"إتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل.. من خريطة طريق الى متاهة شروط!
بيروت- وفاء عواد:على باب البلدية في زوطر الغربية، حطّت مسيّرة إسرائيلية، يوم السبت الفائت، معاينةً "المنطقة التجريبيّة" الأولى في جنوب لبنان. طلبت فتح الأبواب لتفتيش المبنى، ثم غادرت الى ساحة البلدة وراقبت المكان من البعيد.
وذلك، في مشهدية تختصر واقع الميدان وأفق المفاوضات، معطوفةً على خرق فاضح للمنطقة الأولى بعد توغّل قوّة إسرائيلية باتجاه ساحة البلدة، تحت جنح الظلام، حيث رفعت ساتراً ترابياً على بعد أمتار من الجيش اللبناني، الذي كان قد انتشر في البلدة المذكورة بموجب "إتفاق الإطار"، مفتتحاً أولى "المناطق التجريبية"، والتي بقيت وحيدة في ميدان التفاوض.
وفيما لا تزال إسرائيل "تصرّف" نتائج جولة "روما-2" بأيامها الـ3، والتي انعقدت بين 4 و6 من الجاري، على أرض الواقع، غاراتٍ وقصفاً مدفعياً وتوغّلاً إضافياً، في جولات متتالية لم يعد عددها يتّسع للحساب، يجدر التذكير بأن "زوطر الغربيّة" إحتلّت المرتبة الأولى على لائحة "المناطق التجريبيّة"، الى جانب بلدتَي فرون وصريفا، والتي بدأ العمل بها في 21 يوليو الفائت، في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من "إتفاق الإطار".
وحتى تاريخه، لا يزال الإحتلال يرسم حدوداً للتنقل داخلها، وقد منع الجيش اللبناني من دخول أجزاء منها، ولا سيّما المنطقة المحاذية لـ"زوطر الشرقية"، التي لا تزال محتلّة بالكامل، تماماً كما هو حال نحو 150 بلدة لا تزال تُراقب من الأعلى وتُستعاد بالصورة، وتفوق مساحتها الـ600 كلم2.
ومن بوّابة زوطر الغربيّة، أولى "المناطق التجريبيّة"، أكدت أوساط مقرّبة من رئاسة الوفد اللبناني المفاوض أن نتائج "روما-2"، والتي أتت استكمالاً لمسار تفاوضي إنتقل من واشنطن إلى روما بعد 5 جولات سابقة، لم تحمل معها حتى وعوداً جديّة، بل اتّسمت بتشدّد إسرائيلي غير مسبوق، أنتج تصادماً مع الوفد اللبناني، الذي اقترح توسعة "المناطق التجريبيّة" لتشمل بلدتَي بنت جبيل والخيام، لكنّ الرفض الإسرائيلي حال دون ذلك، ما أدّى الى اختتام الجلسة في يومها الأخير على هذه الصورة السلبية.
ذلك أن لبنان دخل الجولة السابعة التفاوضيّة محمّلاً بمطالب واضحة، فيما إسرائيل خرجت منها بشروط إضافية.
وهنا بيت القصيد، بحسب مصادر سياسية مراقبة، إذْ أن لبنان يفاوض على التنفيذ، فيما إسرائيل تتفاوض على شروط التنفيذ، وكلّ شرط يحتاج الى تحقّق.
أمّا على المقلب المكمّل لهذه الصورة، فتنامت الإنطباعات عن ستاتيكو سيسود الجبهة التفاوضية، كما الميدانية، في المرحلة الفاصلة عن الإنتخابات الإسرائيلية العامّة في أكتوبر المقبل. هذا إذا صحّت التقديرات المتفائلة باستبعاد حرب موسّعة قد تشتعل فجأة.
-مفاوضات "عالورق"-
وفي ضوء هذه الأجواء، والتي أضيف اليها تطوّر خطير، تمثل بنشر وزارة الخارجية الإسرائيلية، على حسابها الرسمي في منصّة "إكس"، خريطة ظهر فيها جنوب لبنان وكأنّه خارج الحدود اللبنانية وداخل المساحة المرسومة لإسرائيل، فإن ثمّة إجماعاً على أن "إتفاق الإطار"، الذي جرى توقيعه بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو الفائت، برعاية أمريكية، تحوّل من خريطة طريق الى متاهة شروط.
ذلك أن الميدان يقول شيئاً، وطاولة التفاوض تقول شيئاً آخر. وفي المسافة بين الاثنين، إسرائيل تفاوض على الورق، وتعيد رسم قواعد اللعبة بالنار.
أمّا المعادلة، فتبدو حتى تاريخه على الشكل التالي: لا اختراق، لا انسحاب، ولا مرحلة تجريبيّة ثانية. ومن هنا، فإن الجولة التفاوضيّة الثامنة، والمقرّرة مبدئياً مطلع سبتمبر المقبل، تبدو معلّقة على حِبال الإنتظار، حيث لا شيء أكيداً حتى الساعة، بحسب أوساط الوفد اللبناني المفاوض، مع ما يعنيه ذلك من كون بيروت تحاول ربط أيّ تقدّم سياسي بخطوات ميدانية ملموسة، بدل الفصل بين طاولة المفاوضات وما يجري على الأرض، الأمر الذي يثير تساؤلاً عمّا إذا كان لبنان يرفض عقد الجولة المقبلة، في حال رُفضت مطالبه.
-مطالب.. وخيارات-
ومن بوّابة جولة "روما-2"، بين ما قيل فيها وما سُرّب من كواليسها، ووسط المراوحة الثقيلة بين وقف نار غير محترم وتسوية مؤجلة، علمت "عُمان" أن لبنان يتّجه الى ربط مفاوضات "روما-3"، المرتقبة مبدئياً في سبتمبر المقبل، بتنفيذ 3 مطالب: تثبيت وقف شامل وكامل لإطلاق النار، وقف عمليات التجريف والتدمير في الجنوب، وتوسعة "المناطق التجريبيّة"، وتحديداً في بنت جبيل والخيام.
ذلك أن بيروت، وبحسب أوساط رسمية، لا تريد إسقاط المفاوضات، لكنّها في المقابل لا تريد أن تتحوّل الجولات التفاوضيّة الى غطاء سياسي لاستمرار العمليات العسكرية.. فإلى أين تتّجه مفاوضات روما؟ وما الخيارات المطروحة أمام لبنان؟ وما هي الأوراق التي يمتلكها غير اللجوء إلى السماء بعد استعصاء حلول الأرض؟
وفي معرض الإجابة عن هذه الأسئلة، فإن في القراءات السياسية 3 خيارات مطروحة على بساط البحث، بدءاً من استمرار لبنان في التفاوض من دون أوراق، مع ما يعنيه هذا الخيار عملياً من شراء الوقت بلا أيّة ضمانات، مروراً بمغادرة التفاوض الى مواجهة لا يملك شروطها، ما يعيد الحسم الى الميدان، ووصولاً الى تعليق الجولات التفاوضية من دون إسقاط المسار التفاوضي، مع ما يعنيه هذا الأمر من ربط العودة إلى المفاوضات بالحصول على خطوة إسرائيلية ملموسة.
وما بين مضامين هذه الخيارات الـ3، معطوفةً على كون إسرائيل تدير معركتها على إيقاع انتخاباتها، وتفاوض بالنار قبل كلّ جولة مفاوضات، وتفرض على الطاولة أمراً واقعاً، والذريعة جاهزة: "حزب الله" لم يلتزم نزع السلاح، تبقى الأسئلة معلّقة حتى إشعار آخر، ومفادها: ماذا يفعل لبنان في هذا الوقت؟ هل ينتظر "منطقة تجريبيّة" تتقلّص يوماً بعد يوم، حتى باتت محصورة ببعض زواريب "زوطر الغربية"؟!
