هل يُصلح الأمريكيون المسلمون ما أفسدته الصهيونية؟
تباينت الآراء فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية ومن يتحكم بها، وإن كان الرأي العام السائد يذهب إلى أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة بيد مجموعة ثرية داخل أمريكا نفسها، وترتبط هذه المجموعة بمصالحها الخارجية ذات الهدف التوسعي المالي عبر السيطرة على الثروات الخارجية بأنواعها وأولها النفط، وتستفيد أيضا من بيع السلاح وعقوده. وتلتقي مثل هذه الأهداف مع الرؤية الصهيونية التي في أساسها رؤية علمانية لا تنتمي لليهودية، وإن جرى تصويرها -لعامة الصهاينة- بأنها ذات إرث ديني يهتم بمشروع شعب الله المختار وبناء دولته الكبرى.
قادت هذه الحقائق المتعلقة بالسياسة الأمريكية وآلية تشغيلها إلى سؤال مهم: من يتحكم في الآخر، إسرائيل تتحكم بأمريكا أم العكس؟ واختصارا لذلك نقول إن الرأي السابق كان يرى أن أمريكا هي من تتحكم في إسرائيل باعتبارها أداتها الاستعمارية -أو الوظيفية كما يصفها عبدالوهاب المسيري- في المنطقة، وينطبق الأمر أيضا على أوروبا، ولا أشك في ذلك بحكم تاريخ تأسيس الكيان الصهيوني وطرق دعمه الباهظة.
لكننا اليوم مع معادلة جديدة معاكسة لسابقتها؛ فتظهر تحكّما إسرائيليا -صهيونيا- بالسياسة الأمريكية وقراراتها المعقدة، وتجلت هذه الصورة بكل وضوح مع الفترة الثانية -الحالية- لإدارة الرئيس ترامب؛ فيكفي ما نراه من تخبط في قرارات الحرب والمفاوضات التي جلبت الفوضى لأمريكا قبل العالم نفسه، ويفسرها أيضا الزيارات المتكررة والكثيرة لنتنياهو إلى أمريكا واجتماعاته المشبوهة مع ترامب؛ ليجد نفسه مدفوعا بعد كل اجتماع إلى الإدلاء بتصريح وقرار يناقض سابقه، وهذا ما صاعد فرضيات الابتزاز والتهديد الذي تمارسه إسرائيل سواء على خصومها أو حلفائها.
كذلك أظهرت مجريات الحرب على إيران والأحداث الدامية في غزة ولبنان الوجه الحقيقي للصهيونية، وتبين حجم تأثيرها داخل أمريكا نفسها؛ فجعل الأمريكيين يسألون ساستهم: من أولا، أمريكا أم إسرائيل؟ وكشف قناع منظمة «إيباك» التي كانت تتظاهر بأنها منظمة تسعى للتوفيق بين المصالح الأمريكية-الإسرائيلية، ولكن بات مشروعها الصهيوني واضحا للأمريكيين بأنها منظمة معنية بالمصالح الإسرائيلية وحسب؛ فتعرت شخصيات سياسية أمريكية كبيرة تبين ارتباطها الوثيق بهذه المنظمة الساعية لفرض الهيمنة الصهيونية على أمريكا وإدارتها السياسية.
مع تكشّف هذه الحقائق ظهرت قوى أمريكية أخرى يمكننا أن نقول: إنها القوة المضادة للحركة الصهيونية في أمريكا، ولكن العجيب في الأمر أن يبرز في مقدمة هذه القوة الآخذة في التشكّل السريع عدد من المسلمين الأمريكيين، وأبرزهم زهران ممداني عمدة مدينة نيويورك الذي صعد بقوة الشارع الأمريكي عبر شعاراته المناهضة للصهيونية، واستمر ممداني -حتى اللحظة- محافظا على مشروعه المناهض للصهيونية والداعم للحقوق الفلسطينية، والمثير في الأمر أنه -بمشروعه هذا- يتلقى الدعم بأنواعه من الأمريكيين أنفسهم بجميع أعراقهم وأديانهم بما فيها اليهودية المنفصلة عن الصهيونية.
تطور الأمر؛ فظهرت مؤخرا شخصية أمريكية مسلمة أخرى تحذو حذو زهران ممداني، وتتبنى مشروعه المضاد للصهيونية، وهو عبدالرحمن السيد ذو الأصول المصرية، وتجاوز عبدالرحمن -أو كما يطلق عليه الأمريكيون «عبدول»- منافسيه المرتبطين بالصهيونية رغم عشرات الملايين التي دفعتها منظمة «إيباك» لدحر تقدمه والدفع بمرشحيهم إلى مجلس الشيوخ الأمريكي. وما زالت الحرب الإعلامية -التي تعمل عليها القوى الصهيونية- تستعر عبر أساليب خبيثة متعددة تستغل وسائل التواصل الاجتماعي عبر حسابات صهيونية تنشر خداعها وسمومها الإعلامية بغية التلاعب العاطفي بالجماهير، وكان آخرها نشر مقطع مرئي لحشود تمثل مشهدا إسلاميا -متطرفا حسب وصفهم- يحاول أن يعكس حجم تصاعد الوجود الإسلامي في أمريكا وهيمنته.
بوجود هذا التغيير في التوجهات السياسية الأمريكية الواعية التي تعتمد على قوة تأثير المجتمع الأمريكي وأفراده، فإن ثمة سرا للخلطة السياسية التي يعمل عليها المترشحون الأمريكيون المسلمون؛ فنجدها تعتمد على عناصر تهم المواطن الأمريكي الذي -لأجل تحققها- لا يعبأ بديانة المترشح وخلفيته العرقية، ومن هذه العناصر حقوق المواطن الأمريكي المهمّش الذي سحق بجشع كبار الساسة والرأسماليين داخل أمريكا، وتأتي في مقدمتها حقوق الصحة والتعليم ومعالجة قضايا الفقر والبطالة؛ فيجعل خير أمريكا لأمريكا دون الحاجة إلى ضخ المساعدات المالية الباهظة إلى الخارج مثل التي تهبها الحكومة الأمريكية إلى إسرائيل؛ فصاحب الدعوة إلى تحقيق هذه العناصر الدعوة إلى وقف الحروب الخارجية العبثية، وهذا ما جعل القضية الفلسطينية وحقوقها في قائمة الأولويات لدى كثير من الأمريكيين؛ فدفعهم -مع جملة هذه العناصر المرتبطة بعضها بعضا- إلى البحث عن ساسة جدد ينتمون إلى التيار الأمريكي الجديد.
ظهر بالأمس ممداني، وظهر اليوم عبدالرحمن، ويظهر غدا آخرون ينتهجون منهجهم الإصلاحي، ولا يهم -يومها- إن كان التالي مسلما أم لا، ولكن يتجلى لنا أننا مع شخصيات أمريكية مسلمة تجيد فن مخاطبة المواطن الأمريكي وفهم احتياجاته، واستطاعت أن تتجاوز كل الحواجز العنصرية، ولعل ظهور هذه الشخصيات يتصل -ولو بشيء ما- بما استطاع السابع من أكتوبر أن يصقله في الإنسان بعمومه -بتعدد أديانه وأعراقه وجنسياته-؛ فاستطاع أن يستبدل الصورة النمطية السلبية للشخصية المسلمة كما سعت الصهيونية منذ عقود طويلة على ترسيخها في العقل البشري العالمي بشتى وسائلها من أفلام «هوليوودية» وإعلام زائف ينفث سمومه بكل وقاحة.
لا أستبعد -شخصيا- أن يصل أمثال هؤلاء الساسة الأمريكيين المسلمين إلى سدة الحكم في أمريكا برغبة أمريكية داخلية، وهذا ما بدأ يثير قلق ساسة أمريكيين كبار ويعبرون عنه أمثال نائب الرئيس الأمريكي الذي حذر من مستقبل محتمل لوصول عبدالرحمن السيد إلى البيت الأبيض؛ إذ نرى مظاهر جديدة للنمط السياسي الأمريكي يمثله جيل أمريكي جديد لا يريد أمريكا رهينة أحلام صهيونية متطرفة تستنزف أمواله وطاقاته البشرية. لعل هناك من لا يؤيد هذه النظرة الإيجابية التي ننظر بها إلى مستقبل أمريكا عبر النماذج الأمريكية المسلمة المعتدلة؛ فثمة -من العرب والمسلمين- من يرى عثرات لممداني وعبدالرحمن ما يتعلق بعضها بتوجهاتهم الشخصية وآرائهم السياسية التي تتصادم بعضها مع بعض الأنظمة العربية أو المسارات الدينية عند بعض التيارات الإسلامية؛ فنجد من يحاول أن يلصقهم بتيارات إسلامية سياسية -دون أدنى دليل- بغية تحويلهم إلى فزاعة اعتادت السياسة الأمريكية وأذرعها الإعلامية ترهيب المواطن الأمريكي بها لأسباب نعرفها يتعلق معظمها بضمان تأييده المستمر للحروب -لنهب الثروات-.
لكننا، ونحن مع هذه الفوضى العالمية التي تحرق الأخضر واليابس، وعبر ما ندركه من تأثير للسياسة الأمريكية على كل العالم، بحاجة إلى قراءة مشهد التحولات السياسية الأمريكية بوعي وحذر، ونبدأ أولا بتتبع أهداف المجموعات الصهيونية في أمريكا ومعرفة من تحب ومن تكره، وأضحى معظمنا يدرك -كما يدرك معظم الأمريكيين- أن هذه المجموعات تعمل بكل أنانية وتطرف، ولا يهمها الإنسان أيا كان دينه وعرقه طالما لا يلتقي معها في مشروع الشر العالمي.
لذلك لا ينبغي أن نلتفت إلى هوامش التوجهات الشخصية لمثل هؤلاء الساسة الأمريكيين وندقق في تفاصيلها الخاصة، ونردد التفاهات الصهيونية؛ فكل ما يهمنا أن نقف مع كل ما يتوافق مع المسار الإنساني السليم المناهض للظلم المؤيد للعدالة النابذ للحروب والعنف والتطرف؛ فإننا بحاجة إلى أن نقف في صفه.
رغم ما تشهده الساحة السياسية الأمريكية من تحولات يقود بعضها مسلمون أمريكيون؛ فإننا ما زلنا في مرحلة مبكرة من الفحص السياسي لشكل الظاهرة السياسية الأمريكية القادمة، ولم نصل إلى مرحلة اليقين السياسي، ولكن ما يتجلى لنا أننا فعلا نشهد نقلة جديدة في مسار السياسة الأمريكية بدءا من نمو الوعي الأمريكي الذي غيّب عقودا طويلة تحت تأثير «البروبوجندا» الصهيونية وأدواتها التأثيرية -الإعلامية و«الهوليوودية» -، وترجم هذا الوعي إلى بروز مرشحين سياسيين مثل زهران ممداني وعبدالرحمن السيد وغيرهم، وما يميز هؤلاء إجادتهم للخطاب السياسي والأهم مخاطبة الجمهور الأمريكي ومواجهة الخصوم بكل حنكة وصبر وقدرة على مزج الدعابة السياسية التي يميل إليها الأمريكيون بجانب مناهضتهم -المؤيدة من معظم الأمريكيين- للصهيونية الذي نراه ممهدا لحقبة جديدة يفقد فيها الكيان الصهيوني قلبه الذي يمده بالحياة والبقاء.
رغم ذلك، لا يمكننا التكهن -يقينا- بما إذا كان هؤلاء الساسة الجدد جادين -حقا- في مشروعهم الإصلاحي ويستمرون عليه وفق خطة مدروسة طويلة المدى، وتأكيد إن كان يمكن لهم أن يصلحوا ما أفسدته الصهيونية في أمريكا والعالم أجمع. لننتظر، ونرى، وإن غدا لناظره قريب.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
