شجرة العشق
تحتاج الأمم إلى أساطيرها الصغيرة بقدر حاجتها إلى تاريخها الكبير، فالذاكرة الجماعية لا تبني وقائعها أفعالا فحسب، وإنما تبنيها بواسطة القصص التي تمنح الوجود معنًى. هذه القصص التي تُسهم في التعزية عن أثر واقع الحرمان والمنْع والقطيعة. فناءُ المُحبِّ في مَن يُحبُّ حالٌ وجدانيّ صوفيّ، تنقّل من حكايات العشّاق البشر إلى صلةٍ بين البشر العاشق وذاتِ الإله، وهي ظاهرة شهدتها أغلب الثقافات، وصنعت منها حكايات عشّاقها، وقصص متصوفّيها. تراث العرب زاخر بقصص العشّاق وأشعارهم، منهم من سُمّي وضُبِط نسبه، ومنهم مَن بقي مُطلَقًا، سائبًا، غير محدّد، وهذا ما أفضى إلى اعتبار أنّ قَصص العشّاق قائم على الأعمال والوظائف والأفعال أكثر من قيامه على الشخصيّات، فتتشابه بذلك أفعال المجنون مع كثير مع جميل، ومع غيرهم ممّن لم تُذكَر أسماؤهم. ولعلّ أهمّ قصّة عشقيّة في تراث العرب، هي قصّة عروة وعفراء، التي ملخّصها كالتالي: «شاعر إسلامي، أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى، لا يُعرف له شعر إلاّ في عفراء بنت عمه، عقال بن مُهاصر، وتشبيبه بها».
شخصيّة عروة بن حزام وارتباطها بعفراء، هي شخصيّة قابلة لحمل مختلف الحكايات الدائرة في مدار العشق، تعيش الشخصيّة محبّة لابنة عمّها، راغبة فيها، طالبةً لها، بعد أن أثّث رواة قصص العشّاق مناسبات اللقاء بينهما وظروف حصول الحب، فأغلب الروايات تشدّ حزام إلى عفراء (التي يُهملها الرواة، ولا تأخذ من عين السارد ملحَظًا) برابط النسب المتين، وترعرعهما معا حتّى بلغا الحلم، والانفصال، آنئذ يتحقّق شوق المنفصلين ويسعى عروة إلى إعادة الوصل بطلب الزواج المتعثّر، الذي تقف دونه شخصيّة المُعرقل، أو المانع، وهي في القصّة أمّ عفراء، التي تريد لابنتها أن تُدرّ عليها المال والنَّعم واليسر بزواجها، وهو العامل المفقود في طالبها وراغبها الأساس، وهي السبب في حصول الفرقة بين العاشقيْن، وتأسيس قصّة الحبّ المثاليّة في تراث العرب، التي خاض فيها القصّاص والشعراء، وتحوّلت من محض علاقة بين راغبيْن إلى أسطورة رمزيّة وتحمّلت أبعادًا وجوديّة ووجدانيّة. فكأنّ الحكاية تفتَح ممكنًا سرديّا بعد الموت، وكأنّ المنع والفُرقَة في واقع الحياة فتَّح أملًا لشجرةِ حياةٍ ملؤها الخصوبة واليفاعة والحبّ.
وقد أبان كتاب «ذمّ الهوى» هذا العائق الأساس «وَكَانَتْ أُمُّ عَفْرَاءَ لَا تُرِيدُ لَهَا إِلا مَنْ لَهُ مَالٌ فَخَطَبَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ عَفْرَاءَ فَأَتَى عُرْوَةُ عَمَّهُ فَقَالَ قَدْ عَرَفْتُ قَرَابَتِي وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا يَخْطُبُ عَفْرَاءَ فَإِنْ تُجِبْهُ قَتَلْتَنِي فَقَالَ لَيْسَ أُخْرِجُهَا إِلَى غَيْرِكَ وَلَكِنْ أُمُّهَا تُرِيدُ مَهْرًا غَالِيًا فَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ». يُغادر عروة طلبًا للمهر، ويرتحل وعندما يعود يجد أنّ عفراء قد تزوّجت وسافرت مع زوجها الذي دفع فيها مالا وفيرًا، يسعَى المُحبّ خلف حبيبته، ويلقاها برضا زوجها، ويُحادثها، وتُبْرز القصّة دور الزوج المساعد، المساهم في تحقيق اللّقاء بين المُحبِّيْن، لتنتهي القصّة، على عادة قصص العشّاق، بموتِ المُحبِّ الوله شوقًا وتوقًا وفقْدًا، واعتلاله قبل ذلك، ومخالطته، ومرضه بداءٍ لا طبيبَ يقدر على مداواته.
نهايةُ القصّة تخرج عن ممكن الحُدوثِ والوقوع، إلى معانقة الرمزيّ والأسطوريّ، وتأسيس نهايةٍ عجيبةٍ، غير معهودة، تتمثّل في موت المعشوقة المحبوبة، إثر وفاة الراغب فيها، بكاءً ولوعةً، وهي جالسة على قبره، أورد أبو الفرج الأصفهاني في ذلك قوله: «فلم يزل (عروة، وهو راجع من ملاقاة عفراء بعد زواجها) في طريقه، حتى مات قبل أن يصل إلى حيّه بثلاث ليال، وبلغ عفراء خبر وفاته، فجزعت جزعًا شديدا، وقالت ترثيه: ألا أيها الركب المخبُّون ويحكم/ بحق نعيم عروة بن حزام. ولم تزل تردد هذه الأبيات وتند به بها، حتى ماتت بعده بأيّام قلائل». تموت عفراء، لتلحق بحبيبها، وتُحْدثُ المخيّلة القاصّة لقاءً رمزيًّا بينهما بعد موتهما، إذ تنبتُ من قبريهما المتجاورين شجرتان تتعانقان، وتلتقيان، «رَأَيْتُ النَّاسَ يَنْزِلُونَ عَنْ مَحَامِلِهِمْ وَيَرْكَبُونَ دَوَابَّهُمْ فَقُلْتُ أَيْنَ تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيدُ نَنْظُرُ إِلَى قَبْرِ عَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ فَنَزَلْتُ عَنْ مَحْمَلِي وَرَكِبْتُ حِمَارِي وَاتَّصَلْتُ بِهِمْ فَانْتَهَيْتُ إِلَى قَبْرَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ قَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْقَبْرِ سَاقُ شَجَرَةٍ وَمِنْ هَذَا سَاقُ شَجَرَةٍ حَتَّى إِذَا صَارَا عَلَى قَامَةٍ الْتَقَيَا فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ تَآلَفَا فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَوْتِ». هذه النهاية هي التي صنعت للقصّة فرادة وتميّزًا وأبعادًا رمزيّة وأدبيّة وصوفيّة ووجوديّة، وجعلت الرواة يجتهدون في روايتها أوّلًا، وفي تعميق شهادات مَن عاينوا حالَ المحبِّ المعتلّ، فاقد الأمل في الحياة، المأخوذ بذكر حبيبته. وهو أمرٌ تهافت الرواة في تسخيره سياسيّا ودينيّا، لما تأسّست عليه القصّة من عفّة وتضامن من قبل الزوج، وحرمانٍ واضح، فأورد الرواة مقولة تُسنَد إلى عمر بن الخطّاب: «لو أدركت عروة وعفراء لجمعت بينهما»، ومقولة ثانية في المقام السياسيّ تُردّ إلى معاوية بن أبي سفيان، يقول فيها: «لو علمت بهذين الشريفين لجمعت بينهما»، وهي ظاهرة مبينة عن أثر القصّة، التي هي قصّة، في نفوس الناس.
وسواء أثبتت شخصية عروة تاريخيًا أم لم تثبت، فإن قيمته في الثقافة العربية لا تنبع من مرجعيته التاريخية، بل من طاقته الرمزية، وحكايته مثل حكايات أغلب العشّاق، هي صورة ذهنيّة تخييليّة وبنية حكائيّة لرائج في قصص العُشّاق، ولذلك تنوّعت أخباره تركيزًا على حدثين أساسيين، اعتلاله الذي شهده عدد من الرّواة، وأعجز الأطبّاء والعرّافين، وموته الذي تحوّل إلى بعد أسطوريّ رمزيّ.
فصارت قصّته مشربًا منه يَستقي الشعراء والقُصّاص صورة العاشق المتواصل بعد الموت، ولعلّ أبرز مثال يُمكن أن نقتصر عليه في التناصّ مع قصّة عروة وعفراء، قصيدة «غريب على الخليج» لبدر شاكر السيّاب، التي يقول فيها: «وهي المفلية العجوز وما توشوش عن حزام/ وكيف شقَّ القبر عنه أمام عفراء الجميلة/ فاحتازها.. إلاّ جديلة»، وهو باب ينفتح لإعادة إنتاج القصص التراثي الحامل لرمزيّة عميقة، يُمكن أن تشفي غليل القرّاء، وأن تُرضي حرمان الدنيا بلقاءِ ما بعْدهَا. فهذه الصورة الرمزيّة لم تقبع في كتب التراث، جامدةً، ميتةً، وإنّما واصلت حياتها في الشعر العربي الحديث، إذ ظل لقاء الشجرتين رمزًا لقدرة المخيلة على إنقاذ الحب من الفناء.
الصورة المثاليّة للعاشق العربيّ في تراث العرب، أنّه يعيش ألمًا وهجْرًا وفُرْقَةً يستلذّها، ويطلبُها، فكأنّه لا يريد أن يُرْفَع عنه ابتلاء العشق، ولقد عبّر الشعراء العشّاق في أكثر من مناسبة عن هذه الصورة المثاليّة بقاءً في الحالِ، ودوامًا فيه، رغم عذاباته، ولذلك، أردّ دومًا حكايات العشّاق إلى أرضيّة صوفيّة عرفانيّة عميقة. ورد في كتاب الأغاني: «قال عبد الملك: فقلت لأبي السالب: ومن أي شيء مات؟ أظنّه شرق، فقال: سخنت عيناك، بأيِّ شيء شرق؟ قلت: بريقه -وأنا أريد العبث بأبي السائب- أفترى أحدًا يموت من الحب؟ قال: والله لا تفلح أبدًا، نعم يموت خوفًا أن يتوب الله عليه»، وتلك سمة ثابتة في أغلب قصص العاشقين وأشعارهم. فالعقل السرديّ العربيّ قادرٌ على ترميز الفشل الدنيويّ للحبّ، وبعثِ ممكن قصصيّ ضاربٍ في الأرضِ، في القبر، معانقٍ للسّماء. شجرة العشق حياةٌ جذورها القبر، الموت، وانبعاثٌ بمعانقةٍ باقية بقاءَ الوجود.
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي
