فيلم المنزل الأخير.. الاحتجاز والعزلة بسبب أمطار صمغية أغلقت كل باب ونافذة
اليوميات العادية التي يعيشها عدد من الشخصيات وهي مطمئنة أن الأمس مثل اليوم، وهو امتداد للغد بلا تحولات استثنائية ولا مفاجآت، وحتى مساحة ما هو استثنائي لن تكون خارج التوقع والمعتاد، لكن ماذا لو انقلبت المعادلة كلها وأصبح كل شيء استثنائيًا وغرائبيًا ولا منطقيًا وبلا أسباب واضحة؟
هذه هي الخلاصة التي يمكن الخروج بها من خلال شخصيات هذا الفيلم للمخرج الفرنسي لويس ليتريي، وهو فيلمه العاشر بعد سلسلة أفلام خيال علمي ومغامرات من أبرزها فيلم الناقل بجزأيه 2002 و2005، فضلًا عن أفلام أخرى كان فيها إما ممثلًا أو مخرجًا أو منتجًا.
هنا سوف تعود بنا الذاكرة إلى أفلام مثل مكان هادئ بأجزائه الثلاثة وفيلم صندوق الطيور، وهي من الأفلام الأحدث التي تتماهى مع قصة هذا الفيلم؛ حيث تلعب قوى الطبيعة وكائناتها المتوحشة دورًا في محاصرة الإنسان وخوضه مغامرات خطيرة.
في هذا الفيلم يتحول المطر إلى قوة تدميرية ليس لجهة الفيضانات والغرق، بل إن المشكل يكمن في المطر في حد ذاته، في تحوله إلى نوع صمغي يتسبب في تحجر الأبواب والشبابيك والتصاقها واستحالة فتحها، وبالتالي انتقال الشخصيات إلى نوع من الحجر الإجباري الذي لا خروج منه، ولربما استغرق ذلك بضع ساعات أو حتى عدة أيام، لكن الواقع يقول إن لا نهاية لذلك مع استمرار هطول المطر واستمرار الظواهر الجوية الغريبة.
سوف ننتقل بعد هذه المفاجأة الغريبة إلى الشخصيات في حد ذاتها، وماذا سوف تفعل لكي تضمن البقاء على قيد الحياة، ما هو متوفر من طعام ومؤونة، ثم ما هي الأحداث التي سوف تقع لكي تقنع المشاهد بما يجري، وهو امتحان يواجهه المخرجون وكتاب السيناريو عندما يعالجون إشكالية المكان الواحد.
العائلة التي تتكون من الأب جاسون - يقوم بالدور الممثل فاغنر مورا، والأم آن - الممثلة غريتا لي، وطفليهما، هذه الشخصيات الأربعة هي التي سوف تتحمل المعاناة، وهنا سوف نتتبع المسارات السردية التي اعتمدها المخرج، والتي تركزت في بؤرة درامية أساسية خلاصتها المحاولات المستميتة للتحرر من تلك العزلة والخروج إلى الخارج بتحرير الجميع من الحجر الإجباري، لا سيما بعد تأكد الجميع أن العزلة تلك ضربت مناطق أخرى، وأن الأمطار الصمغية حبست الجيران أيضًا الذين بعضهم كان يرفع لافتات عبر النوافذ تقول لا طعام كافيًا أو لا دواء.
لكن كاتب السيناريو والمخرج ما لبثا أن انتقلا بنا إلى مزيد من المغامرة والرعب والخيال مع تقدم الزمن الفيلمي واستحالة الخروج واستنفاد هذا الحل وذاك، بالتأكد من وجود كائنات وحشية مهجنة بشكل ما، كانت هي التي تستثمر هذه العزلة للاقتصاص من البشر، ولهذا كان مستغربًا في البداية ظهورها المباغت من خلال وجود ضحايا مطاردين في الخارج، وبذلك تتفاقم العزلة مع توالي الأشهر، وإذا بنا أمام سنوات، وإذا المنزل قد تحول إلى مزرعة لسد حاجة العائلة من الطعام.
كتب العديد من النقاد قراءات نقدية عن هذا الفيلم من زوايا متعددة، وفي هذا الصدد كتب الناقد السينمائي برايان تالريكو في موقع روجر إيبرت: «يتميز هذا الفيلم بفرضية مثيرة للاهتمام تطرح تساؤلًا افتراضيًا هو (ماذا لو؟)، ماذا لو عجزت تمامًا عن مغادرة منزلك؟ تبرز هنا بوضوح دلالات تشبه فترة الإغلاق الشامل أثناء جائحة "كوفيد"، في خلق شعور حقيقي بضيق المكان (رهاب الأماكن المغلقة) في جزئه الأوسط؛ وهي مرحلة كان ينبغي أن تكون مشحونة بالتوتر حول كيف يمكن البقاء محبوسًا مع أشخاص -حتى أولئك الذين تحبهم- أن يدفعك ببطء نحو الجنون، وهو يمثل الجانب النفسي المرعب من العمل؛ إذ يتضح أن السيناريو يكتفي بالمراوحة في مكانه بانتظار الوصول إلى ذروة الأحداث المليئة بالإثارة والحركة في الفصل الأخير».
أما الناقدة فيكتوريا لوكسفورد في موقع إن إم أي فقد كتبت: «بعيدًا عن القصة والإخراج السينمائي فسوف أتحدث عن السرد الفيلمي، فبعد مشاهد التمهيد، تحول معظم الفيلم إلى دراما عائلية كئيبة؛ حيث نتابع أبطالنا الأربعة وهم يكافحون نقص الغذاء وغياب التطور في شخصياتهم الدرامية. إذ يكتفي الجميع بمجرد رد الفعل تجاه الأحداث التي تقع لهم قبل الانتقال إلى مشهد الرعب التالي. وتمنحك أجزاء كبيرة من الفيلم شعورًا بأنك محبوس معهم في الداخل، مضطرًا لمشاهدة لقطات متتابعة مونتاجيًا تخلو من أي بعد اجتماعي يضفي عمقًا على الفكرة العامة للعمل.
وعادةً ما تعتمد الأفلام التي تدور أحداثها في أماكن محدودة على سيناريو قوي أو لغز معقد، وهو ما اشتغل عليه هذا الفيلم متضمنًا في نهايته مشاهد حركة (أكشن) مصممة ببراعة».
فكرة الاحتجاز في الداخل مع شعور متفاقم ومزعج بالضيق جعلت الجهد الكبير يقع على عاتق الممثلين، وخاصة غاسبر ولي؛ حيث ظهرت جليًا قدرتهما على تطويع مشاعرهما ببراعة في المواقف والأوقات المناسبة؛ وكان من الممكن للسيناريو أن يُكتب بشكل أفضل فيما لو جرى تعميق المشاعر الداخلية للشخصيات والآثار النفسية الناجمة عن العزلة، لكن الواقع أن هذا الثنائي الموهوب وجد نفسه يكافح وسط تيار معاكس، محاولًا التعامل مع مهمات غير واضحة النهايات والمعالم، تقتصر متطلباتها على مجرد النجاة كهدف وحيد في ظل الظروف التي وجدوا أنفسهم فيها.
في موازاة ذلك، كان هنالك شعور ما بغياب حقيقة أننا أمام عائلة حقيقية؛ إذ لا يكاد يوجد ما يكفي من إحساس بتاريخ مشترك يجمعهم، وكأن المخرج وفريقه لم يمنحوا الوقت أو الاهتمام الكافي لبناء الخلفية الدرامية اللازمة لتحقيق هذا الهدف شديد الأهمية الذي يقرّب أحداث الفيلم أكثر إلى المشاهد، لهذا لجأ في كثير من الأحيان إلى فكرة اللعب وتزجية الوقت بمشاهدة أشرطة قديمة، فضلًا عن التحدي المعلوم المتمثل في بدء نفاد الطعام والماء، وصولًا إلى الغوص في القاع والنجاة في اللحظة الأخيرة.
من جانب آخر هنالك إشكالية تتعلق بالعدو - الوحش، من هو وكيف ظهر ومن أين؛ إذ بدا أن فكرة الأمطار الحمضية أو الصمغية لم تكن كافية للمضي بالفيلم وعلى مدى ساعتين إلى نهايته، ولهذا تم زج فكرة الوحش الخرافي الذي لا تعرف ما هو ومن أين جاء، سوى أن ظهوره سوف يكون مصحوبًا بهطول المطر، ثم إغراق المنزل والغرق فيه.
هذه المعطيات مجتمعة تحيل هذا الفيلم إلى الأفلام التي سبق ذكرها مثل المكان الهادئ وصندوق الطيور وغيرها؛ حيث المتانة الدرامية والتماسك في مواجهة القوة الواحدة، على الرغم من كون الشخصيات تواجه تحديًا لا قبل لها به ولا تستطيع السيطرة عليه.
.................
إخراج: لويس ليتريي
سيناريو: ماثيو روبنيون
تمثيل: فاغنر مورا، غريتا لي، نواه سونسوانسكي، آردين تشو
مدير التصوير: بال روكسيث
مونتاج: آدم غوه
