الرهان الاستراتيجي للأمن الغذائي والاستدامة الصحية والبيئية في القرن الحادي والعشرين
في خضم السعي العالمي لإعادة تقييم الأنماط الغذائية، يشهد العالم تحولًا جذريًا تمثل في الكشف عن «الهرم الغذائي المقلوب» الجديد الذي أطلقته الإرشادات الغذائية الأمريكية للأعوام 2025-2030، والذي أحدث جدلًا واسعًا في الأوساط العلمية والسياسية على حد سواء. يأتي هذا الهرم الذي يضعه معهد السياسات الزراعية والغذائية الجديد ليعكس نقاشًا عميقًا حول أولويات التغذية البشرية، حيث يضع البروتين ومشتقات الألبان والدهون الصحية في قمة الهرم. تمثل البقوليات - كأحد مصادر البروتين - ركيزة أساسية في استراتيجيات الأمن الغذائي المستدام ، لا سيما في ظل التحديات المتزايدة التي يفرضها التغير المناخي والنمو السكاني وارتفاع الطلب على البروتين الحيواني.
تنتمي البقوليات الغذائية إلى الفصيلة البقولية وهي ثالث أكبر فصيلة في النباتات الزهرية من حيث عدد الأنواع، حيث تضم حوالي 770 جنسًا وعشرين ألف نوع، وتصنف ضمن مجموعة البقول الجافة (Grain Legumes)، التي تزرع أساسًا للحصول على بذورها الغنية بالبروتين. تتنوع البقوليات المستخدمة في التغذية البشرية لتشمل العدس الذي يمتاز بسرعة الطهي واحتوائه على نسبة مرتفعة من الحديد، والحمص الغني بالألياف والمنغنيز ويستخدم على نطاق واسع في مطابخ الشرق الأوسط، والفول وهو محصول تقليدي في حوض البحر الأبيض المتوسط ويتميز باحتوائه على البروتين بنسبة تصل إلى 28%، والفاصوليا التي تضم أصنافًا متعددة كالفاصوليا الحمراء والبيضاء والسوداء، واللوبيا التي تتحمل الظروف الجافة وتشكل أيضا مصدرًا مهمًا للبروتين في إفريقيا.
تمتلك البقوليات خاصية فريدة تميزها في النظم الزراعية، وهي قدرتها على تثبيت النيتروجين الجوي عبر علاقة تكافلية مع بكتيريا الرايزوبيوم (Rhizobium) التي تعيش في العقد الجذرية. وهذه الخاصية تجعل البقوليات عنصرًا محوريًا في الدورات الزراعية المستدامة، إذ تسهم في تحسين خصوبة التربة عبر إضافة النيتروجين العضوي وتحرير الفوسفور المرتبط بحبيبات التربة، وتقليل الحاجة للأسمدة مما يخفض التكاليف الإنتاجية ، وزيادة المواد العضوية من خلال بقايا المحصول بعد الحصاد، الأمر الذي يحسن بناء التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه.
يستعرض هذا المقال تحليل الدور المتعدد الأبعاد للبقوليات بوصفها مصدرًا استراتيجيًا للبروتين النباتي، مسلطًا الضوء على تركيبها وقيمتها الحيوية ودورها في الوقاية من عدد من الأمراض، ومساهمتها في خفض البصمة الكربونية، كما يناقش التحديات البحثية المرتبطة بسبل تحسين القيمة الغذائية عبر المعالجة والتربية الوراثية، ويتضمن المقال تحليلًا خاصًا بواقع إنتاج البقوليات في سلطنة عمان في ظل محدودية الموارد المائية، ويختتم برؤية استراتيجية مستقبلية تجمع بين التوسع في الزراعة، تحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز الاستدامة البيئية.
يعاني حوالي 2 مليار شخص في العالم من نقص في المغذيات الدقيقة، منهم 165 مليون طفل دون الخامسة يعانون من التقزم الناتج عن سوء التغذية. وتشكل البقوليات حلًا فعالًا لمواجهة هذه المشكلة للأسباب التالية: تكلفتها المنخفضة التي تجعلها في متناول الفئات الأقل دخلًا، وكثافتها الغذائية التي توفر البروتين والألياف والمعادن في حصة صغيرة، وفترة صلاحيتها الطويلة التي تسمح بتخزينها كاحتياطي استراتيجي. تشير الدراسات إلى أن المناطق التي تعتمد على البقوليات كمكون أساسي في النظام الغذائي تسجل معدلات أقل من نقص التغذية، خاصة بين الأطفال، ففي المناطق التي يندر فيها البروتين الحيواني، يمكن للبقوليات سد الفجوة البروتينية إذا تم دمجها مع الحبوب.
تعد البقوليات من أغنى المصادر النباتية بالبروتين، حيث يتراوح متوسط محتواها من البروتين الخام بين 20-25%، مع تفاوت بين الأنواع ، كما تحتوي على نسبة مرتفعة من الألياف الغذائية تتراوح بين 8-15%، نصفها تقريبًا ألياف قابلة للذوبان تسهم في خفض الكوليسترول وتنظيم سكر الدم. كما تعد مصدرًا غنيًا بالمركبات الفينولية المضادة للأكسدة.
تؤكد الأبحاث العلمية الحديثة الدور الوقائي للبقوليات ضد الأمراض غير المعدية، ففيما يخص أمراض القلب والأوعية الدموية، تحتوي البقوليات على نشا مقاوم يصل إلى الأمعاء الغليظة ليتخمر بفعل البكتيريا النافعة، منتجاً أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة التي تحمي خلايا القولون وتقلل خطر التحول السرطاني. في المقابل تتميز البقوليات ببصمة كربونية منخفضة مقارنة بالبروتين الحيواني، حيث ينتج كيلوغرام واحد من لحم البقر حوالي 60 كجم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، بينما تنتج البقوليات 0.5-1 كجم فقط. تعود هذه الفروق إلى انخفاض انبعاثات غازات الدفيئة حيث تنتج الماشية الميثان وهو غاز دفيئ أقوى 25 مرة من ثاني أكسيد الكربون، ومن حيث كفاءة استخدام الموارد يتطلب إنتاج كيلوغرام من البروتين البقلي مياهاً وأرضاً أقل بكثير من البروتين الحيواني، كما تحسن التربة ، حيث تزيد تراكم الكربون في التربة بدلاً من استنزافه.
تحتوي البقوليات على مركبات طبيعية تحد من الاستفادة الكاملة من عناصرها الغذائية، من أبرزها حمض الفيتيك (Phytates) الذي يرتبط بالمعادن كالحديد والزنك ويقلل امتصاصها، ومثبطات التربسين التي تعيق هضم البروتينات، والليكتينات (Lectins) التي قد تسبب اضطرابات هضمية، والسكريات قليلة التعدد (Oligosaccharides) المسؤولة عن الغازات والانتفاخ. تتجه البحوث الحديثة إلى تطوير أصناف محسنة من البقوليات عبر رفع محتوى البروتين باستخدام المؤشرات الجزيئية (MAS) لانتقاء السلالات عالية البروتين، وتحسين تركيب الأحماض الأمينية خاصة رفع نسبة الميثيونين، وتقليل العوامل المضادة كتطوير أصناف منخفضة الفيتات، وتحمل الإجهادات المناخية بإنتاج أصناف تتحمل الجفاف والحرارة العالية، حيث يعمل علماء تربية النبات على تطوير بقوليات قادرة على النمو في درجات حرارة أعلى.
فيما يتعلق بإنتاج البقوليات في سلطنة عمان، تشير إحصائيات حجم الواردات لمحاصيل الحبوب والبقوليات إلى أكثر من 11,985 طن من الحبوب و10,666 طن من البقوليات سنويًا. وحيث أن السلطنة تواجه تحديات في إنتاج البقوليات ترتبط أساساً بمحدودية الموارد المائية وطبيعة المناخ الجاف، إذ تعتمد الزراعة العمانية على المياه الجوفية ومياه الأفلاج، مما يستدعي ترشيد استخدام المياه واختيار محاصيل ذات كفاءة مائية عالية. تتميز البقوليات بقدرتها على النمو في ظروف محدودة المياه مقارنة بالمحاصيل الأخرى، حيث تحتاج إلى كمية مياه أقل بنسبة 30-40% مقارنة بمحاصيل الحبوب، مما يجعلها مرشحة للتوسع في نظم الزراعة العمانية. تمتلك سلطنة عمان أصنافاً محلية من البقوليات تتمتع بصفات وراثية قيمة، منها الفول العماني (الباقل) المتأقلم مع الظروف المحلية والمقاوم نسبياً للجفاف، والعدس الجبلي الذي يزرع في المناطق الجبلية كالجبل الأخضر ويتحمل درجات الحرارة المنخفضة. وتتميز هذه الأصناف بقدرتها على النمو في تربة فقيرة وإنتاجية مقبولة دون مدخلات كبيرة، مما يجعلها مناسبة للزراعة العضوية والمستدامة.
يمكن للبقوليات أن تؤدي دوراً محورياً في استدامة النظم الزراعية العمانية عبر تحسين خصوبة التربة حيث يقلل تثبيت النيتروجين الحاجة للأسمدة بنسبة 25-30%، وكسر دورات الآفات والأمراض عند تناوبها مع محاصيل أخرى كالقمح والشعير، وتوفير علف حيواني حيث تشكل مخلفات البقوليات كالقش والتبن مصدراً جيداً لتغذية الماشية. وتظهر البيانات الأولية أن المساحة المزروعة بالبقوليات في عمان لا تزال محدودة مقارنة بالحاصلات الأخرى، ويتطلب تحقيق الأمن الغذائي في البروتين النباتي زيادة الإنتاج المحلي من البقوليات بنسبة لا تقل عن 50% خلال العقد القادم، مع التركيز على الأصناف الأكثر كفاءة في استخدام المياه مثل اللوبيا والعدس.
لإلقاء الضوء على المفاضلة الاستراتيجية بين مصادر البروتين، يمكن الاستناد إلى المؤشرات التالية: ففي محتوى البروتين نجد أن لحم البقر يحتوي على 26 غراماً لكل 100 غرام بينما يحتوي العدس على 25 غراماً، وفي الدهون المشبعة يحتوي لحم البقر على 8-10 غرامات مقابل 0.1-0.3 غرام فقط في العدس، وفي الألياف ينعدم وجودها في لحم البقر بينما تبلغ 8 غرامات في العدس، أما البصمة الكربونية فتبلغ 60 كغم من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام من لحم البقر مقابل 0.9 كغم فقط للعدس، وفي استهلاك المياه يستهلك إنتاج كيلوغرام من البروتين البقري حوالي 15,000 لتر بينما يستهلك البروتين البقلي 5,000 لتر فقط، وتكون التكلفة الاقتصادية مرتفعة للبروتين الحيواني ومنخفضة للبروتين البقولي، بينما تكون جودة البروتين وفق مؤشر DIAAS من1.09-1.22 للبروتين الحيواني مقابل 0.75 للبروتين البقولي، وتظهر المقارنة تفوق البقوليات في المؤشرات البيئية والاقتصادية، بينما يتفوق البروتين الحيواني في الجودة والهضم، مما يشير إلى أن الاستراتيجية المثلى تكمن في التكامل بين المصدرين لا الاستبدال الكامل.
يمثّل الاعتماد على استيراد البروتين الحيواني كاللحوم والأعلاف ضغطاً على الميزان التجاري ومخاطرة في سلاسل الإمداد العالمية، ويمكن للاستراتيجية الوطنية المتوازنة أن تشمل توسيع زراعة البقوليات لتغطية 30-40% من الاحتياجات المحلية من البروتين النباتي، وتشجيع أنماط استهلاكية متوازنة تجمع بين المصادر الحيوانية والنباتية، ودعم صناعات غذائية قائمة على البقوليات كبدائل اللحوم النباتية والوجبات الجاهزة المغذية، والاستفادة من البرامج الدولية كمبادرة «البقوليات هي الحل» التي تهدف لمضاعفة الاستهلاك العالمي بحلول 2028م.
في ضوء التحليل السابق، يمكن صياغة رؤية مستقبلية تقوم على ثلاث ركائز متكاملة: الركيزة الأولى وهي التوسع المستدام في زراعة البقوليات من خلال استنباط أصناف عالية الإنتاجية تتحمل الجفاف والملوحة، وإدراج البقوليات في الدورات الزراعية الإلزامية لدعم خصوبة التربة، وتوفير التقاوي المحسنة واللقاحات البكتيرية (Inoculants) للمزارعين. والركيزة الثانية وهي تعزيز أنماط استهلاكية صحية عبر إطلاق حملات توعية بفوائد البقوليات وطرق تحضيرها الصحيحة، وتطوير منتجات غذائية مبتكرة تعتمد على البقوليات كالوجبات الخفيفة وبدائل اللحوم والمشروبات، وتضمين البقوليات في البرامج الغذائية المدرسية والمستشفيات، والركيزة الثالثة وهي دعم البحث العلمي والتطوير من خلال إنشاء برنامج وطني لتحسين البقوليات بالتعاون مع المراكز الدولية كإيكاردا وإيكرسات، ودراسة تأثير طرق المعالجة التقليدية والحديثة على القيمة الغذائية، وتقييم الأثر البيئي والاقتصادي للتوسع في زراعة البقوليات.
على المستوى الزراعي، ينبغي إدراج البقوليات ضمن المحاصيل الاستراتيجية المدعومة، وتوفير حوافز للمزارعين لزراعة البقوليات كأسعار دعم وضمان تسويق، وإنشاء وحدة لإنتاج وتوزيع لقاحات الرايزوبيوم لتحسين الإنتاجية، وعلى المستوى الصحي، ينبغي تحديث الإرشادات الغذائية الوطنية لتشجيع استهلاك البقوليات بواقع 2-3 حصص أسبوعياً، وإطلاق برامج للتدخل الغذائي في المناطق ذات معدلات سوء التغذية المرتفعة، ودعم البحوث السريرية حول تأثير البقوليات على الأمراض المزمنة محلياً. على المستوى التجاري والصناعي، ينبغي تشجيع الاستثمار في صناعات تصنيع البقوليات كالتعليب والتجفيف والطحن، ووضع مواصفات قياسية لجودة وسلامة منتجات البقوليات، ودعم الصادرات من البقوليات المصنعة ذات القيمة المضافة، وعلى المستوى البحثي والأكاديمي، ينبغي إنشاء قاعدة بيانات وطنية للتركيب الكيميائي للأصناف المحلية، وتمويل أبحاث تطبيقية حول تحسين القيمة الغذائية عبر المعالجة، وربط البحث العلمي باحتياجات القطاع الخاص والمجتمع.
تؤكد المعطيات العلمية والتحليلات الاستراتيجية أن البقوليات تمثل حلاً متعدد الأبعاد لتحديات الأمن الغذائي والتغذية والاستدامة البيئية، فهي تجمع بين القيمة الغذائية المرتفعة والتكلفة الاقتصادية المنخفضة والبصمة البيئية المحدودة، وفي ظل المتغيرات المناخية والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية يصبح التوجه نحو توسيع زراعة واستهلاك البقوليات خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، وتمتلك سلطنة عمان مقومات واعدة في هذا المجال من أصناف محلية متأقلمة وخبرات زراعية تراثية يمكن البناء عليها لتحقيق قفزة نوعية في إنتاج واستهلاك البقوليات، والمطلوب اليوم هو إرادة سياسية واضحة واستثمار في البحث العلمي وشراكة حقيقية بين القطاعات المختلفة لتحويل هذا الإمكان إلى واقع ملموس، إن الاستثمار في البقوليات هو استثمار في صحة الإنسان وخصوبة الأرض ومستقبل الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
د. سيف بن علي الخميسي مدير مركز بحوث النخيل والإنتاج النباتي بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه
