حين يعود الإرهاب من فراغ السياسة
05 يوليو 2026
05 يوليو 2026
تبدو العمليات الإرهابية التي تقع في أماكن مختلفة من العالم، في ظاهرها، خبرا أمنيا جديدا منفصلا عن سياقه، لكن هذه القراءة قاصرة ومتأخرة، فالإرهاب لا يبدأ في الساعة التي يقع فيها الانفجار فتلك لحظة الذروة منه. يبدأ الإرهاب قبل لحظة الانفجار بوقت طويل جدا عندما تضعف الدولة وتفشل السياسة وتغيب العدالة الاجتماعية.
ما جرى في دول عربية وغربية مؤخرا يذكّر العالم بهذه الحقيقة القاسية، حقيقة أن الدول التي تخرج من الحروب لا تخرج دفعة واحدة إلى السلام، فبين الحرب والسلام توجد منطقة رمادية واسعة ورخوة وقابلة للاختراق وتتعايش فيها أجهزة أمنية منهكة ومجتمعات خائفة واقتصادات محطمة، وسجون ومخيمات وحدود مفتوحة على احتمالات كثيرة. في مثل هذه المناطق يكفي أن تجد التنظيمات المتطرفة فراغا صغيرا في سلطة الدولة أو صدعا في الثقة أو جماعة وجدت في ضعف الدولة فرصة لتحويل غضبها إلى عنف.
أخطأ العالم حين اعتقد أن هزيمة التنظيمات الإرهابية في الجغرافيا تعني هزيمتها في التاريخ. لقد سقطت معاقل كبرى للإرهاب وتفككت شبكات معقدة لكن الشروط التي أنجبت الإرهاب بقيت في أماكن كثيرة على حالها، بل تضاعفت في بعض البيئات قسوة وتعقيدا. فحيث تتراجع الدولة عن وظائفها الأساسية وحيث تتحول الهوية إلى سلاح وحيث يغيب الأمل الاجتماعي، وحيث يصبح الفضاء الرقمي بديلا عن المدرسة والأسرة ومختلف الحواضن الاجتماعية تنشأ قابلية جديدة للعنف، وهذه القابلية أخطر من التنظيم نفسه لأنها قادرة على إنجاب تنظيمات أخرى بأسماء مختلفة.
من هنا تبدو الدعوة إلى مواجهة الإرهاب ناقصة إن اقتصرت على الملاحقة الأمنية. الأمن ضرورة، ولا تستطيع أي دولة أن تتسامح مع القتل المنظم أو أن تترك مواطنيها رهائن للخوف، لكن الأمن، حين ينفصل عن السياسة العادلة يتحول إلى علاج مؤقت لمرض أعمق. وتجفيف منابع الإرهاب يعني قبل كل شيء تجفيف منابع اليأس والإقصاء والظلم والفساد والطائفية وانهيار التعليم وتفكك المجال العام. والتطرف يعيش على قصة يرويها للغاضبين والمنكسرين: أن العالم أغلق أبوابه وأن العنف هو الطريق الوحيد للانتقام.
المفارقة أن النظام الدولي، وهو يراقب عودة الخلايا المتطرفة في أكثر من ساحة، يبدو مشغولا بإدارة الحروب الكبرى أكثر من انشغاله بمنع الحروب الصغيرة التي تنمو في الظل. الصراعات الممتدة في الشرق الأوسط وأفريقيا وانهيار الثقة في المؤسسات الدولية وازدواجية المعايير في قضايا العدالة والحقوق، كلها تمنح خطاب التطرف مادة خاما ومبررات لسرديته. وحين يرى الإنسان أن القانون قوي على الضعفاء ومرن أمام الأقوياء فإن فكرة العدالة نفسها تتعرض للشك، ومن ذلك الشك يبدأ المتطرفون عملهم الأكثر خطورة: تحويل المرارة إلى عقيدة.
لذلك فإن المعركة الحقيقية مع الإرهاب هي معركة على بناء الدولة، وعلى عدالة اجتماعية تمنع اليأس من التحول إلى غضب، وعلى نظام دولي يحترم القانون الذي يطالب الآخرين باحترامه. تحتاج المجتمعات إلى مؤسسات تحميها وإلى عدالة وإلى اقتصاد وأفق يلبي طموحات الشباب وإلى تعليم رصين مرتبط بمنظومات أخلاقية. وتحتاج الدول الخارجة من الحروب إلى رعاية دولية مسؤولة لا تكتفي بإدارة الأزمات من بعيد ولا تختزل الاستقرار في ترتيبات أمنية فاترة.
سيعود الإرهاب كلما وجد فراغا يختبئ فيه وغضبا يترجمه وظلما يتغذى عليه، وسيضعف حين تستعيد الدول قوة القانون وعدالة المؤسسات وكرامة الإنسان وإحساس الناس بأنهم شركاء في أوطانهم لا عابرون على هامشها. والعالم الذي لا يجفف أسباب الإرهاب سيظل يطارد نتائجه وسيظل يكتشف، متأخرا، أن الرماد الذي تركه خلفه كان ينتظر ريحا جديدة كي يشتعل.
