بورصة مسقط.. تنامي الثقة وتحديات الاستدامة
14 يوليو 2026
14 يوليو 2026
حققت بورصة مسقط خلال الأشهر الماضية العديد من الأرقام الإيجابية التي انعكست على ثقة المستثمرين ودعمت الصعود الذي سجلته البورصة في مختلف مؤشراتها، وفي حقيقة الأمر تعد الثقة أحد أبرز العوامل التي تقوم عليها أسواق المال، فهي المحرك الرئيسي لقرارات المستثمرين وتوجهاتهم في بناء محافظهم الاستثمارية وكلما تعززت الثقة انعكست إيجابا على مستويات السيولة وأسعار الأسهم وحركة التداول والقيمة السوقية للشركات المدرجة.
وإذا استعرضنا مؤشرات النصف الأول من العام الجاري فإننا سنجد العديد من الأرقام الإيجابية التي تعكس تنامي الثقة؛ في مقدمتها صعود المؤشر الرئيسي إلى مستوى 8000 نقطة مسجلا أفضل مستوى له منذ عام 2008، وهذا الصعود يعكس في نظر العديد من المحللين التطورات الإيجابية للاقتصاد الوطني كما يعكس أيضا الاهتمام الذي تحظى به البورصة من مختلف الجهات ذات العلاقة بما في ذلك هيئة الخدمات المالية وجهاز الاستثمار العُماني وإدارة بورصة مسقط والشركات المدرجة والمستثمرون، وعلى مستوى قيمة التداول نجد أن بورصة مسقط شهدت في النصف الأول من العام الجاري تداولات قياسية عند نحو 7 مليارات ريال عماني مقابل 917.2 مليون ريال عماني في الفترة المماثلة من العام الماضي، ومن الملاحظ أن تداولات العام الجاري بدأت بـ 836.8 مليون ريال عماني في يناير ثم ارتفعت إلى نحو 1.3 مليار ريال عماني في فبراير وإلى 1.4 مليار ريال عماني في مارس وإلى 1.5 مليار ريال عماني في أبريل وحافظت على مستويات فوق مليار ريال عماني في مايو ثم تراجعت إلى 776.1 مليون ريال عماني في يونيو، كما سجلت القيمة السوقية الإجمالية لبورصة مسقط ارتفاعا جيدا لتصعد بعد إدراج الشركة العمانية الهندية للسماد في 8 يوليو الجاري إلى نحو 38.3 مليار ريال عماني؛ بلغت حصة شركات المساهمة العامة منها 21.8 مليار ريال عماني وإذا عدنا إلى أرقام يونيو من عام 2025 فإننا سنجد أن القيمة السوقية الإجمالية لبورصة مسقط كانت عند 28.2 مليار ريال عماني من بينها 12.9 مليار ريال عماني حصة شركات المساهمة العامة.
وهناك العديد من الأرقام الأخرى التي تعكس تنامي الثقة وزيادة الإقبال على الاستثمار في البورصة وارتفاع العوائد التي يحققها المستثمرون نتيجة لذلك، غير أن أهمية هذه النتائج لا تكمن فقط في الأرقام التي تحققت والإحصائيات التي أشرنا إليها، وإنما أيضا في قدرة البورصة والأطراف الفاعلة فيها على المحافظة على هذا المستوى من الثقة وتعزيزه بما يضمن استدامة الأداء الإيجابي خلال المرحلة المقبلة.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف نحافظ على هذه الثقة؟، وفي نظري أن الإجابة على هذا التساؤل لا تختلف كثيرا عن أهداف البورصات بشكل عام؛ فأي سوق مالية إنما تحرص على تعزيز مدخرات المستثمرين وتحقيق العدالة فيما بينهم للوصول إلى المعلومات وتمكينهم من الاستثمار في البورصة بشكل متساو، ولا يمكن تحقيق هذا إلا من خلال التشديد على الإفصاح والشفافية والحوكمة مع تعزيز الرقابة على الشركات وعلى التداولات، كما أن قيام الصناديق والشركات الاستثمارية بضخ مزيد من السيولة يحافظ على استقرار البورصة ونموها ويعزز أداء المحافظ الاستثمارية، وفي نفس الوقت فإن شركات المساهمة العامة المدرجة بالبورصة مطالبة ليس فقط بالإفصاح والشفافية والحوكمة، وإنما أيضا بتحسين أدائها المالي وتنظيمها الإداري بما ينعكس إيجابا على إيراداتها وأرباحها وتوزيعاتها، أما المستثمرون الأفراد فيكمن دورهم في بناء محافظهم الاستثمارية على أسس سليمة تتضمن قراءة النتائج المالية ومراجعة أداء الشركات خلال السنوات السابقة والتعرف على استراتيجياتها وخططها المستقبلية وعدم اتخاذ قرارات انفعالية عند تراجع أسعار الأسهم، كما أنه من المهم أن يضع الجميع في اعتبارهم أن المحافظة على الثقة لا تعني بأي حال من الأحوال استمرار صعود الأسهم إلى ما لا نهاية؛ فالتراجعات والتصحيحات التي تشهدها البورصة من حين لآخر هي دورة طبيعية في أي سوق مالية، وإنما تكمن الثقةُ في اقتناع المستثمر بأن البورصة تتمتع بالشفافية والإفصاح وأن الإجراءات المتخذة بشأن الرقابة على الشركات تواكب طموحات المستثمرين وسط اقتناع تامٍّ بأن البيئة التنظيمية تكفل العدالة والإفصاح والشفافية وبالتالي فإن فرص نمو الأسعار ستأتي قريبا بالتزامن مع الجهود التي تبذلها الشركات لزيادة أرباحها وتحسين نتائجها ورفع كفاءتها التشغيلية والتحكم في المصروفات.
إن النجاحات التي حققتها بورصة مسقط منذ منتصف العام الماضي هي انعكاس للجهود التي بذلتها مختلف الجهات الفاعلة؛ من الجهات التنظيمية وإدارة البورصة، إلى الشركات المدرجة وشركات الوساطة والصناديق والمستثمرين، وإذا أردنا المحافظة على هذه النجاحات فإن تعزيز الثقة يجب أن يظل في مقدمة أولوياتنا، فالثقة هي الأساس الذي تُبنى عليه الأسواق المالية، مع التأكيد على أن الأسواق المالية تعتبر إحدى القنوات الرئيسية لتمويل الشركات والمحرك الأساسي لاستقطاب الاستثمارات ورفع مستويات السيولة وتحفيز النمو الاقتصادي بشكل عام.
محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
