بعد أكثر من عامين ونصف... انتشال رفات ضحايا مجزرة أبو شريعة والحساينة في حي الصبرة
"الآن أشعر بالراحة ، ارتاحت أسيل، وأصبح لها قبر أستطيع زيارته وقتما أشاء."بهذه الكلمات تصف تغريد أحمد (44 عامًا) شعورها بعد انتشال جثمان صديقتها المقربة أسيل أبو شريعة، التي استشهدت مع أفراد عائلتها في بداية الحرب إثر استهداف المربع السكني الذي كانوا يقيمون فيه بحي الصبرة في مدينة غزة.
وتقول تغريد إن أسيل كانت مهندسة زراعية، رافقتها سنوات طويلة في العمل، وجمعتهما صداقة وثيقة، مضيفة أن غياب جثمانها طوال تلك المدة جعل الفقد أكثر قسوة. وتضيف: "كان أصعب ما في الأمر أننا لم نكن نعرف أين هي، أما اليوم فأصبح لها قبر نزوره وندعو لها."
بعد أكثر من عامين ونصف على المجزرة، أنهت طواقم الدفاع المدني عمليات انتشال رفات ضحايا عائلتي أبو شريعة والحساينة، اللتين استهدفتهما غارات إسرائيلية في 22 نوفمبر 2023، بعدما ظل الموقع مغلقًا وتعذر الوصول إليه طوال
تلك الفترة.
وأسفر القصف عن تدمير مربع سكني كامل، فتحولت عشرات المنازل إلى أكوام من الركام، فيما بقي الضحايا مدفونين تحت الأنقاض لسنوات، دون أن تتمكن طواقم الإنقاذ من الوصول إليهم.
ووفق المعلومات الميدانية، أسفرت المجزرة عن استشهاد 308 فلسطينيين، بينهم 44 طفلًا دون سن السادسة عشرة، و37 امرأة، وأكثر من 10 أشخاص من ذوي الإعاقة، لتُعد من أكثر المجازر دموية التي استهدفت عائلات بأكملها خلال الحرب.
وفي 14 يوليو الماضي ، بدأت طواقم الدفاع المدني إزالة الركام وانتشال الضحايا بإمكانات محدودة لم تتجاوز آلية واحدة، واستمرت العمليات حتى الأول من أغسطس 2026، وسط صعوبات كبيرة فرضها حجم الدمار وطول الفترة الزمنية التي
مرت على وقوع المجزرة.
ووصف المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، المشهد بأنه "استثنائي ومؤلم"، مشيرًا إلى أن تشييع أكثر من 100 شهيد من عائلتي أبو شريعة والحساينة شكّل واحدة من أكبر الجنازات التي شهدها قطاع غزة، ومن أبرز المشاهد الجنائزية في تاريخ القضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة.
وخلال عمليات الانتشال، وثقت الطواقم مشاهد قاسية لجثامين وأشلاء متناثرة، ولم تتمكن سوى من انتشال 112 شهيدًا، أي نحو ثلث إجمالي الضحايا، فيما لا يزال عدد كبير من المفقودين تحت الركام.
وقال رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، إن نحو 200 من أفراد العائلتين ما زالوا تحت الأنقاض، أو تلاشت جثامينهم بفعل شدة الانفجارات التي رافقت استهداف المربع السكني. وأضاف أن ما انتشلته طواقم الدفاع المدني لا
يمثل سوى جزء من ضحايا المجزرة، مؤكدًا أن عشرات العائلات ما زالت تنتظر العثور على رفات ذويها ودفنهم بما يحفظ كرامتهم.
ولا تزال بقايا المباني المدمرة قائمة في حي الصبرة، شاهدة على حجم الدمار الذي خلفته المجزرة. وبالنسبة لعائلات الضحايا، لم تكن عمليات انتشال الرفات مجرد مهمة إنسانية، بل محاولة متأخرة لاستعادة أحبائهم بعد أكثر من عامين ونصف من الانتظار، ومنحهم حقهم في الدفن وتوديعهم.
وتندرج مأساة عائلتي أبو شريعة والحساينة ضمن معاناة أوسع يعيشها آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث لا تزال عمليات البحث عن المفقودين وانتشال الضحايا مستمرة في العديد من المناطق التي دُمرت بشكل واسع خلال الحرب.
وتُقدّر الجهات الفلسطينية الرسمية وجود نحو 10 آلاف شهيد ما زالوا تحت أنقاض المنازل والمنشآت المدمرة في قطاع غزة، في ظل استمرار تعذر وصول طواقم الدفاع المدني والإسعاف إلى العديد من المواقع بسبب حجم الدمار، ونقص الإمكانات اللازمة لرفع الركام وانتشال الجثامين، ما يجعل الحصيلة الفعلية للضحايا مرشحة للارتفاع.
وتبقى مجزرة أبو شريعة والحساينة واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في الحرب على قطاع غزة، إذ لا تزال عشرات العائلات تبحث عن مفقوديها، فيما تستمر عمليات انتشال الضحايا من المناطق التي تعذر الوصول إليها لسنوات، لتظل المجزرة شاهدًا على الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب، وعلى معاناة آلاف الأسر التي ما زالت تنتظر معرفة مصير أحبائها.
