كيف يواجه مجلس التعاون الخليجي أزماته الثلاث؟
يلوح في الأفق أن دول مجلس التعاون الخليجي تعيش ثلاث أزمات يمكن تصنيفها إلى: سياسية وعسكرية وجغرافية. الأولى هي شكل العلاقة السياسية بين دول مجلس التعاون والجمهورية الإسلامية الإيرانية التي ما انفكت تتلاطمها أمواج وأعاصير من التصريحات والسجالات والبعض منها وصلت للتهديد، ولكن ذلك كله لم يتحول يوما ما إلى صراع عسكري بين الطرفين.
حسب المعروف فإن دول مجلس التعاون كانت تتعامل مع إيران باتباع سياسة الاحتواء؛ رغبة منها في التعايش السلمي بما يجمع بينهما من قواسم التقارب الجغرافي والثقافي باعتبارها دولة جارة لدول مجلس التعاون، ولها حق حسن الجوار، وأيضا رغبة في تعزيز التقارب الاقتصادي.
بيد أن ما أُسُس طيلة الحقب الماضية، ومع بداية الصراع الإيراني الأمريكي - بتحريض من الكيان الصهيوني - وما يتعلق بالاعتداءات العسكرية ضد دول المجلس يظهر جليا أن سياسة الاحتواء كانت وقتية، وليست دائمة، ويعزز تلك الأقوال والتصريحات الإيرانية غير المتوافقة مع أفعالها في التعامل مع دول المجلس.
على سبيل المثال؛ هناك أعداد من السفن والبوارج الأمريكية ليست بعيدة عن مرمى القوات الإيرانية ومسيراتها، ولكنها كانت تتجاهلها، والتركيز كان ينصب على القواعد العسكرية المتركزة في دول مجلس التعاون. والغريب في الأمر بأن نتائج تلك الضربات تراوح مكانها؛ فأعداد القتلى من الجانب الأمريكي يعدون بأصابع اليد.
أيضا لم تفرق إيران بين الدول التي كانت لها صديقة، وتحاول تهدئة الصراعات والخلافات السياسية بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن مسيراتها وصلت لجميع دول الخليج. وبالتالي، نستطيع القول: إن بعضا من دول مجلس التعاون تعرضت لطعنات غير متوقعة من الجانب الإيراني.
في الجانب الآخر هناك تيار من دول المجلس كان ينظر إلى إيران من منظور الريبة والشك، وعدم اليقين بمصير العلاقات السياسية والتعايش السلمي؛ نظرا لتمدد النفوذ الإيراني في بعض دول المنطقة والعمل على رسم التوجهات السياسية لتلك الدول بما تراه إيران مناسبا، ويخدم مصالحها.
دول المجلس كان هاجسها بأن السياسة الخارجية لإيران تختلف عقيدتها عن قيادة النظام الإيراني، ظهر ذلك أثناء الصراع الإيراني الأمريكي المتمثل في سلطة اتخاذ القرار السياسي؛ حيث ما يوافق عليه الساسة الإيرانيون يأتي وينقضه الفاعلون في النظام الإيراني. كما تم نقض بعض مواد مذكرة التفاهم التي تتعلق بحرية عبور السفن بمضيق هرمز التي وُقعت مع الجانب الأمريكي.
ذلك النقض لم يكن بالتوافق بين الساسة الإيرانيين وقيادة النظام الإيراني، مما قد يكون بداية لحدوث شرخ في وحدة الصف في الداخل الإيراني.
ولكن أيضا هناك رأي لا يقل عنه صلابة بأن إيران تعرضت دائما لتحديات سياسية واقتصادية جسيمة، وفي كل مرة تخرج منها، وهي متماسكة الأركان بمعنى أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي تهدف في كل مرة إلى زعزعة النظام الإيراني آخذت في الانصهار.
عليه فإن التناقض في السياسة الإيرانية خيم على دول المجلس بنوع من القلق، ولم تستطع معه تحديد شكل التعامل مع النظام الإيراني مما يجعلها تعيش في أزمة سياسية شديدة التعقيد.
هذا التباين في نظرة دول مجلس التعاون حيال إيران أعطى مزيدا من عقد الصفقات لزيادة القواعد العسكرية الأمريكية، وزيادة في مشتريات السلاح والعتاد من الجانب الخليجي، وأدى إلى قيام بعض دول مجلس التعاون لعقد اتفاقيات استراتيجية دفاعية مع بعض الدول. ولكن تلك الاتفاقيات لم تُسهم في منع التهديدات الإيرانية التي أصبحت خطرا على دول مجلس التعاون. أيضا عامل الشك والريبة في التعامل مع الشأن الإيراني بدأ يظهر جليا في قضية مضيق هرمز. فبعد مفاوضات معقدة شاركت فيها دول مجلس التعاون في الوصول إلى تفاهمات بين الجانب الأمريكي والإيراني في حرية الملاحة، وعدم فرض رسوم لعبور السفن يظهر في كل مرة أن الفاعلين في النظام الإيراني رأيهم مختلف عما يتم الاتفاق عليه، الأمر الذي نتج عنه هجوم على بعض السفن التي تحاول العبور دون التنسيق مع الجانب الإيراني.
مثل هذه الأحداث أعطت إشارة للجانب الخليجي بأن إيران أصبحت مصدر تهديد حقيقي لأمن واستقرار دول المجلس مع العلم بأن التفاهمات السابقة في وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية كان لدول مجلس التعاون دور محوري في ذلك.
ولكن رغم الضربات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة ضد إيران، والتي تقابلها الأخيرة بالاعتداء على القواعد العسكرية الموجودة بدول المجلس؛ يلاحظ أن المجتمع الدولي، وأيضا الدول الفاعلة من دول المجلس جميعها تقف على الحياد. أيضا من المحللين من يرى أن عامل الوقت يجعل من الصرع الإيراني الأمريكي أمرا عاديا ما يقلل من تأثير ذلك الصراع على الارتفاعات في أسعار النفط، وهذا مشاهد خلال الفترة الحالية؛ حيث لم تصل الأسعار لمستويات قياسية كما كانت عليه في بداية الأزمة.
تتمحور الأزمة الثانية حول الفكرة التي أرساها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، والتي من مضامينها بأن أمن الخليج العربي يعتبر جزءا لا يتجزأ من المصالح الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية. وعلى أساس ذلك عُقدت اتفاقيات للحصول على تسهيلات عسكرية مع بعض دول الخليج من خلالها تستطيع أمريكا التدخل السريع في حال وجود تهديد أمني على الخليج العربي. تلك التسهيلات العسكرية لاحقا تحولت إلى إقامة قواعد عسكرية دائمة في أغلب دول مجلس التعاون. بيد أن هناك غيوما تحيط بطبيعة العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة، ودول مجلس التعاون وخاصة الاستراتيجية التي تتعلق بالأهداف من إنشاء القواعد العسكرية الدائمة: هل هي بمثابة رادع أمني ضد أي تهديد خارجي تتعرض له دول المجلس -وهذا نفته الأحداث الحالية-، أم أن القواعد العسكرية هي تخطيط استراتيجي أمريكي للمحافظة على ثقلها في الشرق الأوسط، وحماية مصالحها الاقتصادية، وأيضا حليفها الكيان الصهيوني؟ وهذا الرأي أقرب للواقع.
في كلا الحالتين يظل المشهد السياسي في دول المجلس معقدا حول طبيعة تلك القواعد. وإن كانت التكهنات تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت لا تعطي أهمية للضربات التي تشنها إيران ضد دول الخليج العربي، ونتيجة لذلك هناك من دول المجلس من يرى بأنها سوف تتخذ قرارات استراتيجية حيال تلك القواعد العسكرية بعد انجلاء الأحداث الحالية. استمرار الصراع الأمريكي الإيراني الذي يهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية يجعل الكيان الصهيوني هو المستفيد الأكبر من ذلك. إضعاف إيران يسمح للكيان الصهيوني بالتمدد والتموضع العسكري في دول المنطقة المجاورة له، وهذا ما حدث في لبنان وسوريا. استمرار الضربات ضد إيران، وبتفرج أغلب الدول العربية، حتى التي كانت بالأمس تلعب دور - الوسيط أو المحايد - يعمل على زعزعة الاستقرار في الدول المجاورة للكيان الصهيوني، والتي أصبحت الآن تستجدي العون والمساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية من أجل كبح جماح الغطرسة الإسرائيلية في دول المنطقة. أيضا استمرار الضربات الأمريكية ضد إيران من شأنه أن يؤجج الفكر الإيراني، ويجعله في حالة عداء مع دول المجلس ظنا بأنها هي التي مهدت الطريق لشن تلك الضربات العسكرية من خلال قواعدها العسكرية الموجودة في المنطقة.
كما أن الأزمة التي تعيشها دول مجلس التعاون حيال ما يعرف - بالاتفاقيات الإبراهيمية - وتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني ليست أقل شأنا؛ فهناك تباين بين دول مجلس التعاون حول مسارات التطبيع؛ فالبعض منها يرى بأن التطبيع والسلام يجب أن يتم مع قيام الدولة الفلسطينية. وهناك تيار آخر يرى أن التطبيع مع الكيان الصهيوني هو الوسيلة الأقرب للتعايش السلمي، ونبذ العنف في المنطقة، ولعلها تفيد في تقوية العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، وتقف الأخيرة مع تلك الدول في حال وجود تهديد خارجي، ولكن ذلك لم يحدث حيث تحملت تلك الدول الخليجية التبعات الكارثية للاعتداءات الإيرانية عليها.
مهما يكن من أمر فإن دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تكون لديها سياسة خارجية موحدة حيال أزماتها الحالية والمستقبلية، وحيال شكل العلاقات مع إيران، وحيال طبيعة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة بحيث تكون السياسة الخارجية لجميع دول مجلس التعاون ذات رؤية استراتيجية موحدة من أجل الحفاظ على مقدراتها وسلامة أمنها الداخلي.
د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس
