في البحث عن السايكلوب الحقيقي
لم يكن في خاطر تلك الأم عندما وضعت حملها أن ابنها سيصير عينةً لمرض استثنائي ونادر، وأنها بدلًا من أن تحتضنه وتضمه في كنفها سيضمه المتحف الطبي ضمن ممتلكاته التي ستئول للعلماء ليشرحوها ويزيدوا بها المعرفة الطبية. في عام ١٩٢٦ كتب الطبيبان سيدني وبوريس ورقةٍ بحثية عن هذا الجنين بعنوان «حالة سايكلوبيا»، أورد الطبيبان صورة الحالة المدروسة في ثاني صفحة بالبحث: طفل حديث الولادة ينتصف وجهه عين واحدة ضخمة بلا ملامح، وتغيب الأنف فلا فتحة صغيرة حتى، الشفة العليا موجودة فوق منطقة الفم إنما الشفة السفلى غائبة، لكن لا يهم غياب الشفة السفلى بأية حال، لأن منطقة الفم كانت عبارة عن، كما يذكر البحث، «حفرة مسدودة صغيرة». لم يكن الفم متصلًا بباقي الجهاز الهضمي، فكان محكومًا على الطفل بالموت قبل أن يولد، وهو ما حدث فعلًا، مات الطفل فورًا بعد خروجه من جسد والدته.
وصف الطبيبان الطفل بالـ»الوحش السايكلوبي»؛ يُشبه وجه الطفل مظهر وجه الوحش المعروف بالسايكلوب، ذلك الوحش الذي ينتمي للأساطير الإغريقية وكان عقبةً في رحلة البطل الإغريقي أوديسيوس. تُصور المنحوتات وجه السايكلوب مماثلًا لوجه البشر العادي باستثناء العين الواحدة التي تنتصف الرأس، وقد تعلو العينين الطبيعيتين وتظهر في الجبهة. أما باقي الوجه فطبيعي، الفم والأنف والمظهر البشري المعتاد. هذا هو السايكلوب الخيالي، لكن السايكلوب البشري حالة أسوأ بكثير ولا تعيش حياةً طويلةً حتى.
رغم عملية التشريح التفصيلية، لم يعرف الطبيبان سببًا مباشرًا للمرض، لكنهم استنتجوا ما سيثبته العلم بعدها بعقود، عندما كتبوا بأن «لا بد أن هذه [تكون السايكلوب البشري] نتاج عملية غير طبيعية حدثت في وقت مبكر من نشأة الجنين وفيها دُمرت الخلايا التي تُشكل منتصف الوجه والجانب الأمامي». رُغم تطور الوسائل العلمية والتشريحية آنذاك فإن العلم كان محدودًا فيما يخص التعامل على مستوى الخلايا، لم يكن للأطباء ما يمكنهم من تشريح الخلايا مثلما يشرحون أنسجة الجسم بدقة. لذا فُهمت حالة السايكلوبيا بصفتها حالةً تشريحيةً غريبةً وغير مفهومةً، ولم يضف هذا الفهم أي جديد للعلم الذي سجّل حالات سايكلوبيا من قبل. هذا حتى الخمسينيات من القرن الماضي، عندما لاحظت مجموعة من رُعاة الغنم في الولايات المتحدة الأمريكية ولادة حِملان لأوجهها المشوهة عين واحدة ضخمة في المنتصف.
على السهول المرتفعة لإيداهو وقف العالم لين جايمس والهواء يُداعب جسده، أمامه قطيع من الخراف التي تتحرك في وداعة وخمول، بعضها يرعى والآخر مستلقي على العشب الأخضر الصغير. تحرك لين قليلًا وهو يراقب خروفًا صغيرًا أبيض اللون انشغل بمضع ما التهمه لتوّه، نبات أوراقه الخضراء انتصبت حوله في شكلٍ دائري، نظر الخروف للين وهو يكتب في الدفتر. لاحظ لين أن المنطقة المنخفضة التي ترعى فيها الخراف عادةً قد أصابها الجفاف نتيجة للتغييرات الموسمية، وأن الخراف ارتفعت لنقاط أعلى، مثل النقطة التي يرافقهم فيها، كي تتغذى على أوراق النبات المنتشر بكثرة في مثل هذه المرتفعات، ذلك النبات الذي يعرفه لين بـ»زنبق ذرة كاليفورنيا»، أو بإسمه العلمي Veratrum californicum. ثم أغلق دفتره وبادل النظرات مع الخروف الذي عاد مجددًا لقضم النبات.
كان لين جزءًا من فريق بحثي ابتعثه قسم الزراعة في الولايات المتحدة، في هذه الحملة العلمية، ذهبت مجموعة من العلماء لإيداهو إثر طلبات المزارعين هناك. إذ لاحظ المزراعين عيوبًا خلقية غريبة في الحملان: بعضهم وُلد بعين واحدة وتشوهات خلقية في شكل الفم وباقي الوجه، أطلق رُعاة الغنم الباسكيين على هذه المرض إسم «chattos” أي مرض وجه القرد. اسم آخر لحالة السايكلوبيا التي درسها سيدني وبوريس، ومثل الطفل الذي مات فورًا وقت ولادته، تموت هذه الحملان بسرعة لتشوهات الفم أو الأنف. هكذا بدأت الخسائر تتراكم على الرُعاة، وصل انتشار المرض إلى نسبة ٢٥٪ في بعض المناطق، أما الحمل الميت فقد كلّف ما يوازي ١٥٠ إلى ٣٠٠ دولار في الوقت الحالي من الخسائر.
في البداية، ظن قسم الزراعة في احتمالية وراثة المرض، وهو ما سُيَثْبت إمكانية حدوثه لاحقًا وإن كانت احتماليته ضئيلة – هي تيمة متكررة في كل قصص الاكتشافات العلمية فبعد أن يتوصل العلماء إلى تفسير معين ، يصل من بعدهم إلى معلومات أخرى تُثبت تفسيرًا آخر. أما في حالة خراف إيداهو لم تكن المشكلة مشكلة جينات، إذ أثبتت الأبحاث المعملية أن التزاوج مع الخراف التي ولدت حملان مشوهة لم يؤد إلى ولادة أي حِمل مشوه. وهكذا انتقل الاهتمام إلى العوامل الخارجية التي لا تتعلق بالجينات، أو البيئة التي يرعى فيها الغنم، بما أن العالم المُحيط بهم هو ما يقتاتون من حشاشئه ونباتاته، ويتفاعلون مع سطحه وتربته.
لاحظ العلماء أن التشوهات تنتشر وفقًا لنمط دوري، بالتحديد في الفصول التي يكثر فيها الجفاف، ولما رأوا أن الخراف ترتقي إلى المروج الجبلية خلال هذه الفترة، قرر العلماء التركيز عليها، واعتبارها البيئة المقصودة بالدراسة. عادةً ما تبدأ الأبحاث المشابهة بتحليل التربة واستشكاف نِسَب المعادن والمواد المختلفة فيها، لكن نتائج الأبحاث أظهرت توزيعًا طبيعيًا للمعادن. تلتها الأبحاث المبدئية التي ركزت على المغذيات في البيئة، أي الأعشاب التي قد يستهلكها الخراف مثل الثوم البرّي، لم تُثمر هذه الأبحاث نتيجةً في البداية، حتى توصل العلماء إلى الأثر السام لنبات زنبق ذرة كاليفورنيا.
أثبتت الدراسات الارتباط بين زنبق ذرة كاليفورنيا وبين تشوه الحملان، وبعدها توصل العلماء إلى المادة الكيميائية المتسببة بالتحديد، مُركب عرف أثناء الأبحاث بـ»ألكالويد في» ثم سُمي لاحقًا بمركب «السايكلوبامين» كما ارتأى العالم كيلر الذي قام بهذه الأبحاث.
نسب كيلر التسمية إلى المرض الناتج عن السايكلوبامين وهو السايكلوبيا، وما يلفت الانتباه أن مرض السايكلوبيا نفسه سُمي على اسم الكائنات الخرافية الإغريقية، مخلوقات غير حقيقية ولم توجد على أرض الواقع. بكلمات أخرى، نُسب الواقع إلى ظاهرة ثقافية غير واقعية، وكانت المعتقدات التي آمن بها الإغريق مركزًا في انطباع العلماء وتصورهم عن هذا المرض.
يُنتج نبات زنبق ذرة كاليفورنيا السايكلوبامين مع مجموعة أخرى من المواد السامة طبيعيًا، ووظيفته في النبات حمايته من المعتدين. عند هضم هذه المركبات، تعتل الحيوانات ويصيبها المرض، والسايكلوبامين نفسه أثناء الهضم يتحول إلى مركب آخر لا يُشوه الأجنة، فقط كمية صغيرة هي التي تنجو من الهضم، وهذه الكمية الصغيرة كافية لتُحول الحمل الوديع إلى وحش بعين واحدة. أما وقد عرف العلماء السبب الرئيسي، لم يتوصل العلماء إلى آلية عمله، وظل السايكلوبامين مثالًا نموذجيًا على المركبات المشوهة للأجنة بدون أن يُعرف تأثيره عليها.
في البحث وراء أسباب السايكلوب الحقيقي، يُمثل السايكلوبامين مُجرد خطوة صغيرة في صحراء شاسعة بلا أي دليل – السايكلوبامين مسبب خارجي للتشوه ولا يُفسر سبب «حالة سايكلوبيا» التي شرحها الطبيبان – مثله مثل باقي تشوهات الأجنة، كيف تحدث هذه التشوهات؟ بل الأحرى التساؤل عن المعرفة العلمية لنمو الأجنة، لأن العلم لم يعرف آلية نمو الأجنة، فالتشوهات مثلها مثل مواقع على خريطة غير معروفة. واستمر الوضع كما هو عليه حتى فترة آخر السبعينيات، عندما نشر العالمان فولهارد وفايسشاوس أبحاثهما عن الجينات المؤثرة على النمو الجنيني في حشرة ذباب الفاكهة. حدد العالمان أكثر من خمسين جينًا مختلفًا يؤثر كل واحدٍ منهم على عملية النمو، وقد كانت هذه الأبحاث طفرةً في مجال الأحياء الخلوية وعلوم الأجنة، ففاز العالمان بجائزة نوبل في عام ١٩٩٥. يتعين على خلية واحدة صغيرة أن تنمو وتتمايز بما يكفي لتكون أجسامًا بتعقيد وتنوع أجسام الحيوانات التي نراها حولنا وفي الطبيعة، فكر في هذا، كل كائن حولك – بما فيه نفسك – كان في أول أيامه مجرد خلية واحدة أصغر من حبة السكر بعشرات المرات. ثم خلال نمو الجنين تتحول هذه الخلية إلى مليارات الخلايا المتمايزة التي تعطي الجنين شكله وصورته. لم تنمو هذه الخلية فقط في عددها وحجمها، لكنها نمت أيضًا في أماكنها المُحددة، فمثلًا نمت عيناك في مكانهم بالوجه ولم تنمو على قدماك رُغم امكانية حدوث هذا.
ليست هذه الإمكانية افتراضية، فقد حصل فعلًا وقام العلماء بتخليق ذباب فاكهة له عيون على ساقه، ولم يتطلب هذا سوى نقل الجين المسؤول عن نمو نسيج العيون – ويُعرف بجين Eyeless – إلى منطقة القدم. حدثت كثرة من هذه التجارب في علوم الأجنة لاستشكاف الجينات المختلفة في علاقتها بالنمو والمكان، والسؤال عن المكان يفترض سؤالًا عن الاتجاه والإحداثيات، فكيف يعرف الجين على أن مكانه هو المكان الصحيح؟ وأن اتجاه النمو هو الاتجاه الصحيح كذلك؟ خُذ مُقدمة ومؤخرة الجسد مثالًا، على الجسم أن يُميز بين المقدمة التي تتحول فيما بعد إلى الرأس وما يحتويه من الأعضاء مثل المخ والعيون ونحوه، والمؤخرة التي تتحول إلى الذيل وتحتوي على فتحات إخراج الجسم.
كانت دراسة الجينات المؤثرة على نمو المقدمة والمؤخرة من ضمن الجينات التي جاءت في أبحاث العلماء الفائزين بجائزة نوبل. درس العلماء أجنة حشرة ذباب الفاكهة، ووجدوا أن بروتين يُسمى Bicoid هو البروتين المسؤول عن تحديد منطقة المُقدمة، ويعمل البروتين عن طريق التفاعل مع مستقبلات بعينها، لكن المهم في آلية عمله هو تركيزه؛ تركيز بروتين Bicoid في مقدمة الجنين أكثر من باقي أجزاءه، بالتالي فهذه المنطقة الآن صارت معروفة في الجنين بأنها منطقة المقدمة. أجرى العلماء تجارب حقنوا فيها البروتين في طرفي الجسم، فنمت الذبابة برأسين في الطرفين، وفي التجارب التي عطلوا فيها البروتين، لم تتمايز منطقة المُقدمة ونما الجنين بلا وجه ولا رأس.
تضمنت أبحاث فولهارد وفايسشاوس نقاشًا عن جين سُمي بقنفذ (الإنجليزية: Hedgehog gene) يؤثر هذا الجين على تقسيم جسد الذبابة إلى فلقات مُتمايزة وبعيدة عن بعضها، أما إذا عُطل الجين تنمو الذبابة بفلقات قريبة من بعضها، فيظهر الجنين صغيرًا ومدببًا على سطحه كما لو أنه القنفذ بأشواكه، فاستلهم العلماء هذا في تسميته. اكتشف وجود نفس الجين في الكائنات الأخرى بما فيها الفقاريات، حيث لا يُفلق الجسم مثل جسم الحشرة، في التسعينيات كان العالمان شيانج وبيتشي يبحثان في وظيفة جين القنفذ في الكائنات الأخرى، وحاولا في البحث تخليق فئران تخلو من هذا الجين. فأظهرت تلك الأجنة تشوهات في النمو شكلها مشابه لتشوهات السايكلوبيا. فكان من المنطقي أن يستخدم العلماء السايكلوبامين في تجاربهم، وبتغذيته لأجنة الدجاج أظهرت هذه نفس التشوهات.
بعد عقود من حِملان السايكلوب، عُرف أخيرًا أن السايكلوبامين يستهدف جين القنفذ، وفي الوقت ذاته لأن السايكلوبامين يُعطل جين القنفذ - فُهمت آلية عمل جين القنفذ، فما هي؟ رُغم أنه جين معقد وخطوات عمله كثيرة لكن شرحه يقبل الاختصار ببعض التصرف. في الأجنة المبكرة لا يوجد مخ وإنما مُجرد نسيج عصبي غير متمايز، يحتاج هذا النسيج العصبي إلى «خط وسط» كي يهتدي به في الانقسام إلى نصفين يصيران فيما بعد فصي المخ كما هو معروف، وهي وظيفة جين القنفذ الذي يُكون منطقة خط الوسط.
إذا عُطل الجين عن أداء وظيفته لأي سبب من الأسباب، لا «يعرف» النسيج العصبي طريق الانقسام ويبقى جزءًا واحدًا فيتشكل الجنين بمخ وحيد الفص. لكن النسيج العصبي لا ينمو ليكون المخ فقط، فهو أيضًا يتضمن النسيج الذي تنمو منه العين، وهكذا يصير للكائنات عينين نتيجةً لعمل جين القنفذ. أما وحوش السايكلوب الحيوانية فهي نتاج تعطيل - سواءًا أكان المسبب داخليًا أم خارجيًا - جين القنفذ.
لم يُعرف الالهام وراء وحوش السايكلوب الخيالية، ويُرجح أنها نتاج الخيال البشري الذي لا ينضب. رغم ذلك، فالسايكلوب ممكن الحدوث وِفق منطق جيني معين – وإن كان هذا المنطق مدمرًا – يُفهم فيه الجسد على أنه نتاج لخريطة من الجينات التي تُشكل وتنحت الجسم. بنفس الطريقة في العلوم الأخرى غير علم نمو الأجنة، يفهم البشر العالم بأشكال مختلفة من الخيالات والأساطير التي يُمكن نسبها للعلم ومنطقه.
بعد عقود من الانتظار، أخيرًا يُمكن التصديق على استنتاجات سيدني وبوريس، فقد ظن العالمان أنه «لا بد أن هذه [تكون السايكلوب البشري] نتاج عملية غير طبيعية حدثت في وقت مبكر من نشأة الجنين وفيها دُمرت الخلايا التي تُشكل منتصف الوجه والجانب الأمامي»، وهو ما حدث مع بعض التصرّف في التفسير. لم تتناول والدة هذا الطفل زنبق كاليفورنيا، لكن حظها وحظ طفلها مع الجينات كان في أن يُورث عطبًا في جين القنفذ، لم يعرف جسمه أن المخ ينقسم لنصفين، فترتب على هذا باقي الآثار المدمرة التي حكمت على الطفل بأن يكون سايكلوب بشري.
عمرو أحمد كاتب وصيدلاني
