نساء يفقدن أحلام الأمومة في رحلة محفوفة بالمخاطر
د. حكمت المصري
لم يكن في غرفة العمليات صوتٌ يعلو على بكائها المكتوم.كانت سميرة محمود تستلقي على السرير الأبيض، بينما تتحرك الطبيبات والممرضات بصمت استعدادًا لإجراء العملية. لم تكن تستوعب ما يحدث، ولم تكن قادرة على تصديق أن الرحلة التي انتظرتها طويلًا انتهت قبل أن تكتمل.
قبل ساعات فقط كانت تضع يديها على بطنها، تتحسس حركتي الجنينين اللذين أخبرها الطبيب قبل أشهر أنهما توأم. كانت تتخيل حياتها بعد أشهر قليلة، وكيف ستحمل طفلين بين ذراعيها في خيمة النزوح التي أصبحت بيتها المؤقت. كانت تؤمن أن الحياة، رغم الحرب، لا تزال قادرة على منحها سببًا للابتسام.
لكن الحرب كانت أسرع من أحلامها، فقد خرجت من غرفة العمليات بجسدٍ منهك، وقلبٍ يحمل فراغًا لا يملؤه شيء.
لم تعد أمًا تنتظر ولادة توأم، بل امرأة تحمل ذكرى طفلين لم يُكتب لهما أن يريا النور.
في غزة، لم تعد الحرب تحصد أرواح من وُلدوا فقط، بل امتدت إلى الحياة وهي لا تزال تنمو في الأرحام. وبين أصوات القصف، والنزوح المتكرر، والجوع، وانهيار المنظومة الصحية، أصبحت آلاف النساء يواجهن رحلة حمل محفوفة بالمخاطر، فيما تكشف الأرقام الرسمية عن ارتفاع غير مسبوق في معدلات الإجهاض خلال الأشهر الأخيرة.
هذا التحقيق يرصد حكايات ثلاث نساء فقدن أحلام الأمومة، ويستعرض شهادات الأطباء والبيانات الرسمية التي تدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل الصحة الإنجابية في قطاع غزة.
"كنت أشتري ملابس لطفلين" تبلغ سميرة محمود ستةً وعشرين عامًا، لم يكن حملها عاديًا، فقد بشّرها الطبيب في الأشهر الأولى بأنها تنتظر توأمًا. منذ تلك اللحظة بدأت ترسم تفاصيل مستقبلها، وتخطط لحياتها الجديدة رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.
كانت تعيش مع أسرتها داخل إحدى خيام النزوح، حيث لا كهرباء مستقرة، ولا مياه كافية، ولا غذاء متوازن، فيما كانت درجات الحرارة المرتفعة تحول الخيمة إلى ما يشبه الفرن طوال ساعات النهار.
تقول سميرة: "كنت أشعر أن وجود طفلين في بطني هو الشيء الوحيد الجميل وسط كل هذا الخراب. كنت أتحدث إليهما كل ليلة، وأعدهما بأن تنتهي الحرب قبل ولادتهما." لكن جسدها المنهك لم يعد يحتمل.
بعد الفحوصات أخبرها الأطباء أن الحمل لم يعد قابلًا للاستمرار، وأنها فقدت الجنينين.
تخرج الكلمات من فمها بصعوبة: "خرجت من غرفة العمليات وأنا لا أستطيع أن أنظر إلى أي طفل. كنت أرى التوأم في كل مكان.
وتقول: "كنت أعتقد أن أصعب شيء هو الحرب، لكن فقدان طفلين دفعة واحدة جعلني أشعر بأن الحرب انتقلت إلى داخلي." ثماني سنوات من الانتظار انتهت في دقائق على بعد كيلومترات قليلة من خيمة سميرة، كانت سماح عابد (29) عامًا تخوض معركة أخرى، ثماني سنوات كاملة قضتها بين العيادات الطبية، والفحوصات، والأدوية، والدعاء.
ورغم الحرب، لم تتوقف عن متابعة علاجها. كانت تحمل ملفها الطبي معها في كل نزوح، خوفًا من أن تضيع سنوات الانتظار.
وأخيرًا تحقق حلمها. تقول"شعرت أن الله عوضني عن كل سنوات الحرمان."
لكن مع دخولها الشهر الخامس بدأت تعاني آلامًا حادة في البطن والظهر.. أظهرت الفحوصات أن الجنين توفي داخل الرحم قبل أيام، وأنه لا بد من إجراء عملية لإخراجه.
تقول وهي تمسح دموعها: "كنت أظن أنني سأعود إلى البيت ومعي صورة جديدة لطفلي، لكنني عدت بعد العملية وأنا أحمل تقريرًا طبيًا فقط." وتضيف: "الألم الجسدي انتهى، لكن ألم فقدان طفلي ما زال يسكنني كل يوم."
تقول: "لم أفقد جنينًا فقط، بل فقدت سنوات من الانتظار، وأحلامًا كنت أبنيها كل ليلة." في غزة، لا تُقاس سنوات الحرب بعدد المباني التي دمرت، بل أيضًا بعدد الأمهات اللواتي خرجن من غرف العمليات بأذرع فارغة، بعد أن دخلنها وهن يحملن حلمًا صغيرًا كان ينتظر أن يرى النور.
أحلام الأمومة المجهضة...
لم تكن المهندسة هيا حسن (24)عامًا تتوقع أن يتحول اختبار الحمل الذي انتظرته بلهفة إلى بداية رحلة طويلة من الفقد.
قبل الحرب بعام تقريبًا، أنجبت طفلتها الأولى بعد حمل طبيعي، وكانت تتخيل أن تكبر ابنتها بين إخوة يملأون المنزل بالحياة. لكن الحرب قلبت كل شيء. لم يعد المنزل موجودًا، ولم تعد الحياة تسير كما كانت، وأصبحت الخيمة عنوانًا ليوميات العائلة.
تقول"لم أكن أعلم أنني سأفقد ثلاثة أحمال قبل أن يتحقق ذلك." ثلاث مرات.. كان الخوف يرافقها في كل لحظة؛ أصوات القصف، النزوح المتكرر، قلة الطعام، وانعدام الشعور بالأمان.
بعد أسابيع قليلة تعرضت للإجهاض، اعتقدت أن ما حدث كان استثناءً فرضته ظروف الحرب، وأن الحمل القادم سيكون مختلفًا.
بعد أشهر حملت مجددًا، هذه المرة كانت أكثر حرصًا.
لكن في أحد الفحوصات الدورية، أخبرها الطبيب بهدوء أن قلبه توقف، تقول هيا: "تمنيت لو أن الطبيب أخطأ، أو أن الجهاز معطل. كنت أحدق في الشاشة وأنتظر أن يتحرك، لكنه لم يتحرك."
وبعد أشهر حملت للمرة الثالثة، لكن النهاية كانت أكثر قسوة.لم يكتمل الحمل أيضًا.
تقول: أصبحت عاجزة عن التعبير." وتضيف: "قال لي الطبيب إنهم يشاهدون حالات مشابهة بشكل متكرر خلال الحرب، وإن كثيرًا من النساء يفقدن أجنتهن دون أن يكون هناك سبب واضح يمكن الجزم به."
حمل في خيمة..
لا يشبه أي حمل داخل مخيمات النزوح، تتحول أبسط تفاصيل الحمل إلى تحدٍ يومي، تبدأ النساء يومهن بالبحث عن الماء، ثم الوقوف في طوابير الطعام، ثم جمع الحطب أو الوقود للطهي، ثم تنظيف الخيمة من الرمال والغبار والحشرات.
لا أسرّة مريحة، لا تهوية كافية، لا خصوصية ولا غذاء متوازن.
تنام كثير من الحوامل على الأرض، ويقضين ساعات طويلة تحت درجات حرارة مرتفعة داخل خيام من القماش أو النايلون، بينما يضطر بعضهن إلى السير مسافات طويلة للوصول إلى نقطة طبية أو للحصول على احتياجاتهن الأساسية.
وفي كثير من الأحيان، لا تستطيع الحامل إجراء الفحوصات الدورية في مواعيدها بسبب صعوبة التنقل أو اكتظاظ المرافق الصحية أو نقص الإمكانات.
داخل غرف الفحص.. الأطباء يلاحظون تغيرًا مقلقًا في مركز المصري الطبي للنساء والتوليد وعلاج العقم، يستقبل الأطباء يوميًا نساءً يحملن قصصًا متشابهة.
يقول الدكتور ناجي القرشلي، مدير المركز، الذي يعمل أيضًا في مستشفى الشفاء ومستشفى القدس وجمعية أصدقاء المريض، إن ما يشهده خلال الحرب يختلف عما اعتاد عليه قبلها.
ويشير إلى أن عددًا متزايدًا من النساء يراجعن العيادات بعد اكتشاف توقف نمو الجنين أو وفاته داخل الرحم، خاصة خلال الأشهر الأولى من الحمل.
ويؤكد أن كثيرًا من هذه الحالات لا يظهر فيها سبب طبي واضح يمكن الجزم بأنه أدى إلى الإجهاض، وهو ما يجعل الأطباء يوصون بإجراء فحوصات وتحاليل موسعة عند الإمكان، مع الإقرار بأن الظروف الحالية تحد من القدرة على الوصول إلى تشخيص كامل في جميع الحالات.
ويضيف أن الطواقم الطبية لاحظت أيضًا حالات لأطفال ولدوا بتشوهات خلقية أو إعاقات مختلفة، منها إعاقات جسدية وسمعية وبصرية، وبعضها يُكتشف أثناء الحمل عبر أجهزة التصوير بالموجات فوق الصوتية، بينما لا تُكتشف حالات أخرى إلا بعد الولادة.
ويشدد على أن إثبات أسباب هذه الحالات يحتاج إلى دراسات علمية وبائية متخصصة، إلا أن تكرارها خلال الحرب يستدعي اهتمامًا بحثيًا وصحيًا عاجلًا.
حين يصبح الوصول إلى الطبيب رحلة بحد ذاتها لم تعد زيارة الطبيب أمرًا بسيطًا بالنسبة للحوامل في غزة.
فبعض النساء يقطعن عشرات الكيلومترات سيرًا على الأقدام أو باستخدام وسائل نقل بدائية، في طرق متضررة أو غير آمنة، للوصول إلى مستشفى أو مركز صحي.
وتضطر أخريات إلى تأجيل المراجعات الطبية بسبب غياب وسائل النقل أو ارتفاع تكلفتها أو الخوف من القصف أثناء التنقل.
وفي أحيان كثيرة، تصل الحامل إلى الطبيب بعد أن تكون المضاعفات قد تطورت، فتضيق فرص التدخل المبكر.
أحلام مؤجلة... وقلق لا يغادر
بعد فقدان الحمل، لا تعود حياة النساء كما كانت، تقول سماح إنها لم تعد تستطيع النظر إلى ملابس الأطفال التي اشترتها.
وتقول سميرة إنها تتجنب الحديث عن التوأم لأنها تشعر أن الكلمات تعيد إليها ألم الفقد.
أما هيا، فأصبحت تخشى اختبار الحمل نفسه.
تقول: "كنت أنتظر ظهور خطين على جهاز الفحص بفرح، أما اليوم فأخاف من الفرح نفسه، لأنني لا أعرف كيف ستكون النهاية." وبينما تتشابه القصص، تختلف تفاصيلها، لكن القاسم المشترك بينها هو أن الحرب لم تكتفِ بسلب النساء بيوتهن وأمانهن، بل امتدت إلى أكثر أحلامهن خصوصية: أن يصبحن أمهات، أو أن يكتمل حمل طال انتظاره.
أرقام تنذر بالخطر
لم تعد القصص التي ترويها النساء داخل عيادات النساء والولادة مجرد حكايات فردية، بل أصبحت تعكس نمطًا يثير قلق العاملين في القطاع الصحي.
في كل صباح، تصل نساء يحملن ملفات طبية وصورًا بالأشعة ونتائج فحوصات، لكن ما يجمع بين كثير منهن ليس التشخيص، بل السؤال ذاته: لماذا فقدت حملي؟ وفي كثير من الحالات، لا يملك الأطباء إجابة قاطعة.
أرقام لا تمثل إحصاءات فقط... بل أحلامًا مفقودة تكشف بيانات وزارة الصحة الفلسطينية أن قطاع غزة سجل خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 3958 حالة إجهاض، في رقم يعكس تدهورًا مقلقًا في واقع الصحة الإنجابية.
وتظهر البيانات أن معدل الإجهاض ارتفع من 64 حالة لكل ألف مولود حي خلال النصف الثاني من عام 2025 إلى 208.5 حالات لكل ألف مولود حي خلال النصف الأول من عام 2026، أي أكثر من ثلاثة أضعاف خلال فترة وجيزة.
وسجل شهر أبريل ذروة الارتفاع بمعدل 377.25 حالة لكل ألف مولود حي، بينما شهد شهر يونيو 790 حالة إجهاض، وهو أعلى عدد شهري خلال الفترة التي شملتها الإحصاءات.
كما تشير البيانات إلى أن 73.6% من حالات الإجهاض وقعت قبل الأسبوع الثالث عشر من الحمل، في حين تعاني 57.1% من النساء الحوامل المسجلات من فقر الدم.
ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإنها لا تكفي وحدها لتحديد أسباب كل حالة، إذ يؤكد المختصون أن كل حمل له ظروفه الطبية الخاصة، وأن فهم أسباب هذا الارتفاع يتطلب دراسات وبائية متخصصة.
حين تجتمع عوامل الخطر يرى أطباء يعملون في قطاع غزة أن المرأة الحامل تواجه اليوم مجموعة من عوامل الخطر المتزامنة، من بينها سوء التغذية، وفقر الدم، والنزوح المتكرر، والإجهاد البدني، والضغط النفسي المزمن، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، ونقص الأدوية والمكملات الغذائية.
وتشير هذه الظروف إلى واقع صحي معقد قد يزيد من احتمالات المضاعفات، إلا أن ربط أي حالة إجهاض بعامل محدد يتطلب تقييمًا طبيًا فرديًا، وهو ما يؤكد عليه الأطباء باستمرار.
فالحمل يحتاج إلى متابعة دورية، وغذاء متوازن، وراحة، وبيئة صحية، وهي متطلبات أصبحت بعيدة المنال بالنسبة لكثير من النساء في قطاع غزة.
بسام زقوت: الواقع الإنساني يضاعف المخاطر يقول مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، الدكتور بسام زقوت، إن تسجيل 3958 حالة إجهاض خلال ستة أشهر فقط يعد مؤشرًا بالغ الخطورة على واقع الصحة الإنجابية.
ويضيف أن النساء الحوامل يضطررن إلى التنقل عبر طرق مدمرة ووسائل نقل غير آمنة، ويعشن حالة خوف مستمرة نتيجة القصف، فضلًا عن النوم على الأرض، وغياب المياه الساخنة ومواد النظافة، وانتشار المكاره الصحية داخل مخيمات النزوح.
ويؤكد أن هذه الظروف الإنسانية القاسية تفرض ضغوطًا كبيرة على صحة النساء الحوامل، وأن التعامل مع هذا الواقع يتطلب استجابة عاجلة لتعزيز خدمات الرعاية الصحية للأمهات.
