ثقافة

"بين الأمواج والرمال".. سيف المحروقي يفتح كواليس أكثر من أربعة عقود في الإعلام العُماني

15 أغسطس 2026
15 أغسطس 2026

يضع الصحفي والإعلامي سيف بن سعود المحروقي تجربته في جريدة عمان في قلب سيرته الذاتية "بين الأمواج والرمال"، الصادرة عام 2026 عن مكتبة الروغة بالاشتراك مع دار الحكمة بلندن، في 353 صفحة موزعة على تسعة فصول، وبينما تمتد السيرة على محطات متعددة من الطفولة والهجرة والتعليم والأسرة والعمل الإعلامي، ويستحوذ الفصل السابع، "في قلب وزارة الإعلام"، على مساحة واسعة من التجربة المهنية، ويتتبع مرحلة امتدت من العمل في وزارة الإعلام إلى جريدة عمان، ثم إلى مواقع قيادية داخل مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان (سابقا).

يفتح المحروقي الفصل السابع من بوابة أوسع من تجربته الشخصية، وهي مرحلة تأسيس الإعلام العُماني ومواكبته للتحولات التي شهدتها البلاد خلال السبعينيات والثمانينيات، ويستعيد صورة عُمان وهي تشهد توسعا في الطرق والمطارات والموانئ، وإنشاء المناطق الصناعية، وتطوير قطاعات النفط والزراعة والثروة السمكية، وبناء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية، وإنشاء جامعة السلطان قابوس.

ويتوقف عند سياسة الحياد الإيجابي والعلاقات التي أقامتها عُمان مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ودورها في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وسط هذه التحولات يرى المحروقي الإعلام جزءا من حركة البناء التي كانت تعيشها البلاد، يتحدث عن الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، وعن التحديات التي واجهت الإعلام في بداياته، وفي مقدمتها الحاجة إلى بناء الكوادر الوطنية والاستعانة بخبرات عربية.

ويقول في استعراضه لتلك المرحلة: "وددت الإشارة إلى هذه المرحلة لأنني شهدت مرحلة التأسيس لعُمان الحديثة، وعايشت بناء قطاع الإعلام في سلطنة عُمان، وهي مراحل مهمة ومفصلية في تاريخ البلاد"، ومن هنا يعود الكاتب إلى تجربته الشخصية، فيصف عقود العمل التي استحوذت على جزء كبير من حياته، حتى غدت العودة إلى المنزل للنوم وتفقد العائلة تكاد تختصر يومه، يستحضر أشياء بسيطة لم يجد لها وقتا، مثل جلسة مع الشباب، أو رحلة ترفيهية وممارسة الرياضة أو السير على شاطئ البحر، أو مراقبة شروق الشمس وغروبها.

ثم يصل إلى الإعلام باعتباره مسؤولية ارتبطت عنده بمرحلة بناء الدولة الحديثة، ويكتب أن الإعلاميين أخذوا على عاتقهم مهمة تأسيس إعلام تنموي يواكب التطورات، ويتابع المشاريع وينقل حركة البناء، ويرصد ما يحدث في البلاد.

بعد تجربة في التلفزيون ودائرة الأخبار، وجد المحروقي نفسه أمام انتقال لم يكن يتوقعه إلى جريدة عمان، كانت فكرة الانتقال قد طرحت عليه قبل ذلك بسنوات من سعادة عبدالله الرحبي الرئيس التنفيذي لمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان آنذاك، حين سأله عن إمكانية العمل في الجريدة، ثم عادت الفكرة إلى الواجهة في عام 2010، عندما تحدث مع ناصر السيباني الذي شجعه على مقابلة وزير الإعلام وطرح رغبته في الانتقال.

وفي 12 يوليو 2010 تلقى اتصالا من رئيس مكتب وزير الإعلام محمد بن خلف المعولي، أبلغه فيه بأن توجيهات الوزير تقضي بأن يباشر عمله في جريدة عمان، قبل أن يصدر قرار تعيينه مديرا للتحرير، دخل المحروقي مبنى الجريدة وهو يعرف أنه مقبل على تجربة مختلفة عن التلفزيون، وفي أول زيارة له إلى صالة التحرير وجد الهدوء الذي يسبق ذروة العمل، ثم عاد بعد المغرب ليجد المشهد مختلفا تماما، عشرات الموظفين منشغلون، والصفحات تتحرك بين الأقسام، وكل شخص يعرف المهمة التي تنتظره.

كان يتابع دورة الصفحة خطوة بخطوة من المحرر إلى رئيس القسم، ثم التصحيح والمراجعة والدسك، وبعدها رسم الصفحة وتنفيذها ومراجعتها من سكرتير التحرير، ثم التدقيق والإخراج، قبل انتقالها إلى المطبعة، ويشرح المحروقي هذه الدورة بتفاصيلها، حتى يدرك القارئ حجم العمل الذي يقف خلف النسخة التي تصل إليه صباحا، فالصفحة تمر عبر أيد عديدة، وكل مرحلة تحمل مسؤولية جديدة، فيما تستمر العملية حتى ساعات متأخرة من الليل، وقد تمتد إلى الصباح عند وقوع حدث عاجل أو عطل فني في المطبعة.

وكانت جريدة عمان بحسب ما يرويه، تطبع يوميا ما بين ثماني طبعات وعشر، اختار المحروقي في بداياته أن يلازم سكرتير التحرير عماد البليك، ليتعرف عن قرب على طريقة العمل، ومعالجة الصفحات وانتقاء العناوين، ويمنح الكاتب البليك مساحة واضحة في هذا الفصل، واصفا إياه بأنه "ودود، عبقري في مجاله، أديب"، إلى جانب خبرته الطويلة وسرعته في إنجاز العمل.

ومع الأيام بدأ المحروقي يتعامل مع التفاصيل اليومية للجريدة، بما فيها المشكلات التي تصاحب العمل الصحفي، يروي مثالا عن المادة التي يتأخر صاحبها عن تسليمها، فيجد سكرتير التحرير نفسه أمام مساحة شاغرة ينبغي ملؤها، فيلجأ إلى الحل السريع وكتابة المادة بنفسه، من هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل صورة العمل اليومي داخل الجريدة، عمل قائم على الاستعداد الدائم للطوارئ، وعلى إيجاد الحلول في الوقت المناسب.

بعد نحو ستة أشهر ورغم الجهد الذي بذله في التعرف على العمل وحل المشكلات، وجد المحروقي نفسه راغبا في العودة إلى التلفزيون، أخبر وزير الإعلام آنذاك حمد الراشدي برغبته، كما تحدث مع سعادة عبدالله الرحبي، الذي كان موقفه حاسما في استمرار المحروقي بالجريدة.

ثم أخذت مسيرته داخل الجريدة مسارا جديدا، ففي مطلع عام 2012 عين المحروقي نائبا لرئيس تحرير جريدة عمان، وأصبح مسؤولا عن إدارة كثير من تفاصيل العمل، ويستعيد في هذا الجزء علاقته بزملائه، ومن بينهم خالد المعمري الذي اقترح تعيينه مديرا للتحرير، ويصف المعمري بأنه "القلب النابض للجريدة"، مشيرا إلى ساعات العمل الطويلة التي كان يقضيها في متابعة الصفحات ومراجعتها وإعداد الصفحة الأولى خلال إجازات سكرتير التحرير.

ثم جاءت مرحلة جديدة في عام 2012، مع انتقال عبدالله الرحبي إلى وزارة الخارجية وتعيين الدكتور إبراهيم بن سعيد الكندي رئيسا تنفيذيا للمؤسسة، وتعيين الدكتور عبد المنعم بن منصور الحسني وزيرا للإعلام، بعدها وجد المحروقي نفسه أمام مفاجأة أخرى، فقد طلب منه أن يكتب اسمه رئيسا للتحرير لمدة ستة أشهر إلى حين البحث عن رئيس جديد، لكن الأشهر الستة امتدت، وبعد عامين من التكليف حسم الأمر في يناير 2016، وصدر قرار بتثبيته رئيسا لتحرير جريدة عمان، مع تكليفه في الوقت نفسه مديرا عاما للشؤون المالية والإدارية في المؤسسة.

ويقدم الفصل تفاصيل من داخل غرفة التحرير، حيث تتقاطع مسؤولية رئيس التحرير مع القرارات اليومية المتعلقة بالموضوعات والعناوين والصور والإخراج، ويتحدث المحروقي عن بعض التجاذبات التي رافقت العمل الصحفي، وعن التحقيقات الصحفية التي أثارت جدلا لدى بعض الجهات، ثم عن الضغوط التي دفعت الجريدة إلى تقليل بعض التغطيات، كما يستعيد مواقف تتعلق بنشر الأحكام القضائية، وتوجيهات نشر الصور، والاتصالات التي كانت تصل بعد إعداد الصفحات، وأحيانا بعد انتهاء الطباعة وتحرك سيارات التوزيع.

كما تحدث المحروقي عن الأخطاء التي وقعت في عهده، ويخصص مساحة للحديث عنها باعتبارها جزءا من مسؤولية رئيس التحرير، من أبرزها مقال نشر في الجريدة وتضمن تلميحات أثارت ضجة، حيث يرى أنه كان يستطيع اتخاذ قرار مباشر بإيقاف المقال، لكنه أحال الأمر إلى مدير التحرير، ويقول صراحة: "في هذا الأمر أعتبر نفسي مخطئا لأنني لم أتخذ القرار مباشرة وإلغاء المقال".

كما يستعرض خطأ آخر وقع أثناء تغطية مناسبة في ولاية صحار، مر عبر أكثر من مرحلة تحريرية وتدقيقية قبل أن يصل إلى الصفحة الأولى، ثم تكرر الخطأ نفسه في صحيفتي الأوبزيرفر والرؤية بعد تداول الخبر ذاته، وطلب إجراء تحقيق في الواقعة، وأصر المحروقي على أن يشمله التحقيق باعتباره رئيس التحرير، قبل أن يستثنى لاحقا من الإجراء.

وفي مرحلة لاحقة اتجه المحروقي إلى تطوير دورة العمل، فتم التعاقد مع شركة "نيوز برس" لإدخال نظام آلي لدورة التحرير، والاستغناء عن الدورة الورقية، بما سمح بمتابعة مراحل العمل ومعرفة مواضع الأخطاء والجهد الذي يبذله كل موظف، كما سعى إلى منح الصحفيين فرصا أوسع للتدريب والتغطيات الخارجية، ويذكر إرسال رؤساء الأقسام إلى لندن، وزياراتهم لصحف ووكالة رويترز وإذاعة بي بي سي، إلى جانب ترشيح صحفيين لتغطية مؤتمرات وفعاليات دولية.

وتتسع تجربة سيف المحروقي في الفصل السابع بعد تثبيته رئيسا لتحرير جريدة عمان في يناير 2016، إذ وجد نفسه أمام مسؤولية مزدوجة، رئاسة التحرير، وتولي مهام المدير العام للشؤون المالية والإدارية في مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان، كانت هذه المرحلة مرتبطة بمحاولات تطوير المؤسسة والجريدة معا، ويتحدث المحروقي عن إنشاء مخازن للأوراق، وتجديد صالة الدخول التي حملت اسم "رواق الفكر"، وبناء مصلى للموظفين، إلى جانب خطط لتطوير صالة التحرير ومركز الدراسات وصالة الأوبزيرفر والمسرح، وشراء مطبعة جديدة قادرة على طباعة أكثر من ثلاثين صفحة ملونة.

ثم جاءت محطة جديدة في نوفمبر 2015، عندما عين الدكتور إبراهيم الكندي عضوا في مجلس الدولة، وكلف المحروقي بتسيير عمل الرئيس التنفيذي للمؤسسة، إلى جانب عمله رئيسا للتحرير، كانت المهمة في البداية مؤقتة في تصوره، لكنه بقي في هذا الموقع قرابة خمس سنوات، إلى أن ألغيت مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان ودمجت مع وزارة الإعلام في أغسطس 2020.

أما بقية فصول الكتاب فتأتي كل واحدة منها لتضيء جانبا مختلفا من حياة المحروقي، ففي الفصل الأول "السفر الأول" يعود إلى طفولته في جزيرة إيكروي بتنزانيا، وحياة العمانيين في شرق إفريقيا وأعمالهم وتجارتهم وتمسكهم بالدين والعادات، ثم رحلة العودة إلى عُمان التي استغرقت نحو 21 يوما بحرا، وفي الفصل الثاني، "على أعتاب الوطن" يستعيد الكاتب عودته إلى عُمان واستقراره في حارة العين بولاية أدم، ويتوقف عند الحياة الاجتماعية والسبلة والأفلاج وسوق أدم ورحلة الشتاء والصيف ودور النساء والشخصيات التي أثرت في تكوينه.

أما الفصل الثالث "طفل في ثوب رجل" فيتناول طفولته وتشكل شخصيته، وما رافق تلك المرحلة من ذكريات ومواقف وتجارب مبكرة، ويأخذ الفصل الرابع "رحلة العمر" القارئ إلى مراحل السكن والإقامة والزواج والدراسة وامتلاك جواز السفر وتكوين الأسرة والاستقرار الأسري، ثم يأتي الفصل الخامس "عبور الصعوبات.. تحديات المراحل الدراسية" ليروي رحلة طلب العلم من أدم ومسقط إلى القاهرة لدراسة الإعلام، ثم نيوكاسل لدراسة الماجستير، وما رافق تلك الرحلات من تحديات، وفي الفصل السادس "خلاصة تجربة الحياة" ينتقل الكتاب إلى الحياة العملية والإعلامية، وتغطية الأخبار والأحداث والكوارث في عُمان والمنطقة، والعمل الإعلامي في فترة كانت المعلومة فيها أكثر صعوبة، والإمكانات التقنية أكثر محدودية، وبعد الفصل السابع، يأتي الفصل الثامن "بين الهوايات والمعاناة" ليفتح جانبا آخر من حياة الكاتب، الكشافة والرياضة والعمل الإداري في نادي فنجاء، ثم مرحلة ما بعد التقاعد، واكتشاف المناطق والسير في الجبال، إلى جانب الحديث عن التضحيات التي قد يقدمها الصحفي على حساب حياته الأسرية والاجتماعية، أما الفصل التاسع والأخير "حين يتحدث التاريخ بلسان قائده"، فيتناول فلسفة الكاتب في العمل الصحفي وأخلاقيات المهنة وعلاقة الصحفي بالسلطة ومعايير النجاح الصحفي، ويختتم بتفاصيل لقائه بالسلطان قابوس بن سعيد عام 2019 برفقة عدد من الصحفيين، وهو لقاء استمر أكثر من ساعتين.

Image