هكذا يجب أن تفكر الولايات المتحدة في اتفاقياتها النووية

16 أغسطس 2026
16 أغسطس 2026

ترجمة: أحمد شافعي 

كانت إدارة ترامب محقة في توقيع اتفاقية التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وعليها أن تقدمها إلى الكونجرس. صحيح أن الإعلان عن الاتفاقية قد أثار جدلا واسعا وبخاصة في ما يتعلق بقبولها المزعوم لبرنامج تخصيب يورانيوم سعودي محتمل في المستقبل، لكن ينبغي أن يفهم المسؤولون الأمريكيون أن الانسحاب من الاتفاقية - أو السماح لها بالانهيار - سوف يقوض مصالح للولايات المتحدة ويضعف نفوذها. 

مؤكد أن الحد من مخاطر عدم الانتشار النووي يمثل مصلحة وطنية أمريكية بالغة الأهمية، وأن التساؤلات المتعلقة بقدرة سعودية محتملة لتخصيب اليورانيوم هي تساؤلات في محلها. وعندما تقدم إدارة ترامب الاتفاقية إلى الكونجرس، فإن نصها سوف يجيب على بعض التساؤلات ويثير أخرى. وينبغي أن يكون مسؤولو الإدارة مستعدين لإجابتها. 

وينبغي أن يكون منطلقهم هو المصالح الوطنية الأمريكية. فبالإضافة إلى مصلحة الأمن القومي الأمريكي المتمثلة في منع انتشار الأسلحة النووية، ومنع استخدامها بصفة خاصة، فإن للولايات المتحدة مصالح وطنية أخرى بالغة الأهمية على المحك. 

أوضح هذه المصالح هي المصالح الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية. فمن شأن بيع المفاعلات النووية الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية أن يوجد آلاف الوظائف ويدر مليارات الدولارات من الإيرادات، بالإضافة إلى تعزيز التكنولوجيا والمعايير التقنية الأمريكية. 

كما أن من شأن إقامة مفاعلات في المملكة العربية السعودية أن تساعد الشركات الأمريكية على إقامة سلاسل توريد، والقدرات التصنيعية المحلية، وتحقيق الحجم اللازم لخفض التكاليف محليا، بما يجعل الطاقة أكثر توافرا، فضلا عن تعزيز القدرة التنافسية الدولية. 

غير أن التعاون في مجال الطاقة النووية لا يقتصر على بيع المفاعلات فقط، بل يشمل أيضا بيع خدمات مستمرة ـ من قبيل الصيانة، وكذلك الوقود وقطع الغيار. ولأن المفاعلات النووية تستطيع العمل بأمان لما بين ستين عاما وثمانين، إن لم يكن أكثر من ذلك، فإنها تضمن هذه المكاسب التجارية، وتبني في الوقت نفسه علاقات عميقة ومستدامة، وفي الأمر أيضا بعد بشري بالغ الأهمية من خلال تدريب المهندسين والمشغلين وغيرهم من العاملين الأساسيين. 

والجمع بين الحساسية التكنولوجية والقدرة التجارية على التحمل يضفي على هذه العلاقات طابعا استراتيجيا. ولذلك فإن بيع المفاعلات النووية ساحة رئيسية للمنافسة الجيوسياسية. 

تواجه أمريكا تحديات جسيمة. إذ تقوم روسيا بدور مهيمن في تصدير المفاعلات النووية والتزويد بخدمات التخصيب. وقد فازت شركة روساتوم الحكومية الروسية بطلبيات بقيمة مائتي مليار دولار، معظمها لمحطات طاقة نووية، وهي تمتلك نحو 40% من القدرة العالمية لتخصيب اليورانيوم. بينما الولايات المتحدة متأخرة كثيرا. 

ويتمثل التحدي الثاني في برنامج الطاقة النووية المحلي الصيني اللافت للنظر - إذ تقوم شركاتها ببناء سبعة وثلاثين مفاعلا - كما يتمثل في قدراتها الهائلة. 

وفور أن تبدأ الصين في تصدير المفاعلات على نطاق واسع، ستصبح منافسا قويا للغاية بفضل تكنولوجيا مشهود لها، وسلاسل توريد راسخة، وتكاليف منخفضة. 

والأسوأ من ذلك، أن الشركات المملوكة للدولة في الصين وفي روسيا قادرة على إبرام صفقات شاملة ذات تمويل رخيص ومزايا أخرى عديدة. 

وبأخذ هذا كله في الحسبان، ينبغي على إدارة ترامب والكونجرس مراعاة ثلاث حقائق أساسية. 

أولا، أن التخصيب حق مكفول بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ليس من الواضح أن القادة السعوديين مستعدون للتخلي عن هذا الحق، وعليه فإذا أصرت الولايات المتحدة على ذلك - وبخاصة بعد التفاوض وتوقيع اتفاقية تسمح بذلك وفقا لشروط معينة - فقد يؤدي هذا إلى انهيار الاتفاق ودفع الرياض إلى العمل مع جهات أخرى، رغم أن هذا سيكون بوضوح هو الخيار الثاني للسعودية. 

ثانيا، تتفاوض واشنطن وتوقع اتفاقيات نووية مدنية منذ سبعين عاما، ولديها اتفاقيات مع نحو خمسين دولة. وقد أنجزنا الجزء اليسير من الاتفاقيات. ولو أردنا منافسة الصين وروسيا في الدول المائة والأربعين الأخرى، فسيتعين علينا إبرام الاتفاقيات الأصعب. وإن لم نفعل، سيستحوذ خصومنا على هذه الأسواق. ستخسر أمريكا المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية، وسيتدرب مهندسو العالم النوويون في المعاهد الصينية والروسية. 

وأخيرا، ومثلما يدرك الرئيس دونالد ترامب تماما، فإن النفوذ هو أساس قدرة أمريكا على تحقيق ما تريد، ويمكننا أن نخلق نفوذا ليس لدينا. 

وتخيلوا السيناريو الأسوأ: إذ تريد دولة، غير المملكة العربية السعودية، أن تبرم اتفاقية نووية مدنية تصنيع أسلحة نووية على وجه التحديد ويخفي قادتها هذا الأمر عن نظرائهم الأمريكيين. 

هل سيكون لواشنطن نفوذ أكبر إذا رفض المسؤولون الأمريكيون اتفاقية تتضمن تخصيب اليورانيوم أو إذا طالبوا بشروطٍ تقييدية، بما يدفع تلك الحكومة إلى علاقة استراتيجية مع خصم للولايات المتحدة ليقيها من العقوبات أو الضغوط الأمريكية الأخرى؟ أم إذا قبلت واشنطن الاتفاقية، بما يضمن لها اطلاعا أوسع على البرنامج النووي لتلك الدولة، مع القدرة على سحب بعض ما قدمناه، أو التهديد بسحبه؟ الخيار الأخير هو الأفضل لأمريكا ولحلفائها أيضا. 

إن الولايات المتحدة تضحي منذ أمد بعيد بمكاسب ملموسة وقابلة للتحقيق بسعيها إلى أهداف غامضة وغير واقعية. وقد كان هذا التوجه مثيرا للقلق بصفة خاصة في الشرق الأوسط، وهي منطقة تبرز خيارات يفضل صانعو السياسات اجتنابها. ومن خلال اتفاقية الطاقة النووية المدنية مع المملكة العربية السعودية، يمتلك الرئيس ترامب والكونجرس فرصة كبيرة لتعزيز مكانة أمريكا الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وجني فوائد اقتصادية وتكنولوجية مهمة، واكتساب نفوذ جديد لا تملكه واشنطن اليوم. وعليهم اغتنام هذه الفرصة. 

 بول جيه سوندرز رئيس مركز ناشونال إنتريست وناشر مجلته 

 عن ناشونال إنتريست