إحداث فارق..
يسعى الجميع إلى إحداث فوارق جوهرية في مسيرة حياتهم اليومية، متخذين في سبيل ذلك الكثير من الوسائل المادية المتاحة، والمعنوية المكتسبة، يحدث ذلك للخروج من مأزق النمطية التي لا تعيد تشكيل الأشياء في ثوب جديد، بقدر ما تحافظ على ما هو مكتسب، ومع أن المكتسب ليس شيئا بسيطا، لكن البقاء عليه قد؛ يورث التململ، ولا يعطي نفسا جديدا للحياة، ولذلك فالذين راهنوا مع مكتسبهم المتحقق وتكوروا عليه من الجهات الأربع، وجدوا أن أنفسهم - بعد فترة من الزمن - خارج كل السياقات التي عليها الناس من حولهم، فضلا عن كثير من التمايزات بينهم وبين هؤلاء الآخرين، وهذه الصورة لا تتصادم -إطلاقا- مع مفهوم القضاء والقدر الذي هو من عند الله؛ لأن الإنسان مطالب بأن يسعى ويجتهد، ويترك نتائج ذلك كله لله، فهو المدبر لأمره، والعارف بمصلحته.
هل يسعى الفهم هنا إلى أن يعيش الإنسان طوال سنين حياته مكابدا ومواجها لمختلف الظروف التي تواجهه؟ أليس له الحق أن يترجل من مسار طويل مليء بالتحديات والطموحات والآمال والأمنيات إلى شيء من الراحة والتأمل؟ وإذا كان الأمر وفق معنى النضال المتواصل، فما هي المحطات التي يمكن للإنسان أن يعود إليها لشيء من المراجعة، والموافقة، والمقارنة، وتصحيح الأخطاء، وبناء المواقف والقناعات الجديدة؟ صحيح أن الحياة لن تقف لتراعي مجموعة الانكسارات التي نمر بها، بمعنى أن سياق مسيرتها لن يتوقف ولو لبرهة وبالتالي كما هي المقولة: «إما أن نكون، أو لا نكون» وهذا الامتحان العسير في الكينونة هو الذي يطالب به الإنسان الفرد والمجموع في فهم إحداث الفارق بين محطتين زمنيتين؛ الأولى: كانت بكل منجزاتها، والثانية: المعقود عليها أمل التغيير. فهذا التغيير هو مجال الحديث الدائم سواء على المستوى الشخصي عند الفرد نفسه، أو عند المجموع يظل مطلبا وجوديا إنسانيا بالدرجة الأساس، ولن يعذر الفرد عن الاستمرار في تغيير مسارات حياته اليومية وتعديلها بالإضافة والحذف، مع الأخذ في الاعتبار أن يقترب ذلك من دوائر الآخرين، وخصوصيتهم وأنشطتهم، فكل مسؤول عما يجب أن يكون عليه، مع أن الفطرة البشرية في حد ذاتها محفزة لسلوك هذا التغيير من خلال نزعتها الإنسانية.
الصورة الحاضرة هنا تذهب إلى أن إحداث الفارق يحتاج إلى عنصرين مهمين: أحدهما؛ معنويا، والآخر ماديا، وكلاهما يحتاج إلى عوامل موضوعية، وعوامل تكتيكية، ومن هنا تحدث الفوارق المنجزة بين الأفراد، وبدون ذلك لا يمكن أن تحدث فوارق جوهرية، وهذا الأمر يتطلب أيضا بعدا معرفيا مستمرا، بالإضافة إلى خبرة الحياة المتراكمة عند الفرد، فليس في الوجود يخرج شيء من العدم، وهذا في حد ذاته يوجد تحديا مستمرا، وعلينا أن نقبله بكل استحقاقاته المادية والمعنوية كذلك، مع أن الإنسان يمر بمراحل زمنية في حياته فيها نوع من الخمول النفسي؛ انعكاسا لمجموعة الظروف التي تمر به وتنوعها بين مجموعة من المتضادات المعروفة: حزن فرح، فقر غنى، مرض صحة، ضعف قوة، فهذه التنوعات في حياته تؤثر تأثيرا مباشرا على المحافظة على نسق حياة مستمرة دون منغصات، ولكن بحيويته وهمته ونشاطه، هو يعمل على تجاوزها قدر الإمكان، وتظل النظرة مصوبة نحو ذلك الأفق البعيد، ونحو بصيص الأمل في آخر النفق، وهذا بحد ذاته شيء عظيم، يحسب لهذا الإنسان الذي تتكالب عليه الظروف من كل مكان، سواء سعى إليها من خلال اجتهاده، أو تفرض عليه، وليس له ذنب فيها.
أختم هنا بمقولة تروى عن الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله -: «إذا لم تستطع قول الحق فلا تصفق للباطل». فالاستطاعة هي التي من خلالها يسعى الإنسان إلى إحداث فارق في مسيرة حياته اليومية، وينقل حالته الراهنة «الساكنة» إلى شيء من التغيير، وبناء المواقف، وإعادة تشكيل هيكلية الهرم لمختلف الأشياء من حوله.
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عُماني
