No Image
العرب والعالم

"زوطر الغربيّة" العالقة خلف خطوط الإحتلال

25 يوليو 2026
25 يوليو 2026

بيروت- وفاء عواد

هي بلدة متربّعة على كتف الليطاني، في أقصى جنوب لبنان، حيث تتقاطع التلال مع مجرى النهر، وتقف القرى كحارسات للزمن والذاكرة، وتتشابك خرائط الجغرافيا مع خطوط الإشتباك. "زوطر الغربيّة" في قضاء النبطية.. وفي الأسماء تكمن حكاية بلدة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها خمسة كيلومترات مربّعة، لكنّها وجدت نفسها، منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس الفائت، في قلب معركة تجاوزت حدودها الضيّقة الى ما هو أوسع في المشهد الميداني.

بلدة صُنّفت كإحدى أكثر النقاط سخونةً، وواحدةً من أكثر البلدات استهدافاً. وذلك، قبل أن تحتلّ، بجرّة قلم، المرتبة الأولى على لائحة "المناطق التجريبيّة"، الى جانب بلدتَي فرون وصريفا، والتي بدأ العمل بها يوم الثلاثاء الفائت، في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من "إتفاق الإطار" الموقّع بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، في 26 يونيو الفائت، والذي ينصّ على انسحاب إسرائيلي متدرّج من الأراضي اللبنانية المحتلّة.

وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإنّ موقعها الجغرافي منحها ثقلاً عسكرياً مضاعفاً، ولا سيّما أنّها تشكل المدخل الطبيعي إلى محور علي الطاهر وقلعة الشقيف، وهما من أكثر المواقع التي احتلّت أهمية في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، كما في حسابات "حزب الله"، خلال الحرب وما بعدها، إذْ تردّد اسمها كثيراً كبلدة مرسومة باللون الأحمر على خرائط نشرات المساء والأخبار العاجلة، وإنْ لم تطأ أقدام جنود الإحتلال الإسرائيلي إلا أطرافها.

وعليه، لم تكن هذه البلدة، غير المحتلّة أساساً، أولى المراحل التجريبية لامتحان قدرات الجيش اللبناني، من قبل إسرائيل، في مسار حصر السلاح، بل كانت أولى البلدات التي كشفت مشاهدها حجم الدمار الذي لحق بها، وخصوصاً أن إسرائيل كانت تفرض سيطرتها عليها بالنار، فضلاً عن حقيقة ثانية أكثر مرارةً، ومفادها أن ما يقارب 70% من مساحتها سيبقى ضمن المنطقة المحظورة. ذلك إن الإحتلال، ورغم كلّ الإحتفاليّة بعودة "زوطر الغربية" الى كنف الدولة، لا يزال يرسم حدوداً للتنقل داخلها، وقد منع الجيش اللبناني من دخول أجزاء منها، ولا سيّما المنطقة المحاذية لـ"زوطر الشرقية"، والتي لا تزال محتلّة بالكامل.

فصل "الزوطريْن"

ومن موقعها، فإن "زوطر الغربية" لم تُذكر منفردة منذ البداية. فالتسريبات التي سبقت "مفاوضات روما" كانت تشير إلى "زوطر" بصورة عامة، قبل أن يستقرّ البيان الأميركي على تسمية "زوطر الغربية" وحدها، من دون "زوطر الشرقية"، الواقعة جغرافياً على الحافّة الأمامية لشمال نهر الليطاني، وتطلّ على جنوبه. علماً أن "زوطر"، بقسميها الغربي والشرقي، تُعرف بأنها إحدى أجمل قرى "جبل عامل"، وتُلقّب بـ"عروس الليطاني". أمّا اسمها، فمرتبط بالأرض الحمراء، في إشارة إلى لون تربتها الخصبة التي عُرفت بإنتاجها الزراعي الوفير، ولا سيّما كروم العنب التي اشتهرت بها البلدة لعقود طويلة.

وهكذا، وللمرّة الأولى منذ إعلان "وقف إطلاق النار"، بعد الحرب الإسرائيلية التي إمتدّ أمدها حتى أواخر يونيو الفائت، فإن الطريق الى "زوطر الغربيّة" بات سالكاً للعودة التجريبيّة، وتحت أعين الإحتلال الذي لا يزال يحتفظ بالميدان.. ذلك أن فصل "الزوطرين"، وفق قول مصدر مواكب للمشهد، أصعب من الفصل بين أميركا والمكسيك، لافتاً "عُمان" الى أن "الغربيّة" تعتاش في خدماتها المعيشية من توأمها "الشرقيّة"، بدءاً من خطوط الهاتف والمياه، ووصولاً الى خطوط الكهرباء، الموصولة الى البلدة في اتجاه "الشرقية" إمتداداً من منطقة النبطية.

بلدة بلا ملامح!

لكنْ، أيّ عودة هذه الى "بلدة أُدرجت في كواليس السياسة كحقل تجارب بارد، وبيوتها صارت أثراً بعد عين؟".. تسأل الشابة الثلاثينيّة هبى ياغي، فـ"البيوت ليست حجارةً وسقوفاً، بل ذاكرة كانت تتنفّس، وأمانٌ كان يسكننا"، مؤكدة في الوقت عينه: "عدنا.. لكنْ، بقلوب تحمل من الحنين ما يفوق قدرتها على الإحتمال". وهبى واحدة من أبناء البلدة، الذين كانوا يعلمون أن الحرب خلّفت دماراً كبيراً، لكن أحداً منهم لم يتوقع أن تكون الحقيقة بهذا القدر من القسوة. فـ"كلّ ما نقلته الشاشات، وكلّ ما روته الأخبار، بدا أقلّ بكثير من الواقع الذي صدم العائدين"، يقول أحدهم.

منازلٌ تحوّلت الى ركام، وأخرى تضرّرت بشكل بالغ، فيما تقف البساتين شاهدة على موجات القصف المتكرّر. وداخل البلدة، طرقات حفرتها الغارات، ومبانٍ فقدت ملامحها، ومساحات سكنيّة تحوّلت الى فراغات مفتوحة على الصمت، وما من مكان يحمل ذاكرة جماعيّة إلا وطاله الدمار، بدءاً من البيوت التراثية ووصولاً الى المسجد القديم الذي يعود بناؤه الى العام 1850. أما التقديرات الأوليّة، فتشير الى أن إسرائيل دمّرت ما يقارب الـ80% من منازل البلدة، بين دمار كلّي أو جزئي. والكارثة، بحسب أبناء هذه البلدة، لا تُقاس بنسبة البيوت المهدّمة فقط، بل بما أصاب روح المكان نفسها، حيث لا شوارع مألوفة، ولا منازل يمكن التعرّف اليها، ولا ساحات تجمع، وكلّ شيء بدا وكأنّه اختفى تحت جبال من الركام.

وما بين الأمس واليوم، حيث الفراغ الثقيل لا يزال يلفّ المكان، والمحلّقات الإسرائيلية لا تغيب عن المشهد، كظلّ معلّق فوق الأرض وناسها، والطريق الرئيسي اليها من ناحية "زوطر الشرقية" المحتلّة غير آمن، فإن أهالي "زوطر الغربيّة" عادوا من أماكن نزوحهم القريبة والبعيدة، ولو لإلقاء نظرة على ما خلّفته آلة الحرب الإسرائيلية على أرض التخريب والتجريب في آن واحد.. تفقدوا ركام أحلامهم، عاينوا ما تبقّى من بيوت عالقة بين التدمير الكلّي والجزئي، وعملوا مع فرق الإسعاف والدفاع المدني على سحب جثامين الشهداء. هم أصحاب الأرض. دفعوا "ديّتها" ماضياً وحاضراً.

هنا، تحت شمس يوليو الحارقة، سيّدة تستعجل دخول بلدتها، بعدما أتعبتها المنافي الصغيرة والكبيرة، وتبدي استعدادها لأن تنصب خيمة فوق ركام منزلها، إنْ وجدته مهدّماً. فـ"أم محمد" لا ترى بلدتها مساحة جغرافية مشرّعة على الإحتلال، بل "قطعة من الروح تُنتزع من بين الضلوع".. وهناك، شابٌ يشير الى أن الطريق المؤدية الى البلدة "بات موحشاً ومكشوفاً، كأنّه فخّ مفتوح على احتمالات لا تطمئن". وهنالك، رجل مسنّ متكئ على عكّازه الذي صار امتداداً لجسده المنهك، كأنّه يقيس به المسافة بينه وبين ذاكرة لم تغادره يوماً. يحدّق بصمت نحو التلّة التي تختبئ خلفها بلدته. فـ"هناك كان منزل العائلة الأول، وهناك كانت الكنيسة التي تختصر حكاية بلدة، لم تكن يوماً مجرد ساحة مواجهة، بل مكاناً للحياة"، يقول "أبو فراس"، وهو يحاول التخفيف من حماسة البعض حيناً وانفعال البعض الآخر أحياناً، شارحاً بصوت متقطّع إجراءات الجيش اللبناني المستمرّة، والمنطلقة من اعتبارات أمنيّة، ولا سيّما الخشية من وجود مخلّفات الحرب أو أجسام غير منفجرة.

وهنا وهناك وهنالك، وجوهٌ أنهكها الإنتظار، وعيونٌ معلّقة بالمساحات المحظورة.. هم يعلمون جيداً أن 3 دقائق فقط تفصلهم عن بيوتهم وأرزاقهم، إلا أن هذه المسافة تبدو اليوم كأنّها لا تُقطع، بفعل طريق مغلق بالألغام والركام. لكنّهم حتماً لا يرون في وقوفهم اليومي عند مدخل البلدة إنتظاراً عابراً، بل تمسّكاً بحقّ العودة، ورفضاً لأن تكون النار خاتمة الحكاية.. وهنا، وبحسب ما تقول بتول عزّ الدين، يتحوّل المواطن الصامد إلى "عابر غريب" في ملكه، يستجدي إذناً مسبقاً ليعبر إلى ذكرياته، منتظراً موافقة لجان المراقبة الدولية، وكأنّه ضيف ثقيل ينتظر على عتبة ضيعته!

وتكرّ سبحة المشاهد، لتستقر على مشهد تمركز حاجز للجيش اللبناني عند المدخل الغربي للبلدة، حيث "ضوء أخضر" رسمي يسمح للأهالي بالدخول إليها، بعد أن انتهى تنفيذ أعمال المسح الهندسي لإزالة القذائف غير المنفجرة ومخلّفات الحرب فيها. أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فإن ثمّة كلاماً عن أن انتشار الجيش في "زوطر الغربية" يواجه تعقيدات وعوائق تحول دون عودة كلّ أهل البلدة اليها. ذلك أن التداخل الجغرافي بين "الغربيّة" و"الشرقية"، معطوفاً على استمرار احتلال الأخيرة، يعرّض كلّ شخص يقترب من حدود البلديتين الى الخطر. وبالتالي، عمد الجيش الى إغلاق بعض الممرّات والطرقات الفرعية أمام المواطنين، تفادياً لأيّ تهديد وخطر، وذلك عبر رفع سواتر ترابيّة واستحداث نقاط ثابتة.

"المناطق التجريبيّة"

وإلى أن يكتمل مشهد العودة على مفاعيله التنفيذية، أشارت مصادر عسكريّة لـ"عُمان" الى أن اختيار "زوطر الغربيّة"، بالإضافة الى "فرون" و"صريفا"، لبدء تشغيل "المناطق التجريبيّة"، لا يبدو تفصيلاً جغرافياً عابراً. فالقرى الـ3، على اختلاف موقعها ممّا يُسمّى "الخطّ الأصفر"، ترسم عملياً امتداداً واحداً، يربط محاور حسّاسة بين منطقتَي بنت جبيل والنبطية ووادي الحجير وتلّة علي الطاهر، مع ما يعنيه الأمر، وفق المصادر نفسها، من أن التجربة الحالية، بما يخصّ "المناطق التجريبيّة"، تتجاوز مفهوم الشريط الحدودي التقليدي. مع الإشارة هنا الى أن "زوطر الغربيّة" تقع على تماس مع أحد أكثر المحاور حساسيّة في القطاع الشرقي، ولا وجود للجيش الإسرائيلي في أيّ نقطة تابعة عقارياً لها، إنْ في داخلها أو عند أطرافها، فيما "صريفا" و"فرون" تقعان خارج "الخطّ الأصفر"، أي خارج الحدّ الأقصى لمنطقة الإحتلال الإسرائيلي الحالية. وبالتالي، فإن ما بدأ ليس انتشار الجيش بحدّ ذاته، بل تشغيل آلية جديدة تربط هذا الإنتشار بإجراءات التحقّق والمراقبة، وبمراحل الإنسحاب الإسرائيلي عندما تبدأ.

وفي الإنتظار، ومن بوّابة خطوة دخول الجيش اللبناني إلى "زوطر الغربية"، البلدة التي كانت محتلّة بالنار كلّياً، وواحدة من نحو 150 بلدة لا تزال محتلّة، وتفوق مساحتها الـ600 كلم2، فإن ثمّة إجماعاً على أن الحرب لا تكتفي هنا بإعادة رسم الجغرافيا، بل تضيء على واقع قرى وبلدات جنوبية، لا تزال تُراقب من الأعلى وتُستعاد بالصورة، فيما يعيش أهلها بين رغبتين متناقضتين: أن يبقى كلّ شيء كما هو، وأن ينتهي في الوقت نفسه المشهد الذي يجعل البيت "قريباً جداً" و"بعيداً جداً" في آن واحد. ويبقى السؤال: هل ستشكّل "المناطق التجريبيّة"، بنسختها الأولى، نقطة انطلاق ودفع لبدء تنفيذ "إتفاق الإطار" على الأرض، أم أنها ستترنّح في مكانها، على وقع المسيّرات الإسرائيلية التي تأبى أن تغادر السماء؟!