شـرقٌ عـربـيّ إسـلامـيّ جـديـد

29 يوليو 2026
29 يوليو 2026

كـلُّـنـا يـذْكُـر مـقـولـة «الـفـوضـى الـخـلاّقـة» الـتـي أطـلـقـهـا الـمحـافـظـون الجـدد فـي الولايـات الـمـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة، أيَّـانَ سـيـطـرتـهـم عـلى السّـلـطـة فـيـهـا فـي الـولايـتـيـن الأولـى والـثّـانـيّـة لـجـورج بـوش الابـن، وانـتـقـالِـهـا مـن مـجـرّد فـكـرة ردَّدهـا بـعـضُ تـلامـذة بـرنـارد لـويـس مـنـهـم إلـى سـيـاسـةٍ رسـمـيّـة مـعـتَـمـدة تَـعَـاور عـلى تـنـفـيـذهـا مـتـطـرّفـون يـمـيـنـيّـون مـن عـيـار ديـك تـشـيـنـي، وپـول وولـفـويـتـز، وشـارل پـيـرل، وكـونـدالـيـزا رايـس... ورئـيـسِـهـم جـورج بـوش. وكـلّـنـا يـذْكُـر مـسـلـسـل الـمـآسـي الـمـتّـصـلَ الحـلـقـات الـذي شـهـدت عـلـيـه مـنـطـقـة «الـشّـرق الأوسـط» (فـي الـتّـعـيـيـن الكـولـونـيـالـيّ)، أو مـنـطـقـة الـمـشـرق الـعـربـيّ الإسـلامـيّ، مـنـذ ذلـك الحـيـن مـن مـطـالـع الـقـرن الحـادي والـعـشـريـن؛ ولـيـسـت الحـروب الأمـريـكـيّـة والـصِّـهـيـونـيّـة عـلى شـعـوب هـذه الـمـنـطـقـة إلاّ الـتّـجـسـيـد الـمـاديّ لـتـلـك الـسّـيـاسـة الـتي تـغـيّـت إعـادة صـيـاغـة الـتّـكـويـن الجـغـرافـيّ- السّـيـاسـيّ لـهـذا الـقـسـم الحـسّـاس والحـيـويّ مـن العـالـم. 

حـصـل ذلـك فـي حـقـبـةٍ تـاريـخـيّـة طَـبـَـعـهـا الـتّـبـدُّل فـي ظـواهـر الـقـوّة فـي الـعـالـم؛ أعـنـي فـي حـقـبـة الاخـتـلال الـفـادح فـي الـتّـوازنـات الاسـتـراتـيـجـيّـة الـدّولـيّـة الـذي أعـقـب انـهـيـار الاتّـحـاد الـسّـوڤـيـيـتـيّ، وانـتـهـاءَ الحـرب الـبـاردة وانـطـلاقَ الـعـولـمـة. كـان الـذي جـرى إيـذانـاً بـانـتـقـالٍ حـاسـم مـن نـظـامٍ دولـيّ ثـنـائـيِّ الـقـطـبـيّـة إلـى نـظـام الـقـطـب الأوحـد. 

كـان مـدُّ الـمـحـافـظيـن الـجُـدد الـرّجـعـيّ واحـداً مـن الـنّـتـائـج الـتي تـولّـدت مـن ذلـك الـتّـحـوُّل الـكـونـيّ الـهـائـل، لـذلـك مـا كـان مـسـتـغْـرَبـاً أن تـتـرسّـخ فـي ذهـنـيّـة الـنّـخـب الأمـريـكـيّـة تـلـك الـعـقـيـدةُ الـتـي اصـطـنـعـهـا أمثـالُ بـرنـارد لـويـس وفـوكـويـامـا وهـنـتـنـغـتـن عـن قـوّة أمـريـكـا وقـيـمـهـا، ونـهـايـة الـتّـاريـخ، وصـدام الحـضـارات... إلخ، وأن تـقـودهـا إلى إتـيـان مـغـامـراتٍ كـبـرى مـن قـبـيـل غـزو أفـغـانـسـتـان (2002) والـعـراق (2003) وتـفـجـيـر مـا لا حـصْـر لـه مـن الحـروب فـي الـمـنـطـقـة قـصـد إخـضـاعـهـا والـتّـصـرُّف بـمـنـطـق الـقـوّة العـمـيـاء الـتي تُـقـرّر مـصـيـر الـبـشـريّـة جـمـعـاء! 

فـي هـذا الـمـفـصـل مـن انـفـلات نـزعـة الـقـوّة مـن كـلِّ عِـقـال، اسـتـعـاد الـعـقـل الأمـريـكـيّ الـمـحـافِـظ فـكـرة «الـشّـرق الأوسـط الـجـديـد»، الـتـي كـان قـد طـرحـهـا شـمـعــون پـيـريـز، رئـيـس الوزراء الأسـبـق فـي الـكـيـان الـصِّـهـيـونـيّ، ودافـع عـنـهـا فـي كـتـابٍ صـدر فـي أوائـل عـقـد الـتّـسـعـيـنـيّـات، لـكـي يـحـوّلـهـا (= الـعـقـلُ ذاك) إلـى بـرنـامـج عـمـلٍ لإدارة جـورج بـوش الابـن (بـعـد غـزو العـراق) فـي أفـق اسـتـكـمـال مـا شُـرِع فـيـه مـن تـغـيـيـراتٍ شـامـلـة فـي مـنـطـقـة «الـشّـرق الأوسـط»: مـنـذ «مـؤتـمـر مـدريـد» (1991)، و«اتّـفـاق أوسـلـو» (1993)، و«اتّـفـاق وادي عـربـة» (1994)، فـانـطـلاق مـؤتـمـرات الـتّـنـمـيـة لـدول «الـشّـرق الأوسـط وشمـال أفـريـقيـا»... إلـى غـزو أفـغـانـسـتـان والـعـراق. 

ومـا كـان مـشـروع «الـشّـرق الأوسـط» الأمــريـكـيّ الجـديـد لـيـخـتـلـف عـن الـرّؤيـة الاسـتـراتـيـجـيّـة الأمـريـكـيّـة إلـى الـمـنـطـقـة - عـلى نـحـو مـا عـبّـرت عـن نـفـسـهـا مـنـذ «حـلـف بـغـداد» (فـي أوائـل خـمـسـيـنـيّـات الـقـرن الـعـشـريـن) - سـوى فـي أنّ هـذا المشروع بـات يُـفْـرِد للـدّولـة الصّـهـيـونـيّـة مـكـانـةً اسـتـراتـيـجـيّـة فـي ذلك «الـشّـرق الأوسـط الـجـديـد» الـمَـنْـوِيِّ بـنـاؤُه تـقـوم، بـمـقـتـضـاهـا، مـقـامَ الـدّولـة/ الـمـركـز داخـل الـنّـظـام «الـشّـرق الأوسـطـيّ» الـذي تُـشَـدُّ إلـيـه الأطـرافُ والـهـوامـش الـعـربـيّـة والإسـلامـيّـة بـخـيـوط الـتّـبـعـيّـة. 

كـان مـفـهـومـاً، تـمـامـاً، لـمـاذا تَـكِـل إدارةُ جـورج بـوش الابـن والـمـحـافـظيـن الـجـدد إلـى الـدّولـة الـصّـهـيـونـيّـة أن تـنـهـض بـمـهـمّـة إنـجـاز الحـلـقـة الـمـركـزيّـة فـي مسـلـسـل تـحـقـيـق الـنّـظـام «الـشّـرق الأوسـطـيّ» الجـديـد. 

هـكـذا وقـع الإيـعـاز إلـى حـكومـة إيـهـود أولـمـرت بـفـتـح الحـرب ضـدّ المـقـاومـة فـي لـبـنـان، صـيـف الـعـام 2006، بـاسـتـغـلال واقـعـة خـطـف جـنـديّـيـن صـهـيـونـيّـيـن مـن شـمـال فـلـسـطـيـن الـمـحـتـلّـة ونـقـلـهـمـا إلـى مـكـانٍ مّـا داخـل لـبـنـان. 

كـلُّـنـا يـذْكُـر تـلـك الـعـبـارة الـتـي عـلّـقـت بـهـا كـونـدالـيـزا رايـس، وزيـرُ خـارجـيّـة الـولايـات الـمـتّـحـدة، عـلـى مـا يـجـري فـي لـبـنـان مـن قَـتْـلٍ ومـن دمـارٍ للـمـدن والـقـرى والـمـقـدَّرات... بـأنّ ذلـك لـيـس أكـثـر مـن أوجـاع مـخـاض ولادة «الـشّـرق الأوسـط الجـديـد»! الـولادة الـتـي كـانـت تـقـتـضـي، لـكـي تـنـجـح، إلـحـاق الـهـزيـمـة بـالـمـقـاومـة اللّـبـنـانـيّـة وحـلـيـفـيْـهـا الإيـرانـيّ والـسّـوريّ. 

لـكـنّ الـمـقـاومـة أفـسـدتِ الـطّـبـخـة وألـحـقـتْ بـقـوى الـعـدوان خـسـاراتٍ أجـبـرتـه عـلى الانـكـفـاء الاضـطـراريّ عـن جـنـوب الجـنـوب مـجـبِـرَةً، فـي الـوقـت عـيـنِـه، فـكـرة «الـشّـرق الأوسـط الـجـديـد» الأمـريـكـيّـة- الصّـهـيـونـيّـة عـلى الانـكـفـاء الخـاسـئ. 

سـتـستـعـيـض سـيـاسـةُ «الـفـوضـى الـخـلاّقـة» - فـي سـعـيـهــا إلـى إنـتـاج «شـرقٍ أوسـطٍ» جـديـد - عـن أدواتـهـا الـسّـابـقـة الـتـي فـشـلـت (= الحـروب الأمـريـكـيّـة والـصّـهـيـونـيّـة عـلى دول الـمـنـطـقـة وحـركـات المـقـاومـة فـيـهـا) بـأدواتٍ جـديـدة مـن الـدّاخـل الـعـربـيّ الإسـلامـيّ؛ هـي تـلـك الـتـي وقـع تـجـنـيـدُهـا فـي سـيـاق مـا عُـرِف، فـي الـخـطـاب الـغـربـيّ، بـاسـم «الـرّبـيـع الـعـربـيّ». فـأمّـا الأدوات الـجـديـدة فـحركـاتٌ داخـلـيّـة- دولـيّـة مـسـتـورَدة ومـسـلّـحـة (= الحـركـات «الجـهـاديّـة» الـمـسـلّـحـة)، ودولٌ إقـلـيـمـيّـة تـقـدّم لـهـا الـمـلاذ الآمـن والـدّعـم اللّـوجـيـسـتـيّ ومـنـافـذ الـعـبـور إلـى الـدّاخـل فـضـلاً عـن الـتّـدريـب والـمـال والـسّـلاح والـتّـسـويـق السّـيـاسـيّ... إلخ؛ وأمّـا الـهـدف مـن ذاك «الـرّبـيـع» فـهـو تـدمـيـر الـدّول والـمـجـتـمـعـات وتـمـزيـق نـسـيـج الـوحْـدات الـوطـنـيّـة فـيـهـا وتـعـمـيـم فـوضًـى تـنـتـهـي بـتـفـكـيـك الـكـيـانـات وإعـادة تـركـيـبـهـا عـلى مـقـتـضـى الـعـصـبـيّـات الأهـلـيّـة الـتّـقـلـيـديّـة الـبـاحـثـة لـنـفـسـهـا عـن حـمـايـةٍ مـن خـارج! وهـكـذا، حـيـن يـحـصـل نـجـاحٌ فـي تـفـسيـخ مـوارد الـقـوّة والـمـقـاومـة فـي «الـشّـرق الأوسـط» ويُـجَـرَّدُ الـعـرب مـن الأسـنـان والأظـافـر (= الجـيـوش الـنّـظـامـيّـة والمـقـاومـات)، تـصـبـح الـمـنـطـقـة صـيـداً سـهـلاً لمـشـروع إقـامـة «نـظـام الـشّـرق الأوسـط الـمـوسّـع» فـيـهـا! 

هـل تـغـيّـرت الحـالُ فـي الحـرب الأمـريـكـيّـة - الـصّـهـيـونـيّـة عـلى إيـرانَ ولـبـنـان، ومـا سـبـقـهـا ورافـقـهـا ونَـجَـمَ مـنـهـا مـن مـفـاوضـاتٍ سـيـاسـيّـة عـلى إنـهـاء الحـرب وتـسـويـة الـنّـزاع عـلى الـبـرنـامـج الـنّـوويّ الإيـرانـيّ؟ 

لا، لـم يـتـغـيّـر شـيء؛ كـانـتِ الحـربُ امـتـداداً لـسـيـاسـة إحـداث «الـفـوضـى الخـلاّقـة» تـهـيـئـةً لـشـروط قـيـام «الـشّـرق الأوسـط» الأمـريـكـيّ- الـصّـهـيـونـيّ بـعـد الـقـضـاء عـلى أهـمّ أُثْـفِـيـةٍ مـن الأثـافـي الـتي تـقـوم عـلـيـهـا الـمـنـطـقـة (= إيـران). لـكـنّ نـتـائـج الـعـدوان هـزيـلـةٌ للـغـايـة ولا تـوفّـر أسـاسـاً لأيّ نـجـاحٍ فـي ذلـك الـمـسـعـى. 

لـذلـك، لـن يُـحْـسَـم - فـي الأمـد الـمـنـظـور - مـصـيـرُ «الـشّـرق الأوسـط» كـمـا يـريـد الأجـانـبُ الـطّارئـون عـلـيـه، لأنّ «الـشّـرق الأوسـط» صـار - عـلى الـحـقـيـقـة - شـرقـيْـن مـتـجـابـهـيْـن، أو قُـل مـشـروعـيـن مـشـتـبـكـيْـن: «شـرقٌ أوسـطٌ» بـرّانـيُّ الـصُّـنّـاع والـمـهـنـدسـيـن يـتـغـيّـا تـكـريـس الـكـيـان الـصّـهـيـونـيّ حـاكـمـاً رئـيـسـاً للمـنـطـقـة (ومـن ورائـه أمـريـكـا)، فـي مـقـابـل شـرقٍ عـربـيّ إسلامـيّ بُـنـاتُـه هُـم ذَوُوهُ أنـفـسُـهـم بـأمـمـهـم الأربـع (الـعـربـيّـة، الإيـرانـيّـة، الـتّـركـيّـة، الـبـاكـسـتـانـيّـة)؛ وهـو الـشّـرقُ الـذي أثـبـت الانـتـصـارُ الإيـرانـيُّ الأخـيـرُ إمـكـانَـه الـتّـاريـخـيّ. 

عبد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي