من أضاء المصباح؟ ثلاث صور للإنسان والعالم
كُتب كثيرًا في الثقافة العربية عن الحداثة وما بعد الحداثة، حتى غدا المصطلحان، من فرط تداولهما، أشد غموضًا مما كانا عليه. وربما أمكن الاقتراب من معناهما بواسطة مشهد بسيط: مصباح في مبنى دار الأوبرا السلطانية في مسقط. يقف شخص أمام مفتاح الإضاءة، يضغط عليه، فيضيء المصباح.
من أضاء المصباح؟
يبدو السؤال ساذجا، لكن الإجابة عنه تتغير بحسب الموضع الذي نضع فيه الفاعلية: أفي نظام كوني أعلى، أم في إرادة الإنسان، أم في شبكة من القوى والبنى والأشياء؟ ويمكن النظر إلى ما قبل الحداثة والحداثة وما بعدها بوصفها ثلاث طرائق مختلفة في الإجابة عن هذا السؤال.
لا أستخدم هذه التسميات هنا بوصفها حقبا متجانسة، أو مراحل انقضت إحداها تمامًا حين بدأت الأخرى، بل بوصفها نماذج تفسيرية قد تتجاور في المجتمع الواحد، بل في الفرد نفسه. والفارق الجوهري بينها هو الموضع الذي تقيم فيه مركز الفعل: يضعه التصور ما قبل الحديث في نظام متعالٍ، وتضعه الحداثة في الإنسان، ثم توزعه تصورات ما بعد الحداثة بين بُنى وقوى تتجاوز الإنسان وإرادته.
المصباح في عالم ما قبل الحداثة
في التصور ما قبل الحديث لا يكفي الضغط على المفتاح وحده لتفسير إضاءة المصباح. فالإنسان يفعل، والأداة تؤثر، والطبيعة تجري وفق سننها، لكن هذه الأسباب لا تعمل مستقلة عن النظام الكوني الذي يمنحها وجودها وقدرتها وانتظامها.
يضغط الإنسان على المفتاح، ويمر التيار في الأسلاك، فيضيء المصباح. غير أن هذه السلسلة كلها تقع داخل نظام أوسع منها، وترتبط في نهاية الأمر بإرادة كونية أو مشيئة إلهية. السبب المادي موجود، لكنه ليس مصدر فاعليته الأخير.
يتكون المشهد، وفق هذا التصور، من الإنسان والمفتاح والمصباح والنظام المتعالي الذي يجعل العلاقة بين السبب والنتيجة ممكنة. ليست يد الإنسان عديمة الأثر، لكنها ليست سيدة المشهد؛ فالإنسان فاعل محدود يتحرك داخل نظام لم يصنعه، ولا يملك الإحاطة به أو التحكم الكامل في نتائجه.
ولا يعني ذلك إنكار العالم ما قبل الحديث للأسباب الطبيعية، بل فهمها داخل كون غير مغلق على ذاته، لا يحتل الإنسان مركزه، ولا يملك السيادة عليه.
المصباح الحديث
أعادت الحداثة رسم المشهد. أخذ النظام الكوني يفقد وظيفته بوصفه تفسيرًا مباشرًا للظواهر، وبرز الإنسان ذاتًا عارفة ومريدة تقف في مواجهة عالم يمكن اكتشافه وقياسه وإعادة تشكيله.
إذا أراد الإنسان الحديث إضاءة المصباح ضغط على المفتاح. الإنسان يريد، ثم يفعل، والأداة تنقل إرادته إلى الموضوع، فتأتي النتيجة. تبدو العلاقة خطية واضحة:
الفاعل «الأداة» المفعول به.
في الصورة الغالبة للإنسان الحديث يقف الإنسان في أحد طرفي العلاقة بوصفه ذاتًا، ويقف العالم في الطرف الآخر بوصفه موضوعًا. الإنسان هو الباحث والمخترع، والطبيعة هي ما يخضع للملاحظة والتجربة والحساب. وكلما ازدادت معرفته بقوانينها ازدادت قدرته على تسخيرها لتحقيق مقاصده.
لم يكن هذا التحول مرادفًا لاختفاء الاعتقاد بالله، بل لتراجع الحاجة إلى استدعاء الإرادة المتعالية في التفسير المباشر لكل ظاهرة. أصبح العالم قابلًا للفهم كما لو كان نظاما مستقلًا يمكن تتبع أسبابه من داخله. ولم يعد انتظام الظواهر آية تُحال في كل مرة إلى مصدر خارج الطبيعة، بل قانونا يمكن اكتشافه واستخدامه.
ولهذا يبدو المصباح الحديث بسيطًا: إرادة، فضغطة، فضوء.
غير أن هذه البساطة تخفي وراءها عالمًا كاملًا؛ فهي تجعلنا نرى اليد والمفتاح والمصباح، ولا نرى محطة توليد الكهرباء، وشبكة النقل، والمهندسين، وأنظمة الصيانة، والمؤسسات والقرارات الاقتصادية والسياسية التي جعلت الضوء ممكنًا.
ليست الشبكة غائبة في الحداثة؛ فالحداثة نفسها هي التي بنتها، لكنها تختفي خلف واجهة الأداة، فتبدو النتيجة أثرًا مباشرًا لإرادة الفرد. وحين يضيء المصباح كما أراد لا يجد الإنسان سببًا يدعوه إلى التفكير في كل ما يقع بين إصبعه والضوء.
المصباح بعد مركزية الإنسان
يضغط الإنسان المفتاح مرة أخرى، لكن المصباح لا يضيء.
قد يكون المصباح تالفًا، أو قاطع الكهرباء مغلقًا، أو الخلل واقعًا في شبكة المبنى أو محطة التوليد. وربما لا يكون السبب تقنيًا أصلًا، بل قرارًا إداريًا، أو سياسة لترشيد الطاقة.
في جميع هذه الحالات ضغط الإنسان المفتاح، ولم تتحقق إرادته. لقد قام بالفعل الذي ظنه كافيًا، لكن النتيجة لم تكن طوع إرادته وحدها.
يكشف تعطل المصباح ما حجبه اشتغاله المنتظم؛ فالضوء ليس أثرًا تنتجه ذات مستقلة بواسطة أداة محايدة، بل نتيجة التقاء عناصر كثيرة: الإنسان، والأسلاك، والمولدات، والبرامج، والموظفين، والمؤسسات، والموارد، والأنظمة الإدارية والسياسية. الإنسان جزء من المشهد، لكنه ليس مصدر الفاعلية الوحيد.
بدأت زعزعة صورة الإنسان المستقل من داخل الحداثة نفسها. أعاد داروين الإنسان إلى التاريخ الطبيعي، وكشف فرويد محدودية وعيه بذاته، وربط ماركس أفكاره وأفعاله بشروطه المادية والاجتماعية. ثم عمّقت البنيوية وما بعدها هذا النقد حين بيّنت أن اللغة والثقافة والمؤسسات لا تنقل إرادة الإنسان فحسب، بل تسهم في تكوينها.
فالإنسان لا يدخل العالم ذاتًا مكتملة تستخدم اللغة للتعبير عن إرادة سابقة عليها، بل تتكون إرادته نفسها داخل لغة لم يخترها، وأعراف سبقته، ومؤسسات وعلاقات تحدد مجال الممكن أمامه.
وزعزع التفكيك الاعتقاد بأن مفاهيم مثل الإنسان والعقل والطبيعة كيانات بسيطة مكتفية بذاتها؛ فكل مفهوم يقوم على علاقات وفروق واستبعادات لا يستطيع التحكم فيها تمامًا. حتى التقابل الظاهر بين الفاعل والأداة لا يبقى بريئًا؛ فالفاعل لا يستطيع الفعل من دون الأداة التي يعاملها بوصفها تابعة له.
هكذا لم تعد الذات مصدر الفعل الوحيد، كما لم تعد الطبيعة موضوعًا سلبيًا ينتظر أن يفرض عليه الإنسان إرادته. فالطبيعة تقاوم وتفاجئ وتفرض حدودها، والأدوات لا تنقل المقاصد فحسب، بل تفتح إمكانات وتحجب أخرى، والمؤسسات لا تنفذ القرارات فقط، بل تصنع الشروط التي تُتخذ فيها القرارات.
وما أسميه هنا لحظة ما بعد الحداثة هو بلوغ نقد الذات الحديثة هذه النقطة: لم يعد الإنسان سيد نفسه، ولا سيد اللغة، ولا سيد التاريخ، ولا المتحكم الوحيد في الطبيعة التي أراد إخضاعها.
العودة من غير رجوع
هنا تقترب ما بعد الحداثة، على نحو مفارق، من ما قبل الحداثة. كلتاهما تزيح الإنسان عن مركز الكون، لكنهما تفعلان ذلك بطريقتين مختلفتين.
في التصور ما قبل الحديث تحدّ من سيادة الإنسان إرادة متعالية ونظام كوني أعلى منه. أما في التصور ما بعد الحديث فتتوزع الفاعلية بين البنى والخطابات والأجساد والتقنيات والبيئات الموجودة في هذا العالم: الأولى تردّ محدودية الإنسان إلى ما فوق العالم، والثانية تردّها إلى تعدد القوى والعلاقات داخله.
لقد أزاحت الحداثة «الإله» من مركز التفسير ووضعت الإنسان مكانه، ثم جاءت تيارات ما بعد الحداثة، فأزاحت الإنسان أيضًا من غير أن تعيد الإله.
لكن هذا التشابه لا يعني أن ما بعد الحداثة عودة إلى ما قبلها. فالإنسان ما قبل الحديث محدود؛ لأنه يعيش داخل كون ذي نظام ومعنى وغاية. أما الإنسان ما بعد الحديث فمحدود؛ لأنه عقدة داخل علاقات لا يسيطر عليها، وقد لا تكون لها إرادة موحدة أو غاية نهائية. في الحالة الأولى يستند عدم المركزية الإنسانية إلى مركز متعالٍ؛ وفي الثانية لا يبقى مركزا ثابتا أصلًا.
ما الذي يتيحه هذا التفريق؟
لا يقدم مثال المصباح تاريخًا شاملًا للأفكار، ولا يضع المجتمعات في حقب مغلقة، بل يكشف ثلاثة مناهج للنظر: منهج يفهم الفعل داخل نظام متعالٍ، ومنهج يرده إلى ذات إنسانية عارفة ومريدة، ومنهج يوزعه بين بُنى وقوى وعلاقات متعددة.
حين نضغط المفتاح ويضيء المصباح تبدو الحكاية محسومة، لكن ظهور الضوء لا ينهي السؤال، بل يخفيه: من أضاء المصباح حقًا؟ اليد، أم الشبكة، أم النظام الذي أتاح لليد والشبكة أن تعملا؟
هذا الفهم لمناهج النظر يتيح لنا مناقشة قضايا أهم: ما الحقيقة؟ وكيف تُعرف؟ كيف تتكون المفاهيم التي نفهم بها العالم؟ وأين تبدأ المسؤولية الأخلاقية؟ وأين تنتهي؟
تبدأ هذه الأسئلة كلها من المسألة نفسها: أين نضع مركز الفعل؟ وأي أجزاء من العالم نحجبها كي تبدو إجابتنا بسيطة؟
حمد بن سنان الغيثي كاتب ومترجم عماني
