ما الشعبويون إلا حفنة من الفاشلين
ترجمة: أحمد شافعي
كان أمرا معيبا ألا يحضر نايجل فاراج إعلان فوزه في انتخابات كلاكتون الفرعية التي تأكد بها رجوعه إلى عضوية البرلمان بعد استقالته دونما داع قبل أسابيع قليلة. كان يفترض أن يسعد بالحضور. فقد كان ذلك ذروة المسرحية، وممارسة للسياسة بوصفها محض استعراض. كان عدم حضوره عملا مفتعلا قائما على وراميا إلى تأجيج المظالم، وبعيدا أشد البعد عن العمل الحقيقي الواجب لمعالجة المشكلات الكامنة وراء تلك المظالم. كما كان سعيا إلى الإلهاء وتشتيت الأنظار، والتهرب من المسؤولية، وكل ما يبرع فيه الشعبيون القوميون من أمثاله، بل هو الشيء الوحيد الذي يبرعون فيه.
قال حزب الإصلاح في المملكة المتحدة: إن فاراج لم يحضر بسبب إبلاغ شرطة إيسكس له بأن حضوره «خطر حقيقي» على أمنه، وهو ما سارعت شرطة إيسكس إلى نفيه. (فلنضف إذن إلى قائمة مواهب الشعبيين نهجهم اللين في التعامل مع الحقيقة). ومع ذلك كان الزعم نفسه غريبا. وتذكروا تفسير فاراج المفضل ـ فقد كانت هناك تفسيرات أخرى ـ للهدية غير المعلنة التي بلغت خمسة ملايين جنيه استرليني وتلقاها من كرستوفر هاربورن ملياردير العملات الرقمية المقيم في تايلاند، وهي الهدية التي أدت إلى تحقيق برلماني أغضب زعيم حزب الإصلاح، وأشعره أنه مرغم على الاستقالة من البرلمان، والسعي إلى الحصول على تبرئة من أهل كلاكتون، فقد كان تفسيره للهدية هو احتياجه إلى المال لتمويل وتعزيز أمنه الخاص. ويبدو أن الملايين الخمسة لم تكن كافية لضمان أمنه، فخشي من الوقوف عند إعلان النتائج بجوار رجل يرتدي سلة قمامة (وهو كونت بينفيس الذي ترشح منافسا لفاراج ومرتديا خوذة على شكل سلة قمامة- المترجم).
إلا لو أن الأمن لم يكن الأمر الحقيقي؛ فقد قال فاراج أيضا: إنه تجنب حضور فرز الأصوات؛ لأنه لم يشأ أن «يهينه ويسيء إليه نكرات الناس». وهو محق في هذا. فإن أسيء إلى نايجل فاراج أو أهين فيجب أن يكون ذلك من ذوي حيثية. ويبدو أن أمنيته قد تتحقق، فها هو عضو في البرلمان مرة أخرى، وقد استؤنف التحقيق في الأمور المالية العديدة المحيطة به، ومنها ما يتعلق بالدعم غير المعلن الذي تلقاه من جورج كوتريل المدان بالاحتيال. وقد يؤدي صدور حكم إلى انتخابات فرعية أخرى، لكن الأحزاب الكبيرة لن تقاطعها هذه المرة، فيتعين عليه خوض المعركة أمام خصوم أشد بأسا من رجل يتنكر في سلة قمامة.
أمر طبيعي أن يستهين فاراج بأمثال كونت بينفيس وبارون فون ثاندركلاب ويراهما أدنى منه، ربما لأنه من المؤلم الاعتراف بالشيء الجوهري الذي يجمعهم، ولكي نفهم هذا القاسم المشترك ليس علينا سوى النظر إلى رجل يمثل في آن واحد بطلا بالنسبة لفاراج ومثالا للشعبوية القومية.
بعد أقل من خمسة أشهر على استفتاء البريكست الذي كان أعظم نصر حققه فاراج قبل عشر سنوات استغل دونالد ترامب موجة مماثلة من السخط الأمريكي على الوضع القائم وبطريقة مماثلة؛ إذ هاجم المؤسسة التي لم يحددها تحديدا دقيقا ونسب إليها أنها التي خربت كل شيء. وقال: إن التصويت له كفيل بتحسين كل شيء؛ إذ صرح قائلا «أنا الوحيد القادر على إصلاح الأمر». وفي عام 2024 تم انتخابه مرة أخرى بناء على وعد مماثل.
أثبت ذلك الانتصار براعة ترامب في ضرب معين من السياسة، وأثبت أن له موهبة لا مثيل لها في الاستيلاء على الاهتمام الشعبي وفي توجيه مخاوف الناس وإقناعهم بأن ثمة علاجا بسيطا في متناول يده. وفي حين أن فاراج يعزف النغمة نفسها فإن ترامب هو الفذ.
ومع ذلك انظروا إلى ما يجري فور أن ينتهي كرنفال الحملة الانتخابية ويبدأ الحكم. ترون لترامب سجلا كارثيا. فقد انتخب لعلاج التضخم الذي زعم أنه خرج عن السيطرة في ظل حكم جو بايدن، فإذا بالتضخم الآن أعلى مما كان عليه في نوفمبر 2024 حينما انتصر على سلفه. كما ارتفعت أيضا أسعار الوقود، وهي المؤشر الذي طالما استحضره ترامب في حملته الانتخابية سنة 2024. وهذا يساعد أكثر من أي عامل وحيد آخر على تفسير سبب انهيار معدلات تأييد ترامب إلى محض 34%.
ومع ذلك فإن ترامب الذي تركزت جاذبيته في شخصيته بوصفه رجل أعمال ناجح ـ وهي الشخصية التي صمدت برغم مسيرة من الفشل وسلسلة من الإفلاسات ـ لا يفعل شيئا من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية لمن انتخبوه. ولا أقصد أنه يحاول تطبيق سياسات مختلفة لكنها لا تفلح، وإنما أقصد أنه لا يحاول. ومثلما قال لي جوناثان سوان ـ المؤلف المشارك لكتاب (تغيير النظام) الذي يعد سردا كاشفا للأشهر الخمسة عشر الأولى من ولاية ترامب الثانية ـ في بودكاست (السياسة الأمريكية في أسبوع): «لقد ضجر ترامب من السياسة الاقتصادية».
وبالطبع لم ترتفع أسعار الوقود تلك من تلقاء نفسها؛ فالذي رفع سعر النفط هو القرار الذي يبدو أنه سيسم رئاسته كلها، أي قرار الحرب على إيران التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير. فقد ثبت أنه قرار كارثي؛ إذ فشلت هذه الحرب في تحقيق أي من أهدافها المتغيرة التي أعلنها ترامب: فلم يحدث تغيير لنظام الحكم في طهران، ولا يزال تهديد إيران النووي قائما على حاله، وازداد طموحها النووي الآن عن ذي قبل ولو بهدف ردع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي. ولم يؤثر بالسلب إلا قليلا على قدرات إيران التقليدية فلا يزال النظام قادرا على الاستمرار في ضرب جيرانه. وإن لم يكف هذا كله سوءا فقد نجح ترامب في زيادة الإيرانيين قوة عما كانوا عليه في السابع والعشرين من فبراير؛ إذ وضع بين أيديهم سلاحا اقتصاديا عظيم القدرة على إحداث الاضطراب، وهو خنق الاقتصاد العالمي بالسيطرة على مضيق هرمز.
ترامب قادر على الاستعراض، والزعم في لحظة بأنه «محا» العدو أو بأن يقول في اللحظة التالية إنه حقق فتحا كبيرا واتفاق سلام، لكن ذلك كله محض استعراض. وبينما الصواريخ الإيرانية لا تزال تتساقط تنفد ذخيرة الجيش الأمريكي سريعا، وهي الذخيرة التي يحتاج إليها الجيش لاعتراض الصواريخ الإيرانية أو للرد عليها. وقد تلقى ترامب تحذيرا من قائده العسكري بشأن هذا الخطر منذ البداية، لكن ترامب أعرض عنه مقتنعا أن الحرب سوف تكون سريعة؛ إذ أنبأه حدسه بأن إيران سوف تمضي مثلما مضت فنزويلا، وستكون سريعة ويسيرة، وثبت خطأ ظنه.
ويظل الأمر نفسه يتكرر. سيعلن ترامب عن اتفاق مع إيران أو بين حماس وإسرائيل، ليتضح سريعا أنه ما من اتفاقية أبرمت. فترامب يفتقر إلى الصبر على العمل التفصيلي المضني الطويل الذي توجبه الدبلوماسية. ويريد النشوة السريعة التي تحققها له منشورات مواقع التواصل الاجتماعي وعناوين الأخبار. هو ببساطة مايسترو الألاعيب السياسية مثلما تحاك حاليا، لكنه في الحكم شخص لا نفع فيه.
ولا يختلف عنه في هذا من يتخذونه زعيما من الشعبويين القوميين؛ فهم بارعون في الغضب على الأوضاع القائمة، لكنهم عاجزون عن تحسينها. وهم قادرون على التعبير عن الاستياء وعلى استغلال المظالم، لكنهم غير قادرين على معالجة العلل التي تؤجج تلك التعاسة. وهذا في نهاية المطاف ما يوحد فاراج وترامب ومعهم في واقع الأمر جميع النكرات الثلاث والثلاثين الذين خاضوا الانتخابات الفرعية في كلاكتون. فكلهم مرشحو اعتراض واحتجاج، ومن ينجحون منهم، إنما هم منهم قلبا وقالبا.
جوناثان فريلاند من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان
