No Image
رأي عُمان

المنطقة ومأزق الحرب

20 يوليو 2026
20 يوليو 2026

تعيش المنطقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية داخل مأزق يتسع كل يوم؛ فالقصف متواصل لا ينقطع رغم الهدنة التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم، وارتدادات القصف تطال جميع دول الخليج ودولا عربية أخرى، والملاحة في مضيق هرمز ما زالت معطلة أو خطرة في أفضل الأحوال والسياحة التي تعتمد عليها بعض النماذج الاقتصادية في الخليج تعيش أوضاعا قلقة للغاية.

المشكلة أن الطرفين دخلا المواجهة بأهداف كبيرة ومفتوحة. أرادت الولايات المتحدة فرض تراجع إيراني واسع في ملفات النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي والملاحة. وإيران أرادت أن تثبت أن كلفة الضغط عليها ستصل إلى خصومها وإلى المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم، ومع كل جولة اتسعت قائمة الأهداف، وأصبح التراجع أصعب؛ لأن كل طرف ربط موقفه بمكانته وهيبته وقدرته على الردع.

وهنا يبدأ المأزق الحقيقي؛ إذ تملك واشنطن قوة عسكرية كبيرة، لكنها لم تقدم حتى الآن تصورا سياسيا واضحا لما بعد كل هذا القصف الذي طال منشآت عسكرية ومدنية. وطهران تملك القدرة على إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها، لكنها لا تملك طريقًا يحول هذا الاستنزاف إلى أمن أو استقرار أو ازدهار في الداخل فيما يفقد جوارها كل يوم مزيدًا من الثقة في مبرراتها. وبين قدرة الأولى على التدمير وقدرة الثانية على التعطيل تقع المنطقة كلها في مساحة مفتوحة من الخوف والانتظار.

وتعيش الشعوب الخليجية وسط ميدان الحرب وسط الموانئ، وإلى جوار القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة، وترتبط حياتها بما يمر عبر مضيق هرمز. وتعرف أن أي خطأ في الحساب أو إصابة غير مقصودة أو رد خارج السيطرة قد ينقل المواجهة في ساعات من حدودها المعلنة إلى مدنها ومصالحها وحياتها اليومية. وحدث هذا عدة مرات حينما سقطت شظايا الصواريخ الاعتراضية فوق تجمعات سكنية أو في مناطق خدمية؛ لهذا تبدو الدعوات إلى ضبط النفس أقل من حجم الخطر ما لم تتحول إلى مسار سياسي جاد يعالج أصل الأزمة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة الاحتواء والضغط الأقصى لم تصنع شرقا أوسط أكثر أمنا، بل صنعت سباقا طويلًا في التسلح، ووسعت دوائر الشك، وربطت أمن كل دولة بإضعاف دولة أخرى. وفي المقابل؛ دفعت إيران ثمنا باهظا من أمنها واقتصادها وقدرتها على مواكبة حركة التحديث التي شهدتها المنطقة في الكثير من المجالات. النتيجة أن الجميع أصبح أكثر تسلحا وأقل اطمئنانا. وصنعت الحرب الحالية هوة كبيرة جدا بين إيران وجيرانها، وإن رُممت مع الزمن على المستوى السياسي فمن الصعب ترميمها على المستوى الشعبي.

ومع التحولات التي تشهدها المنطقة فإن الدبلوماسية أصبحت تعمل داخل منطق الحرب؛ حيث تُستخدم الهدن لترتيب المواقع، وتُستأنف المفاوضات تحت ضغط الصواريخ، ويُطلب من الوسطاء منع الانفجار من دون منحهم مساحة لبناء تسوية قابلة للحياة. وهكذا تتحول السياسة إلى إدارة مؤقتة للخطر بدل أن تكون طريقا لمعالجة أسبابه.

هذا هو معنى أن تتحول الحرب إلى نظام؛ تبدأ بوصفها استثناء مؤقتا، ثم تصبح المرجع الذي تُقاس عليه القرارات، وتُعاد وفقه صياغة التحالفات والموازنات والخطابات العامة. وبعد فترة يصبح وقف القتال أكثر تعقيدا من بدئه؛ لأن استمرار الحرب يخلق مصالح جديدة، ومخاوف جديدة، وشروطا جديدة.

الخروج من هذا المأزق يحتاج إلى شجاعة سياسية لا تقل عن الشجاعة المطلوبة في ساحات القتال، يحتاج إلى اتفاق أوضح من مذكرة التفاهم التي لم تستطع الصمود كثيرا، ويحتاج إلى ثقة متبادلة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية، وقواعد تمنع استهداف دول الجوار، ومسار إقليمي تشارك فيه دول الخليج وإيران والعراق على قاعدة السيادة والمصالح المشتركة. كما يحتاج إلى اعتراف أمريكي بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى مشروعا عسكريا تديره القوة من الخارج.

الخروج من هذا المأزق يحتاج إلى شجاعة سياسية لا تقل عن الشجاعة المطلوبة في ساحات القتال. ويبدأ باتفاق أكثر وضوحا وصلابة من مذكرة التفاهم التي انهارت سريعا وبترتيبات أمنية واقتصادية تجعل العودة إلى الحرب أكثر كلفة على جميع الأطراف. كما يحتاج إلى قواعد ملزمة تمنع استهداف دول الجوار ومسار إقليمي تشارك فيه دول الخليج وإيران والعراق على أساس السيادة والمصالح المشتركة، وإلى مراجعة أمريكية لفكرة أن أمن المنطقة يمكن أن يبقى مشروعًا عسكريًا تديره القوة من الخارج.

إن وقف إطلاق النار حين يأتي سيكون بداية ضرورية، لكنه لن يكفي وحده. ستعود الحرب ما دامت أسبابها قائمة، وما دام كل طرف يعتقد أن أمنه يبدأ من خوف الطرف الآخر. الشرق الأوسط يحتاج الآن إلى أكثر من هدنة؛ يحتاج إلى الخروج من الفكرة التي حكمته طويلًا؛ فكرة أن السلام يمكن أن يولد من ميزان رعب دائم.