إيران ليست السياسة المتبعة هي تغيير النظام الحاكم، ناهيكم بإحداث صحوة ديمقراطية. فروبيو لا يسلك مسلك وسيط السلام بقدر ما يسلك مسلك الحاكم الاستعماري معتمر الخوذة الذي يطالب الحكام التابعين بالولاء التام.

في كلمته بميونخ في فبراير الماضي، أعلن روبيو عقيدته الرجعية الصقرية المؤمنة بالتفوق الأمريكي. نعى إلى الحاضرين انحدار «الإمبراطوريات الغربية العظيمة وقد تسارع بفعل ثورات شيوعية إلحادية وانتفاضات مناهضة للاستعمار»، وحذر أوروبا من مواجهة «انطماس حضاري».

وقال: إن الولايات المتحدة لا تريد حلفاء ضعفاء «يقيِّدهم الإحساس بالذنب والعار» من ماضيهم الاستعماري، إنما «نريد حلفاء فخورين بثقافتهم وتراثهم... وعازمين وقادرين معنا على الدفاع عن ذلك».

وبدا في ذلك تأكيد مألوف للهيمنة الأمريكية، لكنها خالية من الإيثار الزائف والتصنع. بدا أنه موت للدبلوماسية. وقد هاجم ترامب ثماني دول في العام الماضي. ولعل كوبا ـ وهي المسيطرة على هواجس روبيو ـ أن تكون الدولة التالية.

لعل مما يفسر عزوف روبيو عن المشاركة الشخصية في صنع السلام أن له دورا آخر مناقضا باعتباره مستشار الأمن الوطني لترامب. لقد رضي بقرار البيت الأبيض أن يعهد بالتفاوض بشأن أوكرانيا وفلسطين إلى مبعوثين هواة محدودي القدرة هما على وجه التعيين جاريد كوشنر صهر ترامب ورجل الأعمال المقرب ستيف ويتكوف.

وبصفة عامة، نأى روبيو بنفسه عن الاشتراك المباشر في محادثات إيران أيضا تاركا نائب الرئيس جيه دي فانس ومنافسه الرئيسي في 2028 يتلقى سهام النقد.

ونهج روبيو هذا، القائم على العمل من بعد، يوحي بالحسابات. أو لعله يفتقر إلى القدرات اللازمة. أو لعله لا يعرف بوضوح لنفسه، أي لماركو، رأيا في أي من هذه القضايا فيفعل ببساطة ما يمليه عليه ترامب الذي تتقلب إملاءاته.

وهذا التصور للسياسي الحربائي غير ذي المبادئ والآراء المتناغمة والبوصلة الأخلاقية القوية يؤكده سجله؛ إذ يعتقد مانويل رويج فرانزيا ـ كاتب سيرته ـ أن تقلب روبيو السياسي والشخصي ـ حيث تحول من مورموني إلى كاثوليكي ـ يوعز إلى حاجة تعتريه منذ الطفولة إلى الانتماء، وإلى أن يكون في جانب المنتصر، مهما يكن الثمن.

فقد كان السناتور روبيو صقرا فيما يتعلق بالصين. وهو الآن يسير على حبل تملق ترامب لبكين.

وكان ينتقد روسيا، والآن يسترضيها. وكان يناصر المساعدات الدولية، فما كاد يتولى سلطة حتى أجهز على هيئة المعونة الأمريكية، ويسعى الآن إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، وهي من أحجار الأساس في النظام العالمي.

وهاجم اتفاق أوباما النووي مع إيران. والآن يدعم اتفاقا من شأنه أن يقدم لطهران مزيدا من التنازلات. وحينما اتهمته الفاتيكان بخوض حرب غير أخلاقية وغير عادلة سافر إلى البابا في روما ليصحح مساره.

والمفارقة أو المأساة في لغز روبيو هي أن لديه القدرة على أن يحقق خيرا عظيما، لو أنه قرر النهوض لذلك. فروسيا فلاديمير بوتين في ميدان القتال وعلى المستوى المحلي أضعف في الوقت الراهن مما كانت عليه في أي وقت مضى منذ عام 2022. والرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي يفتقر إلى الصواريخ الاعتراضية والجنود والدعم السياسي.

وثمة فرصة للتوصل لوقف إطلاق نار يجمد الصراع، وهي سانحة للبلد الوحيد القادر على فرض ضغط ذي معنى على كلا البلدين، أي الولايات المتحدة. وبالمثل في إسرائيل يواجه مهندس إبادة غزة الجماعية والحروب الكارثية مع حماس وإيران وحزب الله ـ أي بنيامين نتنياهو ـ هزيمة في انتخابات أكتوبر.

فثمة فرصة نادرة للتخلي عن حماقات مجلس السلام الترامبي، وإيقاف العنف الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية، والشروع في بداية احتوائية جديدة قائمة على قرارات الأمم المتحدة.

ويمكن لوربيو أن يقدم للشرق الأوسط والاقتصاد العالمي والمستهلك الأمريكي ولنفسه خيرا كبيرا إذا ما تولى مسئولية محادثات السلام المحتضرة مع إيران وأحيا مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في يونيو وتصر طهران على أنها المسار الوحيد للخروج من مأزق مضيق هرمز.

وبذلك سوف يحظى روبيو بدعم متحمس من أغلب الأمريكيين والأوروبيين وحكومات دول الخليج ومنتجي الطاقة ورجال الأعمال وأنصار حركة ماجا المحقين في خوفهم من أن ترامب قد جر بلدهم إلى حرب أبدية أخرى. بل إن ترامب نفسه قد يشكر له هذا. فهو يعرف أنه في مأزق. وأنه بحاجة إلى من يمد له يد العون.

وحقيقة أن روبيو برغم موقفه القوي في ظاهر الأمر، لن يفعل على الأرجح شيئا مما سبق ذكره تجعله أخطر رجل في الإدارة الأمريكية بعد ترامب نفسه. فهو خطير لأنه يمكِّن ترامب وييسِّر له أسوأ غرائزه، مهملا واجبه. وهو خطير؛ لأنه يوفر احتراما فكريا زائفا لأوهام اليمين المتطرف فيما يتعلق بتفوق الولايات المتحدة المطلق. وهو في ذلك يفوق فانس الغارق في ملاسنات مواقع التواصل الاجتماعي الصبيانية، ومن «وزير الحرب» بيت هيجسيث القومي المتطرف الصاخب. روبيو خطير؛ لأنه قادر على أن يبدو متزنا، ولأن لديه فرصة في أن يكون الخليفة الذي يختاره ترامب ويورثه اسم ماجا.

ولكنه، قبل أن يحدث هذا، قد يتغير مرة أخرى. ولعله يعيد اكتشاف بعض المبادئ، ويعثر على عماد دبلوماسي، ويطفئ بعض الحرائق. لقد أظهر مرارا أن رؤاه قابلة للتبدل بلا حدود. فهو قادر على عمل أمور عظيمة. وقادر أيضا على أن يصبح مشكلة، مساويا في ذلك ترامب أو متفوقا عليه.