هل الفشل في إيران سيغيرالكيفية التي تخوض بها أمريكا حروبها؟
17 أغسطس 2026
17 أغسطس 2026
ترجمة: قاسم مكي
عندما بدأت حرب إيران في فبراير كان الإجماع وقتها أن قوة طهران العسكرية المتوسطة ونظامها الذي تعرّض للإضعاف في وضع هش على نحو فريد تجاه الحرب التي تدُار عن بُعد، وتُستخدم فيها التقنية الرفيعة، وهي التي تفضل أمريكا خوضها.
افترض العديد من المراقبين أن الولايات المتحدة معزَّزة بالذكاء الاصطناعي والذخائر الذكية ومنصات من شاكلة ناقلات الطائرات والطائرات الشبحية يمكنها إجبار إيران على الإذعان لمطالبها. وكل ذلك مع تداعيات سلبية قليلة نسبيا في الداخل الأمريكي.
وقتها حدّدتُ نتائجَ قليلة لهذه الحرب ستشير إلى أن هذا الأسلوب الأمريكي في خوضها لم يَعُد ينجح. فهو لن يحقق نصرا حاسما. وستنحرف الحرب عن أهدافها، وتنتهي إلى مساعي بناء دولة أو حرب عصابات وتكاليف اقتصادية لا يمكن تحملها باستمرار.
السؤال: ما هو الحكم علي هذا النوع من الحروب اليوم؟ عملياتيا هيمنت الولايات المتحدة في أول ستة أشهر. لقد نفذت أكثر من 1300 ضربة. وقضت على القوة الجوية الإيرانية ومعظم الأسطول البحري الإيراني واغتالت المرشد الأعلى وجزءا كبيرا من قيادة الحرس الثوري الإسلامي، وفرضت حصارا على الموانئ.
دمرت الحرب الاقتصاد الإيراني وترتبت عنها آثار فورية على معدل التضخم وندرة الموارد وتكاليف إعادة بناء تقدر بحوالي 200 بليون إلى 300 بليون دولار.
لكن الولايات المتحدة عجزت عن تحقيق نصر حاسم؛ فالمتشددون ظلوا في سدّة الحكم في إيران. ومستقبل برنامجها النووي الذي ربما تضرر بواسطة الضربات الأمريكية والإسرائيلية غير واضح.
توقفت مفاوضات وقف إطلاق النار، فإيران واصلت قصفها الصاروخي للقوات الأمريكية والمنطقة، ولا يزال الإبحار عبر مضيق هرمز، والآن في البحر الأحمر، في خطر.
قد يكون النجاح الاستراتيجي الأمريكي غير واضح، لكن من اليسير حساب التكلفة العملياتية. فقد قتل 18 من العسكريين وجرح 624 على الأقل. هذا العدد أصغر بكثير من الخسائر في الحروب البرية في العراق وأفغانستان وفيتنام. لكنه أكبر بكثير من آخر عملية حربية كبرى هيمن عليها القصف الجوي في البلقان في التسعينيات.
في هذه الحرب أيضا فُقِدَت أو تضررت 42 طائرة بما في ذلك أربع طائرات إف 15إس وطائرة إف- 35 وطائرة إي-3 وأكثر من 20 طائرة مسيّرة ريبر (بالمقارنة فقدت الولايات المتحدة طائرة واحدة إف-16 وطائرتين برديتر أثناء عامين من الحرب الجوية في البلقان).
كلفت العمليات الحربية في إيران البنتاجون 37.5 بليون دولار إلى جانب 67 بليون دولار لإعادة بناء المخزونات التي انخفضت الآن إلى مستويات خطيرة (وأيضا خمسة بلايين دولار أخرى محتملة لإصلاح المنشآت المتضررة في المنطقة.)
وفقا لتقديرات كبير الاقتصاديين بشركة موديز آناليتيكس «ستدفع الأسرة العادية في الولايات المتحدة ألف دولار بسبب الحرب» إما في شكل ضرائب لدعم الانفاق العسكري أو لمقابلة ارتفاع تكاليف الوقود.
بكل المقاييس إذن تمثل حربُ إيران حالة فاشلة للطريقة الأمريكية في خوض الحرب، لكن النجاح لا يتحدد أساسا بآثار ميدان القتال، ولكن بما إذا كان في مقدور حروب التقنية الرفيعة التي تدار عن بُعد «حماية» صانعي السياسات من غضب الشعب الأمريكي.
من الممكن أن تجعل النتائج في ميدان القتال الحروبَ أكثر قبولا للأمريكيين، ولكن ليس دائما.
لقد أثبت هجوم «تيت» أثناء حرب فيتنام كيف يمكن لحكومة الولايات المتحدة هزيمة ثوار الفيات كونج ورغم ذلك تخسر تأييد الأمريكيين. (كان هذا هجوما مباغتا وواسع النطاق شنته قوات فيتنام الشمالية إلى جانب ثوار الفيات كونج في فيتنام الجنوبية يوم عيد رأس السنة القمرية الفيتنامية «تيت» عام 1968 وأحدث تحولا في مسار الحرب المترجم).
من جهة أخرى أوجدت الحرب الكورية قدرا ضئيلا جدا من السخط الشعبي رغم مقتل آلاف الجنود الأمريكيين. وهذا مثال للكيفية التي يمكن أن يعتاد بها الأمريكيون على الخسارة، ويرفضون الإقرار بالفشل أو حتى لا يبالون به.
تشير استطلاعات الرأي العام إلى أن الأمريكيين يرفضون حرب إيران (بل أيضا لا توافق عليها نسبة متزايدة من أنصار ترامب). رغم ذلك لم تؤدِّ حتى الآن إلى قلاقل تذكر؛ فليست هنالك احتجاجات جماهيرية ولا استقالات جماعية داخل القوات المسلحة. وحتى مقتل قائد طائرة الهليكوبتر التابعة للبحرية في بحر العرب لم ينل إلا قدرا ضئيلا جدا من اهتمام الناس.
إلى ذلك سوق الأسهم مزدهرة رغم بعض التراجعات الطفيفة. كما انخفضت أسعار النفط. ولا تزال الميزانية العسكرية للولايات المتحدة يهيمن عليها الإنفاق على الذخائر دقيقة التوجيه وباهظة التكلفة. وهذه تُطلَق بواسطة المدمرات والطائرات الخفية، ويصعب تغيير أحجامها أو تعديل استخداماتها بسرعة. والقصد من أنظمة إطلاقها «غير المأهولة أو المسيّرة» تقليل الخسائر البشرية بدلا عن خفض التكاليف أو ابتكار مهام عملياتية جديدة لها. ولا يوجد لشركاتها المصنّعة حتى الآن حافز أو مصلحة لتعديل أو تكييف برامج تصنيعها.
ربما سيكون الاختبار الحقيقي في نوفمبر عندما تكشف الانتخابات النصفية ما إذا كان الناخبون سيعاقبون الجمهوريين على إشعال الحرب. في غياب هذا العقاب من المستبعد جدا أن يغير الكونجرس أو البيت الأبيض تصوّرهما لكيفية استخدام القوات المسلحة الأمريكية.
ذلك سيترك لمخضرمي هذه الحرب مهمة إيجاد عقائد عسكرية ونظريات «نصر» وأنظمة بشرية وتسليحية جديدة. لقد أمكن لقدامى المحاربين الذين شاركوا في حرب فيتنام إحداث تغيير كبير في الجيش الأمريكي بإلغاء التجنيد الإجباري، وتغيير نظرية النصر الأمريكية.
يعود ذلك في جزء منه إلى اعتقادهم بأن الشعب كان راغبا في محاسبة متخذي القرار. وليس واضحا اليوم ما إذا كان الأمريكي العادي يهتم بذلك أصلا.
جاكلين شنايدر زميلة معهد هوفر بجامعة ستانفورد
الترجمة عن «الفاينانشال تايمز»
