عمان العلمي

ماذا تعلمنا أكثر دول العالم سعادة عن العيش الهانئ؟

19 أغسطس 2026
19 أغسطس 2026

ترجمة: بدر بن خميس الظّفري

تبدو دولة فنلندا وكأنها جنة، فقد صُنفت قبل بضعة أشهر، في تقرير السعادة العالمي، بأنها الدولة الأكثر سعادة، متصدرةً القائمة إلى جانب جيرانها من دول الشمال الأوروبي، التي تحتلّ خمسة من المراكز الستة الأولى. ولم يكن هذا محض صدفة، فقد احتلت فنلندا المركز الأول تسع سنوات متتالية. 

قد يظهر للناس أن هناك العديد من العوامل التي قد تجعل سكان دول الشمال الأوروبي أقل رضا وسعادة، خصوصًا الطقس الكئيب والضرائب المرتفعة. ومع ذلك، هناك شعور بأن هذه الضرائب تُستثمر بالفعل في قطاعات حيوية، حيث يجني السكان ثمار الاستثمار في الرعاية الصحية والتعليم وخدمات النقل. إضافةً إلى ذلك، فإن انخفاض الكثافة السكانية، واتساع رقعة الغابات، وسهولة الوصول إلى البحيرات والسواحل، كلها عوامل تعني أنه حتى سكان المدن ليسوا بعيدين عن التأثر بالطبيعة.لكن إلى أي مدى يمكننا الوثوق بهذه التصنيفات العالمية؟ فالسعادة مفهوم غامض، وقد تؤثر عوامل عديدة على النتائج، من أهمها اختلاف فهم الثقافات لمعنى السعادة. 

للتعمق في هذه التساؤلات، تحدثت مجلة «نيو ساينتست» مع الخبير الاقتصادي وعالم السلوك يان-إيمانويل دي نيف، من جامعة أكسفورد، ومحرر تقرير السعادة العالمي. شرح دي نيف كيفية قياس السعادة الحقيقية، ولماذا يعتقد أن فنلندا تستحق الصدارة، وما يمكننا فعله لإضفاء المزيد من البهجة على حياتنا اليومية. 

ألكسندرا طومسون: كيف تُعرّف السعادة؟ سؤال سهل ومباشر للغاية، أنا متأكدة. 

يان-إيمانويل دي نيف: إنه سؤال شغل بال الفلاسفة على مدى 2500 عام، منذ أرسطو وما قبله. أعتقد أن هناك تحولًا ملحوظًا في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأ علماء النفس بتعريف الرفاهية من منظور «الرفاه الذاتي»، أي: كيف يشعر الناس تجاه حياتهم؟ باختصار، نتجاوز الآن النقاشات الفلسفية التي سادت سابقًا، ونسأل الناس مباشرةً: «هل أنت راضٍ عن حياتك؟». هذا يعني أنني لا أفرض تعريفًا محددًا للرفاهية، بل أتوجه إليك مباشرةً وأسألك: «من وجهة نظرك، هل تعيش حياة سعيدة؟». 

صدر مؤخرًا تقرير السعادة العالمي لعام 2026. كيف تصنفون هذه الدول؟ 

نستخدم استطلاعًا ضمن استطلاع غالوب العالمي، الذي يُجرى سنويًا ويغطي ما يقارب 150 دولة. في كل دولة، توجد عينة لا تقل عن 1000 شخص، يمثلون المجتمع من حيث الجنس (ذكرًا أو أنثى)، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومكان السكن (حضري أو ريفي)، وغير ذلك. 

نبدأ بالرفاهية الذاتية، فنطلب من الناس تخيل سلم ذي 10 درجات، تمثل الدرجة العليا أفضل حياة ممكنة، والدرجة الدنيا أسوأها. ثم نسأل: «ما الدرجة التي تظن أنك تقف عليها اليوم على هذا السلّم؟». لا يُقاس هذا السلم بما إذا كان الناس يرقصون في الشوارع أو يُغنون على أسطح المنازل، بل هو مقياس لشعورهم بالرضا. ثم يعتمد التصنيف السنوي على متوسط النتائج خلال السنوات الثلاث السابقة. 

ثم يأتي دور التحليل العلمي؛ إذ نحلل النتائج بصورة عكسية لمعرفة العوامل التي قد تفسر الاختلافات بين الدول، مستعينين بمؤشرات موضوعية مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر المتوقع بصحة جيدة، ومدى وجود أصدقاء يمكن الاعتماد عليهم، وغيرها. كما نستخدم استطلاعات الرأي لقياس عوامل مثل الكرم، ومدى شيوع المشاعر الإيجابية أو السلبية بين سكان هذه الدول. 

تحتل دول الشمال خمسة من المراكز الستة الأولى في التقرير، بينما تحتل الولايات المتحدة المرتبة 23، والمملكة المتحدة المرتبة 29. والسؤال المطروح: ما الذي تقوم به دول الشمال لكي تتصدر التقرير؟ 

أولًا، تتمتع هذه الدول بمستويات مرتفعة من الإنتاجية الاقتصادية. ولكن، على خلاف العديد من الدول الأخرى ذات الدخل المرتفع، تتوزع الثروة فيها بصورة أكثر عدالة، ولذلك فإن التفاوت في الدخل أقل بكثير مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة. وتُظهر الدراسات السابقة أن ارتفاع مستوى التفاوت في الدخل يرتبط بانخفاض مستوى الرفاه، إذا ظلت العوامل الأخرى ثابتة. 

ثانيًا، تُعاد عملية توزيع الأموال من خلال نظام الرعاية الاجتماعية، مما يخفف المخاوف الاقتصادية ويوفر شبكات للأمان الاجتماعي. ولذلك فإن تجربة فقدان الوظيفة أو البطالة تختلف كثيرًا في الولايات المتحدة عنها في فنلندا. 

وهناك أيضًا مفهوم متوسط العمر المتوقع بصحة جيدة في هذه الدول، وهو يقيس عدد السنوات التي يُتوقع أن يعيشها الإنسان متمتعًا بصحة جيدة، وليس مجرد عدد سنوات حياته. 

أكثر ما لا يحظى بالتقدير الكافي هو أهمية الروابط الاجتماعية. فقد أظهرت أبحاثنا وجود ارتباط بين السعادة ومؤشرات مثل عدد الوجبات التي يتناولها الشخص مع الآخرين أسبوعيًا، وما إذا كان لديه أصدقاء يمكنه الاعتماد عليهم في حالات الطوارئ. كما يتوفر لسكان هذه الدول وقت أطول يقضونه مع أسرهم وأصدقائهم مقارنة بسكان المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، حيث يستهلك العمل معظم ساعات اليقظة. أما في الدنمارك وفنلندا، فيُولى التوازن بين العمل والحياة الشخصية اهتمام أكبر بكثير، مما يتيح للناس وقتًا كافيًا للاستمتاع بحياة اجتماعية نشطة. 

كما تتمتع هذه الدول بمستويات مرتفعة من الثقة الاجتماعية. ويتضح ذلك من خلال سؤال «المحفظة المفقودة»، الذي يسأل المشاركين: «إذا فقدت محفظتك، فما مدى احتمال أن تستعيدها؟». وتُظهر النتائج أن سكان دول الشمال الأوروبي يتوقعون استعادة محافظهم المفقودة بنسبة أكبر بكثير من سكان المناطق الأخرى، وهو ما ينعكس إيجابًا على شعورهم بالرفاه والرضا عن الحياة. 

ولكن كيف لنا أن نعرف ما إذا كانت الثقة الاجتماعية العالية سببًا للسعادة أم نتيجة لها؟ 

هذه هي معضلة الدجاجة والبيضة، لكن العلاقة في الواقع تسير في الاتجاهين. فإذا كنت تعيش في بيئة تسودها مستويات عالية من الثقة، فإن ذلك يعزز شعورك بالرفاه. وفي المقابل، عندما يكون الناس سعداء، يصبحون أكثر ميلًا إلى التعاون والتفاعل الإيجابي مع الآخرين. ولنأخذ العمل التطوعي مثالًا: فالأشخاص الذين يتطوعون أكثر سعادة، كما أن الشخص السعيد يكون أكثر ميلًا إلى التطوع. إنها علاقة ديناميكية متبادلة يعزز فيها كل عامل الآخر. 

ما الذي يميز فنلندا عن غيرها من دول الشمال الأوروبي؟ فقد تصدرت تقرير السعادة العالمي على مدى السنوات التسع الماضية. 

أعتقد أن هناك عاملين يميزان فنلندا عن غيرها. فهي دولة شاسعة ذات عدد سكان قليل، ويبدو أن لكل شخص تقريبًا كوخًا على ضفاف إحدى البحيرات وسط الغابات. ولذلك فإن الارتباط بالطبيعة جزء حاضر بقوة في حياة الفنلنديين. وقد أثبتت الدراسات أن قضاء الوقت في الهواء الطلق يعزز الشعور بالرفاه؛ إذ يحسن المزاج، ويخفف التوتر، ويسهم في خفض ضغط الدم، إلى جانب فوائد أخرى عديدة. 

إن شعور معظم سكان فنلندا بالرضا عن حياتهم يشير إلى أنهم ربما أكثر واقعية وقناعة من سكان دول الشمال الأوروبي الأخرى. فهم لا يبالغون في تطلعاتهم، بل يشعرون بالرضا عما لديهم، وهو ما ينعكس إيجابًا على إحساسهم بالسعادة والرضا عن الحياة. 

من المثير للدهشة أن تحتل فنلندا هذه المرتبة المتقدمة، رغم أن أيام الشتاء فيها تُعد من الأقصر في أوروبا. فهل بحثتم في تأثير ذلك على مستوى السعادة؟ 

صحيح أن فنلندا تشهد أيامًا شتوية قصيرة جدًا، لكن الصورة تنقلب في الربيع والصيف، حيث تطول ساعات النهار بشكل لافت. وقد استطاع الفنلنديون التكيف مع تعاقب الفصول والاستمتاع بما يميز كل فصل؛ ففي الشتاء يضفون على منازلهم أجواء دافئة ومريحة، وحين يحل الصيف تنبض البلاد بالحياة، وينطلق الناس للاستمتاع ببحيراتها وغاباتها. 

كيف تأخذون الاختلافات الثقافية في الحسبان عند تفسير نتائج هذه الاستطلاعات؟ ففي الدنمارك، على سبيل المثال، تُعد القناعة والرضا جزءًا من الثقافة السائدة، بينما يشتهر البريطانيون بمقولة «حافظ على هدوئك وواصل حياتك». 

لكل ثقافة خصوصيتها، كما تختلف من مجتمع إلى آخر التصورات السائدة حول ما هو متوقع من الناس وما هو غير متوقع. ونحاول الحد من تأثير هذه الاختلافات من خلال مطالبة المشاركين بتقييم جودة حياتهم على سُلَّم من عدة درجات. وبهذه الطريقة نحصل على صورة أشمل عن حياتهم، بدلًا من الاكتفاء بسؤالهم عما إذا كانوا سعداء أم لا. 

وهناك أيضاً فروق لغوية دقيقة في طريقة ترجمة مفهوم «الرفاه» وفهمه من ثقافة إلى أخرى. إلا أن هذه الفروق ليست كبيرة إلى الحد الذي يمكن أن يفسر التباين بين الدول في نظرتها إلى مقومات الحياة الجيدة. 

كما درسنا في تقارير سابقة تأثير الهجرة، ووجدنا أن الأشخاص الذين ينتقلون للعيش في بلد آخر يتكيفون، وبسرعة لافتة، مع متوسط مستوى السعادة في ذلك البلد. فعلى سبيل المثال، عندما ينتقل شخص من المملكة المتحدة إلى كندا، يكون مستوى سعادته في البداية أقل قليلًا من المتوسط هناك، لكنه سرعان ما يقترب من مستوى السعادة السائد في كندا. والعكس صحيح. 

إذن، لا يقتصر الأمر على التوقعات الثقافية فحسب، بل يُظهر أن البيئة التي يعيش فيها الناس لها تأثير كبير. 

احتلت كوستاريكا المركز الرابع في التقرير، وهو أعلى ترتيب تحققه دولة من أميركا اللاتينية على الإطلاق، بعد أن كانت في المرتبة الـ23 في العام السابق. فما الذي يقف وراء هذه القفزة الكبيرة؟ 

إذا نظرنا إلى مؤشرات الصحة ومتوسط العمر المتوقع والناتج المحلي الإجمالي، نجد أن كوستاريكا تحقق مستوى من الرفاه يفوق ما قد توحي به إمكاناتها الاقتصادية. وأعتقد أن ذلك يعود جزئيًا إلى قوة الروابط الاجتماعية بين سكانها، وهو ما يؤكد أن جودة الحياة لا تعتمد على الثروة أو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وحدهما. 

وكانت كوستاريكا قد سجلت مراتب متقدمة نسبيًا بين عامي 2012 و2015، قبل أن تتراجع لأسباب غير واضحة، ثم عادت الآن إلى الصعود. وقد يُعزى ذلك جزئيًا إلى تراجع بعض الدول الأخرى في التصنيف، إلى جانب ما تتمتع به كوستاريكا من استقرار سياسي وقطاع مزدهر للسياحة البيئية. ومن اللافت أن نراها تحقق هذا التقدم. 

استنادًا إلى أبحاثك حول السعادة، ما أبرز التغييرات التي ترغب في رؤيتها لمساعدة الناس على الشعور بمزيد من الرضا عن حياتهم؟ 

يختلف الأمر كثيرًا من دولة إلى أخرى، لكن أكبر أثر في تحسين رفاه الناس يمكن تحقيقه من خلال الإجراءات التي تتخذها الحكومات. ففي المملكة المتحدة، نولي اهتمامًا كبيرًا بالبنية الأساسية المادية، وهذا مهم، ولكن ماذا عن البنية الاجتماعية؟ ألا يمكننا زيادة الاستثمار في المجتمعات المحلية وتوفير أماكن وأنشطة تجمع الناس معًا، مثل أندية الألعاب الاجتماعية لكبار السن أو ملاعب كرة القدم في المناطق الريفية؟ 

وأعتقد أيضًا أن التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، تتيح لنا فرصة للاستفادة من زيادة الإنتاجية بطريقة تنعكس على حياة العاملين. ومن الخيارات المطروحة، على سبيل المثال، تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام مع الإبقاء على أجر خمسة أيام. وسيتناول تقرير السعادة العالمي لعام 2027 هذا النموذج بمزيد من الدراسة لمعرفة مدى نجاحه. 

فنحن اليوم مطالبون بإنجاز مهام كثيرة خلال ساعات العمل، بينما لم تتطور قدرات أدمغتنا بالسرعة نفسها التي تطورت بها متطلبات الحياة والعمل، مما يزيد شعور الناس بالضغط والتوتر. لذلك، يمكن اتخاذ إجراءات عديدة لتحسين رفاه الناس وجودة حياتهم من دون الحاجة إلى تكبد نفقات أكبر. 

وإلى أن تُطبَّق مثل هذه الإجراءات، ما الذي يمكننا فعله على المستوى الشخصي لنشعر بمزيد من الرضا عن حياتنا؟ وهل يمكن أن نستفيد في ذلك من التجربة الفنلندية؟ 

احرصوا على التواصل المباشر مع الآخرين، والتقوا بهم وجهًا لوجه، ولو على وجبة غداء. فنحن بحاجة إلى منح حياتنا الاجتماعية مزيدًا من الوقت والاهتمام، خصوصًا لمن يعملون من المنزل بشكل كامل. أما من يعملون بنظام يجمع بين المنزل والمكتب، فمن الأفضل أن يختاروا الحضور إلى المكتب في الأيام التي يوجد فيها زملاؤهم، حتى تتاح لهم فرصة للتواصل وقضاء وقت ممتع معهم. فتقنيات الاتصال المرئي مفيدة بلا شك، لكنها قد تضعف التواصل المباشر بين الناس. إنها سلاح ذو حدين، ولذلك علينا استخدامها بوعي. 

 يان-إيمانويل دي نيف 

 ترجمة: بدر بن خميس الظّفري 

 مجلة نيو ساينتست